
اليوم، وبعد قرارات شطب القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، وسامي أبو شحادة وعوفر كسيف من القائمة المشتركة، وفي ظل تقديرات بإلغاء قرارات الشطب أمام المحكمة العليا، باستثناء شطب التجمع، لم يعد من السهل التعامل مع هذه التطورات باعتبارها حالات منفصلة تخص حزبًا أو مرشحًا بعينه. فهي تفتح بابًا لمراجعة أوسع لموقع الكنيست في المشروع السياسي لفلسطينيي الداخل، ولمدى صلاحية التعويل عليها باعتبارها الإطار الأساسي للعمل السياسي.
فالكنيست تبقى مسألة خلافية داخل مجتمعنا الفلسطيني، بين من يرى في المشاركة فيها وسيلة للتأثير والدفاع عن الحقوق، وبين من يتبنى المقاطعة انطلاقًا من موقف مبدئي يرى أن الكنيست، في بنيتها وطبيعة دورها، ليست إطارًا سياسيًا جامعًا لنا. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى المقاطعة هنا لا تأتي فقط كرد فعل على قرارات الشطب أو على ظرف سياسي آني، وإنما تنطلق من موقف مبدئي أوسع تجاه مكانة الكنيست في مشروعنا السياسي، وتجاه الحاجة إلى البحث عن مساحات أخرى لبناء القوة والعمل الجماعي داخل المجتمع.
فالكنيست ليست مجرد مؤسسة برلمانية محايدة نختلف حول جدوى المشاركة فيها، وإنما مؤسسة تشرّع قوانين وسياسات تمس الفلسطينيين في الداخل وحقوقهم ومكانتهم، إلى جانب سياسات تطال الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده. لذلك، ربما يحتاج النقاش إلى أن يتجاوز سؤال القدرة على التأثير من داخلها، ليشمل طبيعة هذه المؤسسة والدور الذي نريد أن نمنحه لها في مشروعنا السياسي.
ومن هنا، يمكن أن تكون الدعوة إلى المقاطعة مدخلًا إلى سؤال أوسع من قرارات الشطب الأخيرة: ماذا يعني أن يبقى جزء أساسي من العمل السياسي العربي مرتبطًا بمؤسسة يمكن أن يصبح فيها حق الترشح نفسه موضعًا للملاحقة والشطب، فضلًا عن كونها تشرّع سياسات وقوانين تمس وجودنا وحقوقنا؟
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل نواصل استثمار جزء كبير من طاقتنا السياسية في معارك متكررة حول المشاركة في الكنيست والحفاظ على التمثيل فيها، أم نعيد توجيه جزء أكبر من هذه الطاقة نحو بناء المجتمع وتعزيز قدرته على تنظيم نفسه والدفاع عن قضاياه؟
لذا كانت المقاطعة بهذا المعنى لا تعني الانسحاب من السياسة أو التخلي عن المطالبة بالحقوق، وإنما إعادة توجيه جزء من الفعل السياسي نحو المجتمع، عبر اللجان الشعبية، والنقابات، والهيئات المهنية، والحراكات الجماهيرية، وسائر الأطر التي يستطيع الناس من خلالها تنظيم أنفسهم والتعبير عن مصالحهم والدفاع عنها. فالسياسة أوسع من صندوق الاقتراع.
وهذا لا يتطلب بالمناسبة وحدة سياسية تلغي التعدد والاختلاف بين التيارات، وإنما حدًا أدنى من الوحدة المجتمعية حول القضايا الكبرى، ووعيًا سياسيًا وهوياتيًا يعزز القدرة على العمل المشترك، حتى لا يبقى المجتمع أسير الخلافات الحزبية أو مرتبطًا بمسار انتخابي واحد.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو اللحظة أبعد من مجرد معركة حول مصير قوائم أو مرشحين، وتفتح المجال للنظر إلى ما بعدها. والأجدر في هذه المرحلة ألّا تتحول المسألة إلى جولة جديدة من التراشق وإثبات المواقف، وإنما إلى فرصة للبحث عن مساحات أوسع للعمل المشترك.
ليس المطلوب أن يتخلى أي تيار عن قناعته، ولا أن يصبح المختلفون سياسيًا متطابقين. الفكرة ببساطة أن نعرف أين يمكن أن نلتقي، وأن نوسع مساحات العمل المشترك في الميدان، في مواجهة الجريمة والعنف، وحماية الأرض، ومواجهة سياسات التضييق والإفقار، وتعزيز التعليم والعمل الأهلي، والدفاع عن حقوق الناس ومصالحهم اليومية.
قد نختلف في الموقف من الكنيست، وقد نختلف في جدوى المشاركة فيها أو مقاطعتها، لكن هذا الاختلاف لا يمنع أن نلتقي في قضايا تمس حياة مجتمعنا مباشرة. وربما يكون التحدي الحقيقي في قدرتنا على تحويل نقاط الاتفاق إلى عمل، بدل أن تبقى طاقتنا مستنزفة في إثبات نقاط الاختلاف.
وعليه فإنّ خيار المقاطعة في هذا التصور، ليست موقفًا انتخابيًا فحسب،وإنما خيار سياسي استراتيجي لإعادة بناء القوة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، وتوسيع أدواته في العمل والتأثير، بدل حصرها في عدد المقاعد التي يمكن الحصول عليها داخل مؤسسة لا نراها إطارًا جامعًا لنا.
والأهم أن تتحول هذه المراجعة من سجال سياسي إلى عمل. فلا قيمة كبيرة لنقاش الخيارات السياسية إذا بقيت طاقتنا تُستهلك في إثبات المواقف لبعضنا بعضًا، بينما تتسع الحاجة إلى مبادرات ميدانية تجمع الناس حول ما يستطيعون فعله معًا.
ربما يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه في هذه المرحلة ليس فقط: من كان على حق؟ وإنما: ما الذي يقوينا أكثر؟ وأين يمكن أن نعمل معًا رغم اختلافاتنا؟
المطلوب ليس الخروج من السياسة، بل الخروج من اختزال السياسة في الكنيست، والخروج أيضًا من اختزال علاقتنا ببعضنا في الخلاف حولها.
قد نختلف في الطريق، لكن يمكننا أن نبحث عن مساحات نعمل فيها معًا، وأن نجعل قوة المجتمع وتنظيمه وقدرته على حماية نفسه والدفاع عن مصالحه مساحة مشتركة تتسع للجميع.
