
كشفت تحليلات سياسية وعسكرية في الصحف الإسرائيلية عن جانب من النقاش السائد حول الحرب والجبهات المفتوحة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. ومع ذلك، فإن قراءة مقالين لعاموس هرئيل وتسفي برئيل خارج الإطار المعتاد الذي يقدمانه تطرح سؤالاً أوسع من فكرة أن إسرائيل قد “تفوّت فرصة سياسية” في لبنان.
المسألة لا تتعلق بكون إسرائيل أمام فرصة جيدة ولا تعرف كيف تستثمرها، أو بأنها تسعى للسلام ولكن قد تفقد هذه الإمكانية بسبب اعتبارات انتخابية. هذا التفسير قد ينتهي، دون نية، إلى تبرئة إسرائيل من مسؤولية خياراتها.
الأهم مما تكشفه هذه التحليلات عن هيكل السياسة الإسرائيلية هو وجود ادعاء بأن هناك مساراً سياسياً جاداً قد يتشكل في لبنان، وكأنه يمكن أن يؤدي إلى تسوية، ولكن يبقى السؤال: بأي ثمن، وتحت أي شروط، وما هو المقابل؟ هذا المسار يأتي بعد تعرض الجنوب اللبناني لدمار هائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، بينما تستمر إسرائيل، التي يصعب الثقة بها، في الاعتماد على القوة العسكرية والضغط والسيطرة على الأرض كأدوات رئيسية لإدارة الصراع. وتأتي الانتخابات في هذا السياق، لا كسبب وحيد للسياسة الإسرائيلية، وإنما كعامل يمكن أن يؤثر في توقيت القرارات ودرجة شدتها، وفي أهمية الجبهات المفتوحة بالنسبة للقيادة السياسية.
في لبنان، يصف برئيل وضعاً يحمل عناصر تميز عن السنوات السابقة. فالحكومة اللبنانية تبدو أكثر استعداداً لتأكيد سيادتها، والجيش اللبناني يسعى لتعزيز قدرته وانتشاره، وهناك استعداد أميركي وأوروبي وعربي لدعم الدولة والجيش وإعادة الإعمار، في حين تعرض حزب الله لضغوط أضعفت قدرته العسكرية.
هذه ليست مجرد تفاصيل، بل محاولة لبناء معادلة جديدة في الجنوب اللبناني، حيث تنتقل المسؤولية تدريجياً من المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى الدولة اللبنانية وجيشها والترتيبات السياسية والأمنية.
لكن هذه المعادلة تواجه مشكلة أساسية: إسرائيل ترغب في أن يثبت لبنان قدرته على مواجهة حزب الله، بينما يحتاج لبنان في الوقت نفسه إلى مساحة سياسية وميدانية تمكنه من بناء هذه القدرة. وإذا استمرت إسرائيل في الاحتفاظ بمناطق تخضع لسيطرتها وواصلت توجيه الضربات والعمليات، فقد تحافظ على مكاسب عسكرية مباشرة، لكنها قد تضعف قدرة الدولة اللبنانية على تقديم نفسها كبديل عن حزب الله.
هذا ليس بالضرورة “فرصة تضيعها إسرائيل”، وإنما مأزق ينجم ليس فقط عن اعتمادها على القوة العسكرية كالأداة الأساسية لإدارة الصراع، بل عن نهج يعتمد على القوة وفرض الوقائع والسيطرة على الأرض.
وهذا هو السؤال الذي يتجاوز لبنان نفسه: هل ترغب إسرائيل في استخدام تفوقها العسكري للوصول إلى ترتيبات سياسية جديدة، أم أن الاستمرار في السيطرة والضغط العسكري، الذي أعيد إنتاجه بصورة أكثر قسوة وإجراماً، أصبح هو الأسلوب المعتمد في إدارة الصراع؟
في غزة، لم تؤدِ سنوات الحرب والدمار والعمليات العسكرية إلى إنتاج أفق سياسي واضح. وما يحدث اليوم يشير إلى أن إسرائيل تستمر في خطط بعيدة عن ما تم التوقيع عليه والتفاوض بشأنه مع “مجلس السلام”، وأنها ماضية في تنفيذها. الاستمرار في حرب الإبادة، والسيطرة على الأرض، وتدمير مقومات الحياة، يشير إلى أن الانتخابات الإسرائيلية ليست السبب الرئيسي وراء استمرار هذا النهج، بل تأتي في سياق تحقيق أهداف الحرب التي لم تنتهِ، مما يجعلها حرباً طويلة الأمد رغم ما تحمله من دمار.
بهذا، تصبح تجربة غزة ذات أهمية عند القراءة لما يجري في لبنان. فإذا كانت القوة العسكرية وحدها كفيلة بحسم الصراع، لكان من المفترض أن تؤدي سنوات الحرب إلى نتيجة سياسية واضحة. لكن الواقع أكثر تعقيداً: القوة يمكن أن تدمر البنية العسكرية للخصم، أو تفرض السيطرة الميدانية، أو تغير ميزان القوى، لكنها لا تضمن منتجاً سياسياً قادراً على الاستمرار.
لذا، تصبح الانتخابات الإسرائيلية عاملاً إضافياً في المشهد، لا تفسيراً شمولياً له. فبحسب هرئيل، يفضل الجيش الإسرائيلي الابتعاد عن فتح جبهة جديدة مع الحوثيين، بينما يبدو أن لدى نتنياهو حسابات مختلفة تتعلق بالحفاظ على أكبر عدد ممكن من الجبهات مفتوحة، وإمكانية تسخين بعضها قبيل الانتخابات. هذه قراءة وتحليل إسرائيليان، وليسا حقيقة يمكن الجزم بها حول دوافع رئيس الحكومة، لكن أهميتهما تكمن في أنهما يعكسان نقاشاً داخل إسرائيل حول العلاقة بين الجبهات العسكرية والسياسة الداخلية.
المشكلة، إذن، ليست في الانتخابات وحدها، وإنما في أن الحرب والجبهات المفتوحة لم تعودا مجرد أدوات تستخدمها الحكومة في اللحظات الانتخابية، بل أصبحتا في صميم السياسة الإسرائيلية والعقيدة الأمنية والعسكرية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، وفي طريقة إدارة السيطرة على الأرض في غزة ولبنان وسورية والضفة الغربية.
إذاً، قد تؤثر الانتخابات في توقيت القرارات وشدتها، لكنها لا تفسر وحدها استمرار هذا النهج. فالانتخابات نفسها تجري في بيئة سياسية أصبحت فيها الحرب والأمن والسيطرة على الأرض جزءاً من مركز السياسة الإسرائيلية. وفي مثل هذه البيئة، يمكن للإنجاز العسكري أن يتحول إلى رصيد سياسي، كما قد تفرض الجبهة المفتوحة نفسها على جدول الأعمال الداخلي.
وتقدم الضفة الغربية مثالاً آخر على هذه الطريقة في إدارة الصراع. فبحسب هرئيل، فإن قسماً كبيراً من الأحداث العنيفة هناك أصبح مرتبطاً بالعنف الإسرائيلي، وخصوصاً إرهاب المستوطنين، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش والشاباك عمليات واسعة ضد الفلسطينيين. كما يتزايد الضغط الدولي على إسرائيل بسبب التطورات في الضفة، بما في ذلك العقوبات المتعلقة بالمستوطنات.
لكن الحقيقة أن هذه السياسة تجاوزت منذ زمن طويل مجرد إدارة الصراع، وأصبحت تهدف إلى فرض واقع ميداني وسياسي جديد، وصولاً إلى الضم وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية. وفي غزة، يترافق ذلك مع التهجير القسري وتدمير الأحياء والبنية المدنية، مما أثار بالفعل مخاوف أممية من التطهير العرقي. وفي لبنان، يظهر النهج ذاته بصورة مختلفة: تدمير واسع للقرى والبلدات، وتهجير السكان، وإبقاء مناطق تحت السيطرة العسكرية، مما يجعل العودة وإعادة الإعمار مسألة مرتبطة بالوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض.
في غزة، تبدو آثار ذلك في استمرار تدمير البنية المدنية وتعزيز الوقائع الميدانية الجديدة. وفي الضفة، يستمر التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والضغط العسكري. وسياسات التطهير العرقي وتهجير الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة وفي لبنان تُناقَش حالياً في سياق مناطق السيطرة الإسرائيلية ومستقبل الانتشار والانسحاب.
وعندما تُقرأ هذه الساحات مجتمعة، يصعب اختزال المشهد في حسابات نتنياهو الانتخابية وحدها. فالانتخابات قد تؤثر في التوقيت، لكنها لا تفسر الهيكل الذي يجعل القوة العسكرية والسيطرة على الأرض في قلب السياسة الإسرائيلية.
وهنا تكمن أهمية قراءة التحليلات الإسرائيلية بحذر. فهي تقدم معلومات هامة عن النقاش داخل إسرائيل، والفروق بين الجيش والدوائر السياسية، فضلاً عن الحسابات الأمنية والانتخابية. لكن في الوقت نفسه غالباً ما تنطلق من افتراض أن المشكلة تكمن في كيفية تحقيق إسرائيل لأمنها ومصالحها، وليس في حقوق الفلسطينيين أو الكلفة التي يتحملها الفلسطينيون بسبب استمرار هذا النهج.
وهنا يتضح الفرق بين لبنان وتجربة غزة. إذا كانت إسرائيل قد اعتمدت على القوة على مدى سنوات لإضعاف خصومها، فإن السؤال الذي يجب طرحه هو: ماذا حققت عسكرياً؟ وماذا أنتجت سياسياً؟ وهل جعلت المنطقة أكثر أمناً واستقراراً، أم أنها قامت بإعادة إنتاج الصراع بأشكاله الجديدة؟ غزة تقدم في الوقت الحالي الإجابة الأكثر وضوحاً حول حدود القوة العسكرية: الدمار يمكن أن يكون هائلاً، والخسائر البشرية كارثية، والسيطرة الميدانية واسعة، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة حلاً سياسياً.
