
في 23 أيلول/سبتمبر 2026، قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، إلى جانب عوفر كسيف وسامي أبو شحادة، قبل أن تنتقل القضايا إلى المحكمة العليا وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. وفي جلسة موسعة عقدت في 1 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت أن اتجاه أغلبية القضاة يميل إلى تأييد شطب أبو شحادة، ودعاه إلى التفكير في سحب ترشحه، وهو ما أعلنه التجمع بعد ساعات. في المقابل، ألغت المحكمة شطب القائمتين، كما ألغت شطب عوفر كسيف بأغلبية 7 قضاة مقابل 2.
وانتهت قضية أبو شحادة من دون صدور حكم قضائي معلل، لتطرح تساؤلات حول آثار الانسحاب، وما إذا كان قد حال دون نشوء سابقة قضائية جديدة، أم فتح الباب أمام سابقة سياسية محتملة. ولتحديد دلالات هذه القضية، لا بد أولًا من العودة إلى الإطار القانوني والتاريخي لآلية الشطب في إسرائيل.
ما المقصود بشطب مرشح أو قائمة؟
يستند نظام شطب القوائم والمرشحين في إسرائيل بصورة أساسية إلى المادة 7أ من قانون أساس: الكنيست. وتحدد المادة ثلاثة أسباب رئيسية يمكن على أساسها منع قائمة أو مرشح من المشاركة في انتخابات الكنيست: نفي وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، والتحريض على العنصرية، ودعم الكفاح المسلح لدولة عدو أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل.
وأضيفت إلى النصوص المتعلقة بالمرشح الفرد تعديلات لاحقة، من بينها تعديل عام 2017 الذي أوضح أن «أفعال» الشخص تشمل أيضًا تصريحاته.
ولا يعني تقديم طلب شطب أن المرشح أو القائمة قد شُطبا بالفعل، إذ تمر العملية بمسار إجرائي متعدد المراحل. تبدأ المسألة بطلب يقدم إلى لجنة الانتخابات المركزية، وهي هيئة ذات تركيبة سياسية تضم ممثلي الأحزاب بحسب قوتها في الكنيست المنتهية ولايتها. وتنظر اللجنة في طلب الشطب وتتخذ قرارًا بشأنه.
أما بالنسبة إلى المرشح الفرد، فإن قرار اللجنة لا يصبح نافذًا بصورة نهائية من دون موافقة المحكمة العليا الإسرائيلية، وهو ما يفسر انتقال قضيتي أبو شحادة وكسيف مباشرة إلى المحكمة، بينما كان على القائمة المشتركة والموحدة الطعن في قراري اللجنة أمامها.
وهنا تظهر منذ البداية أهمية التمييز بين قرار لجنة الانتخابات وقرار المحكمة العليا؛ فالأول يصدر عن هيئة ذات تركيبة سياسية، في حين يمثل الثاني قرارًا قضائيًا يمكن أن يحدد تفسير المادة 7أ ويضيف إلى السوابق القضائية المتعلقة بها. وهذا الفارق تحديدًا أصبح لاحقًا محورًا أساسيًا في النقاش الذي دار حول قضية أبو شحادة.
كما طورت المحكمة العليا، عبر سلسلة من أحكامها، معيارًا مرتفعًا لتطبيق أحكام الشطب، مؤكدة أن المادة 7أ يجب أن تفسر تفسيرًا ضيقًا ومحدودًا، وأن الشطب لا يستخدم إلا في حالات واضحة واستثنائية. واشترطت المحكمة أن تكون الأدلة التي تستند إليها عملية الشطب واضحة وقاطعة ومقنعة، وأن تتوافر «كتلة حرجة» من الأدلة ذات الموثوقية العالية لتبرير منع قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات. كما قررت أن أي شك في كفاية البنية الإثباتية ينبغي أن يعمل ضد الشطب.
تاريخ الشطب في إسرائيل وتطوراته القضائية
قضية سامي أبو شحادة ليست الأولى من نوعها، بل تأتي في نهاية مسار طويل من محاولات منع قوائم ومرشحين من خوض انتخابات الكنيست. ولذلك فإن فهم دلالات ما جرى في انتخابات 2026 يقتضي العودة إلى أبرز المحطات التاريخية في هذا المسار، والتمييز بين الحالات التي تقدمت فيها جهات سياسية بطلبات للشطب، وتلك التي قررت فيها لجنة الانتخابات الشطب فعلًا، ثم معرفة ما إذا كانت المحكمة العليا قد أيدت القرار أو ألغته.
تعود إحدى أقدم السوابق المهمة إلى انتخابات عام 1965، حين شُطبت «القائمة الاشتراكية» من قبل لجنة الانتخابات، وأيدت المحكمة العليا القرار في القضية التي عُرفت باسم «يردور». وكانت هذه القضية سابقة مهمة لأنها وقعت قبل إدخال المادة 7أ إلى قانون أساس: الكنيست، واعتمدت المحكمة آنذاك على مبادئ قانونية استثنائية تتعلق بحق الدولة في حماية وجودها.
وفي عام 1984، شطبت لجنة الانتخابات قائمة «كاخ» والقائمة التقدمية للسلام، إلا أن المحكمة العليا ألغت القرارين. وأسهم الجدل الذي أثارته هذه القضايا في تعديل قانون أساس: الكنيست وإدخال المادة 7أ بصورة صريحة، لتصبح هناك قاعدة قانونية محددة تنظم حالات منع قائمة أو مرشح من المشاركة في الانتخابات.
أما في عام 1988، فقد شُطبت قائمة «كاخ»، وأيدت المحكمة العليا قرار الشطب. وفي عام 1992 شُطبت قائمتا «كاخ» و«كهانا حي»، وأيدت المحكمة العليا القرارين. وتمحورت هذه الحالات بصورة أساسية حول التحريض على العنصرية، وبقيت من أبرز الأمثلة التاريخية التي وصل فيها قرار لجنة الانتخابات إلى الإقصاء الانتخابي بعد اجتياز المراجعة القضائية.
ومنذ ذلك الوقت، ارتبطت غالبية القضايا التي أثارتها آلية الشطب بمحاولات منع أحزاب أو مرشحين عرب من المشاركة، إلا أن النتيجة القضائية كانت في معظم الحالات مختلفة.
ففي انتخابات عام 2003، قررت لجنة الانتخابات شطب التجمع الوطني الديمقراطي، كما قررت منع عزمي بشارة وأحمد الطيبي من الترشح. غير أن المحكمة العليا، بهيئة موسعة من 11 قاضيًا، ألغت قرارات الشطب وسمحت لهم بالمشاركة في الانتخابات.
وكانت قضية التجمع ذات أهمية خاصة بسبب المواقف السياسية التي استندت إليها طلبات الشطب، ومن بينها دعوة الحزب إلى إقامة «دولة جميع مواطنيها»، إلى جانب مواقف وتصريحات عزمي بشارة. وخلصت المحكمة إلى أن الأدلة المقدمة لم تبلغ المستوى المطلوب لتبرير الشطب وفق المعايير التي أرستها في اجتهادها القضائي.
وتكرر هذا النمط في انتخابات عام 2009، عندما قررت لجنة الانتخابات شطب التجمع والقائمة العربية الموحدة–العربية للتغيير، إلا أن المحكمة العليا ألغت القرارين وسمحت للقائمتين بالمشاركة. وفي عام 2013 قررت اللجنة شطب حنين زعبي، لكن المحكمة ألغت القرار. وفي انتخابات 2015 شُطبت حنين زعبي وباروخ مارزل من قبل لجنة الانتخابات، غير أن المحكمة العليا ألغت قرارات الشطب وسمحت لهما بالترشح.
وشهدت انتخابات 2019 و2020 تطورًا أكثر تعقيدًا في علاقة لجنة الانتخابات بالمحكمة العليا. ففي نيسان/أبريل 2019 قررت اللجنة شطب القائمة العربية الموحدة–التجمع وعوفر كسيف، إلا أن المحكمة ألغت القرارين. وفي المقابل، تدخلت المحكمة في العام نفسه لمنع ميخائيل بن آري من الترشح، رغم أن لجنة الانتخابات كانت قد أقرت ترشحه.
وفي الانتخابات اللاحقة، منعت المحكمة بن تسيون غوشتاين وباروخ مارزل من الترشح، بينما أبقت على مشاركة قائمة «عوتسما يهوديت». وفي عام 2020 ألغت المحكمة كذلك قرارات شطب هبة يزبك وقائمة أخرى.
ويظهر هذا المسار أن قرارات الشطب الصادرة عن لجنة الانتخابات تخضع لمراجعة المحكمة العليا، التي ألغت في حالات عديدة قرارات اللجنة، فيما أيدت الشطب في حالات أخرى، كما تدخلت في بعض الحالات لمنع مرشحين من الترشح.
قضية سامي أبو شحادة.. من قرار الشطب إلى الانسحاب
بدأت قضية سامي أبو شحادة في لجنة الانتخابات المركزية، بعد أن تقدمت «عوتسما يهوديت» بطلب لشطب ترشحه عن القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الـ26.
وتمحور الطلب بصورة أساسية حول مقال نشره أبو شحادة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أي بعد يوم من هجوم 7 أكتوبر، واعتبر مقدمو الطلب أن ما ورد فيه يشكل تأييدًا للكفاح المسلح الذي تقوم به منظمة «إرهابية» ضد إسرائيل.
وفي المقابل، نفى أبو شحادة تأييده للعنف أو للكفاح المسلح، وتمسك بأن مواقفه السياسية لا ترقى إلى المستوى القانوني المطلوب لمنع مرشح من خوض الانتخابات.
وفي 23 أيلول/سبتمبر 2026، صوتت لجنة الانتخابات المركزية لصالح شطب أبو شحادة بأغلبية 31 عضوًا مقابل أربعة. ولم يكن القرار نهائيًا، إذ إن شطب مرشح فردي يحتاج إلى مصادقة المحكمة العليا حتى يصبح نافذًا. وبذلك انتقلت القضية من لجنة ذات طابع سياسي تمثل القوى البرلمانية إلى المحكمة العليا، التي كان عليها أن تنظر في مدى استيفاء الأدلة المقدمة للمعيار القضائي المطلوب للشطب.
وقبل جلسة المحكمة، قدمت المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا والمدعي العام أميت أيزمان موقفهما المؤيد لشطب أبو شحادة، وحصرا أساس الشطب في مسألة تأييد الكفاح المسلح. واستند موقفهما بصورة رئيسية إلى المقال المذكور، معتبرين أن مضمونه يحقق الشرط القانوني المتعلق بتأييد الكفاح المسلح لدولة معادية أو منظمة إرهابية ضد إسرائيل.
وفي 1 تشرين الأول/أكتوبر، نظرت المحكمة العليا في القضية ضمن جلسة موسعة من تسعة قضاة، إلى جانب قضايا شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة وعوفر كسيف. وخلال الجلسة، عرض فريق الدفاع عن أبو شحادة موقفه، وتمسك بعدم تحقق الشروط القانونية للشطب، بينما دارت المناقشات حول مضمون تصريحاته والمقال الذي استندت إليه طلبات الشطب وموقف المستشارة القضائية للحكومة.
وفي ختام المداولات، أعلن رئيس المحكمة العليا إسحاق عميت أن القضاة يتفقون على أن تصريحات أبو شحادة كانت موضع إشكال شديد، مع وجود اختلاف بينهم في النتيجة القانونية التي ينبغي استخلاصها منها. وفي الوقت نفسه، أبلغت المحكمة الأطراف بأن الاتجاه المتشكل لديها هو تأييد قرار لجنة الانتخابات بشطب أبو شحادة، ودعته إلى النظر في الانسحاب من الترشح قبل إصدار حكم في القضية.
ووفق التقارير المنشورة، اتفق القضاة التسعة على دعوته إلى الانسحاب، بينما لم يُكشف عن توزيع الآراء داخل الهيئة بشأن الأساس القانوني النهائي للقرار.
بعد ذلك، أعلن التجمع الوطني الديمقراطي سحب ترشح أبو شحادة. وأوضح التجمع أن القرار جاء بعد نقاش وصفه بالمسؤول والمعمق مع أبو شحادة والفريق القانوني، وذلك عقب ما صدر عن المحكمة خلال الجلسة.
وفي صباح اليوم التالي، قدم أبو شحادة بنفسه إلى لجنة الانتخابات رسالة استقالة غير قابلة للرجوع، وتم التحقق من هويته ومن أن قراره اتخذ بإرادته الحرة.
وبانسحاب أبو شحادة، أُسقطت الإجراءات القضائية المتعلقة بشطبه من دون أن تصدر المحكمة حكمًا معللًا يحسم ما إذا كانت الأدلة المقدمة ضده تستوفي بالفعل المعيار القانوني للشطب.
وبذلك انتهت القضية بطريقة مختلفة عن القضايا الثلاث الأخرى التي نظرتها المحكمة في الجلسة نفسها؛ فقد ألغت المحكمة بالإجماع قراري شطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، كما رفضت بأغلبية 7 قضاة مقابل 2 شطب عوفر كسيف، بينما لم يصدر حكم في أصل قضية أبو شحادة بعد انسحابه.
انسحاب أبو شحادة بين السابقة القضائية والسياسية
لم يأتِ قرار انسحاب سامي أبو شحادة بمعزل عن المداولات التي جرت داخل المحكمة العليا. وبحسب الرواية التي أعلنها التجمع، جاء القرار انطلاقًا من «المسؤولية السياسية» تجاه الجمهور العربي والعمل السياسي والبرلماني، وبعد تقدير للآثار التي يمكن أن تترتب على صدور حكم قضائي في القضية.
وأكد الحزب أن أبو شحادة خاض المواجهة القانونية حتى نهايتها، وأن الانسحاب جاء بعد اتضاح اتجاه المحكمة، وليس نتيجة تراجع عن الموقف الذي اتخذه منذ بدء إجراءات الشطب.
لكن قرار الانسحاب سرعان ما تجاوز حدود القرار التنظيمي داخل التجمع، ليتحول إلى موضوع نقاش سياسي وقانوني واسع في الساحة العربية. وتمحور الخلاف بصورة أساسية حول سؤالين متداخلين: هل كان الأهم تجنب حكم قضائي يمكن أن يشكل سابقة في قضايا الشطب المقبلة، أم أن الاستمرار في المواجهة حتى صدور الحكم كان أكثر أهمية لمنع تحول الانسحاب نفسه إلى سابقة سياسية؟
في الاتجاه الأول، رأى مؤيدون لقرار الانسحاب أن القضية لا تتعلق بمصير مرشح واحد فقط، وإنما بما يمكن أن يترتب على حكم قضائي في قضية تحمل حساسية خاصة. ومن هذا المنظور، فإن صدور حكم يؤيد الشطب قد يضيف اجتهادًا جديدًا إلى السوابق المتعلقة بالترشح السياسي، ويمكن أن يُستند إليه في قضايا لاحقة.
لذلك ركز هذا الاتجاه على ضرورة التعامل مع القضية باعتبارها مسألة تتجاوز الانتخابات الحالية، وعلى أهمية الحفاظ على أكبر مساحة ممكنة للعمل السياسي العربي. فأنصار الانسحاب ركزوا على خطر السابقة القضائية، أي أن يتحول الحكم إلى مرجع يمكن الاستناد إليه في قضايا شطب لاحقة، وذلك بناء على أن النظام القانوني الإسرائيلي يعمل بنظام السوابق القضائية على النمط «الأنجلو-سكسوني».
وفي الاتجاه المقابل، اعتبر منتقدون للانسحاب أن تجنب السابقة القضائية لا يلغي احتمال نشوء سابقة من نوع آخر. فبحسب هذا الرأي، قد يؤدي انسحاب المرشح بعد إبلاغه باتجاه المحكمة إلى تكريس نمط سياسي مفاده أن مجرد التلويح بالشطب أو توقع صدوره يمكن أن يدفع المرشح إلى الانسحاب قبل أن تُحسم القضية قضائيًا.
ومن هنا ركز أصحاب هذا الاتجاه على ضرورة خوض المواجهة حتى نهايتها، حتى لو انتهت بحكم يؤيد الشطب، باعتبار أن الحكم الصادر بعد مواجهة قضائية كاملة يختلف عن الانسحاب قبل صدوره.
أي إن الانسحاب في مواجهة الشطب قد يتحول إلى نمط يمكن أن يؤثر في قرارات المرشحين والأحزاب مستقبلًا. ولا يتعلق الخلاف هنا بتقييم شخصي لقرار أبو شحادة بقدر ما يتعلق بتقدير مختلف لطبيعة المخاطر التي يمكن أن تنتج عن كل خيار.
تداعيات القرار على العمل السياسي العربي
لا يمكن قراءة تداعيات قضية أبو شحادة بمعزل عن التحولات التي طرأت على المشهد الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023، والتي انعكست بصورة مباشرة على طريقة تعامل المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية مع المواطنين العرب والقضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يظهر أن سقف العمل البرلماني العربي داخل الكنيست قد انخفض بصورة ملحوظة، وأن مساحة العمل السياسي المتاحة للقوائم العربية التي ترفع راية العمل السياسي الوطني أصبحت أضيق من السابق. ومن ثم، فإن قضايا الشطب والترشح لا تجري في فراغ سياسي، وإنما في بيئة باتت أكثر حساسية تجاه الخطاب والمواقف السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وتتجاوز تداعيات القضية الانتخابات الحالية، إذ أعادت طرح العلاقة بين العمل السياسي العربي والمؤسسات الإسرائيلية، ولا سيما عندما يصبح الترشح نفسه موضع نزاع قانوني. فاللجوء إلى المحكمة قد ينتهي بحكم يضع حدًا قانونيًا يمكن الاستناد إليه لاحقًا، بينما يحول الانسحاب دون صدور هذا الحكم، لكنه يترك المسألة من دون حسم قضائي.
وهنا تكمن إحدى مفارقات القضية؛ فغياب الحكم القضائي حال دون نشوء سابقة قضائية جديدة في قضية أبو شحادة، لكنه لم ينهِ الجدل حول حدود المشاركة السياسية العربية، بل نقل النقاش إلى المجال السياسي، ولا سيما بشأن كيفية التعامل مع طلبات الشطب مستقبلًا.
وقد تدفع هذه القضية الأحزاب والقوائم العربية إلى إعادة النظر في خياراتها القانونية والسياسية عند مواجهة حالات مماثلة، خاصة في ظل ما قد يترتب على أي حكم قضائي من آثار تتجاوز القضية والمرشح المعنيين.
كما أن الشطب لا يمس المرشح وحده، بل يتصل أيضًا بحق الناخبين في اختيار ممثليهم، وبطبيعة التمثيل السياسي العربي وحدوده. وفي ظل تضاؤل مساحة العمل البرلماني، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر، إذ يصبح السؤال ليس فقط عن إمكانية دخول الكنيست، وإنما عن حدود ما يمكن أن يقال ويُطرح ويُمارس سياسيًا من داخله.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، فإن قضية أبو شحادة أظهرت، بحسب منتقدي مواقف بعض الأحزاب الإسرائيلية، أن قوى سياسية مختلفة يمكن أن تتقاطع في مواجهة التمثيل العربي، ولا سيما مع تصويت يائير غولان مع قرار الشطب. وفي حين شهدت جولات انتخابية سابقة شطب مرشحين يهود، فإن الانتخابات الحالية خلت من شطب أحزاب ومرشحين يهود، رغم صدور مواقف وتصريحات حادة من بعضهم بشأن الحرب على قطاع غزة.
ويُستخدم هذا التباين من قبل منتقدي آلية الشطب للاستدلال على وجود تحول في طريقة تعامل المؤسسات الإسرائيلية مع التمثيل العربي، وعلى أن حدود الخطاب السياسي المسموح به ليست واحدة بالنسبة إلى جميع القوى والمرشحين.
خاتمة
في المحصلة، تكشف قضية سامي أبو شحادة عن إشكالية تتجاوز شخص المرشح أو الانتخابات الحالية، وتتصل بموقع الأحزاب العربية والتمثيل العربي داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
فالأحزاب العربية تواجه، من جهة، آلية قانونية تسمح بطلب شطبها أو شطب مرشحيها، ومن جهة أخرى واقعًا سياسيًا يجعل مشاركتها البرلمانية جزءًا من حسابات تشكيل الائتلافات وموازين القوى داخل الكنيست.
وفي حالة أبو شحادة تحديدًا، لم تصل المعركة إلى حكم قضائي نهائي، إذ انتهت بانسحاب المرشح بعد أن أبلغته المحكمة باتجاه أغلبيتها نحو تأييد الشطب. وهذا يعني أن القضية لم تنتج سابقة قضائية مكتوبة، لكنها في الوقت نفسه تركت سؤالًا مفتوحًا حول كيفية تعامل الأحزاب العربية مع قضايا مماثلة مستقبلًا.
ويمكن القول إن غياب الحكم أبقى المادة 7أ، في هذه الحالة تحديدًا، من دون تفسير قضائي جديد، لكنه لم يُنهِ النقاش حول حدود المشاركة السياسية العربية. بل ربما جعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل تكون مواجهة قرارات الشطب مستقبلًا عبر الاستمرار حتى صدور حكم قضائي، أم عبر الانسحاب لتجنب تكريس سابقة يمكن أن تُستخدم لاحقًا؟
وفي هذا السياق، يرى منتقدو أداء المحكمة العليا أن استمرارها في التدخل في قضايا الترشح والشطب، رغم إلغاء عدد كبير من قرارات لجنة الانتخابات في حالات سابقة، يجعل مسألة إصلاح الجهاز القضائي وإعادة تعريف صلاحيات المحكمة إحدى القضايا التي قد تعود إلى الواجهة، خصوصًا لدى قوى اليمين الإسرائيلي.
أما بالنسبة إلى التمثيل العربي، فإن قضية أبو شحادة أظهرت أن المعركة لا تدور فقط حول الوصول إلى الكنيست، وإنما حول المساحة السياسية المتاحة داخله، وحدود الخطاب والمواقف التي يمكن للأحزاب العربية تبنيها من دون أن تتحول إلى هدف لطلبات الشطب.
وبذلك تبقى قضية أبو شحادة، رغم انتهائها من دون حكم معلل، واحدة من القضايا التي تختبر حدود المشاركة السياسية العربية في إسرائيل، وتضع أمام الأحزاب العربية معادلة صعبة بين خوض المواجهة القانونية حتى نهايتها، وبين تجنب أحكام قضائية قد تتحول لاحقًا إلى سوابق تؤثر في مستقبل هذه المشاركة.
