دخلت وفاة موظفة في معهد روسي لأبحاث الطاعون مرحلة جديدة من القلق الدولي، بعدما طلبت منظمة الصحة العالمية توضيحات بشأن تقارير عن إصابة موظف ثانٍ بالتهاب رئوي مجهول السبب، بالتزامن مع تصعيد واشنطن ضغوطها للحصول على معلومات من موسكو، فيما أكد الكرملين أنه أبلغ المنظمة وفق الإجراءات المعتمدة، متهماً وسائل إعلام بنشر معلومات خاطئة. وبذلك، بقي الخلاف متعلقاً بكفاية المعلومات ووضوحها، إلى جانب التشخيص نفسه.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس في بيان الأربعاء إن المنظمة بحاجة إلى معلومات إضافية من روسيا لفهم ملابسات الواقعة بشكل كامل.
وأضاف: «طلبت منظمة الصحة العالمية مزيداً من المعلومات لتوضيح سبب الالتهاب الرئوي الحاد، والعامل المسبب للمرض الذي استدعى اتخاذ تدابير بشأن الصحة العامة، والتقارير الإعلامية التي تتحدث عن إصابة موظف ثان بالتهاب رئوي لأسباب مجهولة».

تحركت واشنطن على مسارين: متابعة صحية واستخبارية، وضغط دبلوماسي للحصول على التفاصيل. وذكرت «وول ستريت جورنال» أن الخارجية الأميركية وجهت طلباً رسمياً إلى موسكو، مذكّرة بالتزاماتها الدولية، فيما أعلن الرئيس دونالد ترمب الثلاثاء أن اتصالاً مع نظيره فلاديمير بوتين مقرر قريباً لبحث القضية.
حذّرت روسيا الأربعاء من أن معظم ما تنشره وسائل الإعلام عن الوضع الوبائي «كاذب»، وسط تقارير تحدثت عن إصابة ثانية مشتبه بها بالطاعون في سيبيريا. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين إن «وسائل الإعلام تنقل الكثير، والغالبية العظمى مما تنشره بخصوص هذا الوضع هي معلومات كاذبة»، مضيفاً أنه «لا يملك أي معلومات» بشأن طلب أميركي لتشارك المعطيات حول تقارير عن وفاة موظفة في مختبر جراء الإصابة بالطاعون.

وكان بيسكوف يعلق على تقرير نشرته شبكة «إيه بي سي نيوز» وقالت فيه إن الولايات المتحدة قدمت شكوى دبلوماسية رسمية بشأن طريقة تعامل روسيا مع وفاة الموظفة، وحثت موسكو على أن تتحلى بمزيد من الشفافية بشأن الواقعة. وذكر بيسكوف أن معظم التقارير المتعلقة بالواقعة مضللة، وعلى الناس الاعتماد على المعلومات الصادرة عن الهيئة. وأضاف بيسكوف أنه لم يتحدد موعد بعد لإجراء مكالمة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي، الذي قال الثلاثاء إنه سيتحدث معه «قريباً جداً» بشأن هذه القضية.
ودعا الاتحاد الأوروبي أيضاً روسيا الأربعاء إلى «تقديم تقارير تتسم بالشفافية وفي الوقت المناسب» بشأن وفاة الموظفة، وقالت المتحدثة باسمه إيفا هرنتسيروفا: «نتابع الوضع عن كثب شديد».
استبعدت وكالة الصحة الروسية الأربعاء وجود أي «خطر وبائي» يهدد سكان مدينة إيركوتسك والمنطقة المحيطة بها في سيبيريا. وقالت وكالة الصحة العامة (روسبوتريبنادزور) إن المراقبة الطبية لأكثر من 90 في المائة من الأشخاص الذين خالطوا المرأة قد انتهت، مشيرة إلى أنه «لم يتم رصد أي مشاكل صحية مرتبطة بمرض معدٍ»، ومؤكدة في الوقت ذاته أنه «لا يوجد أي خطر وبائي يهدد سكان مدينة إيركوتسك ومقاطعتها».

وأعادت محدودية البيانات الروسية استحضار الجدل بشأن الشفافية الصينية في بدايات جائحة «كوفيد – 19». غير أن المخاوف السياسية والمعطيات الطبية لم تتطابقا حتى الآن. فوفاة الموظفة لم تتأكد بعد من إصابتها بالطاعون، كما لم تثبت حالة ثانية منه، ولم يحسم وقوع تسرب مختبري. في حين أن ما يتسع حالياً هو نطاق الأسئلة، أكثر من الأدلة على تفشٍ وبائي.
وفاة وأسئلة معلقة
بدأت القضية بوفاة داريا شيبيلوفا، البالغة 28 عاماً، في الثاني من أكتوبر الجاري، بعد إصابتها بالتهاب رئوي حاد. وكانت تعمل في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الروسي الأقصى، ما أعطى الوفاة حساسية تتجاوز واقعة مرضية فردية.
وزادت الشكوك بعدما أشارت تقارير إعلامية وتصريحات لمسؤولين محليين إلى احتمال إصابتها بالطاعون الرئوي. لكن الهيئة الروسية للرقابة الصحية «روسبوتريبنادزور» قالت إن الفحوص لم تكشف كائنات دقيقة مرتبطة بعملها، وعَدّت وفاتها بأنها ناجمة عن التهاب رئوي «مجهول السبب». وأبلغت موسكو منظمة الصحة العالمية بعدم تسجيل حالات طاعون حديثة في مقاطعة إيركوتسك.
وذكرت الهيئة الروسية أن شيبيلوفا توفيت بعد إصابتها بالتهاب رئوي، لكنها لم تعلن سبب المرض أو كيفية إصابتها به. وهناك أسباب مختلفة للالتهاب الرئوي، من بينها الطاعون.
هذه الإجابات لم تنه الالتباس. فغياب تشخيص معلن يترك السؤال مفتوحاً عن العامل الممرض، وطبيعة الفحوص، وكيفية استبعاد العدوى المهنية. كما أن وضع أكثر من 200 شخص تحت المراقبة، وفرض إجراءات حجر في مستشفيات، أثارا القلق، وإن كانت الاحتياطات الواسعة لا تثبت وحدها وجود وباء، فالالتهاب الرئوي وصف لحالة مرضية، وليس اسماً لمسبب واحد.
طاعون قابل للعلاج
الطاعون عدوى بكتيرية تسببها «يرسينيا بيستيس»، التي توجد طبيعياً لدى بعض الثدييات الصغيرة والبراغيث المرتبطة بها. ويصاب البشر عادة عبر لدغات براغيث مصابة أو ملامسة أنسجة حيوانات مريضة.
أما الشكل الرئوي فيصيب الرئتين، ويمكن أن ينتقل بين البشر عبر الجسيمات التنفسية المعدية، خصوصاً أثناء المخالطة القريبة. فبحسب الخبراء الذين نقلت عنهم صحيفة «وول ستريت جورنال»، يتطلب انتقال الطاعون الرئوي عادة مخالطة وثيقة، وتظهر أعراضه سريعاً، وتتوافر أدوية لعلاجه، وهي عوامل تساعد على احتوائه.
وقَيّمت منظمة الصحة العالمية الثلاثاء، الخطر بأنه «متوسط إلى منخفض» في إيركوتسك، و«منخفض» في روسيا، و«منخفض جداً» في أوروبا. غير أن هذا التقييم يستند إلى المعلومات المتاحة، ويظل قابلاً للمراجعة إذا ظهرت إصابات مؤكدة أو أدلة على انتقال أوسع. لهذا، تبدو المقارنة مع الجائحة مفيدة عند بحث الشفافية وسرعة الإنذار، لكنها مضللة إذا تحولت إلى توقع تلقائي لكارثة مماثلة.

المختبر والصلة الصينية
تأسس معهد إيركوتسك عام 1934 ضمن شبكة مكافحة الطاعون السوفياتية، في منطقة تعرف وجود بؤر طبيعية للمرض. وبحسب «وول ستريت جورنال»، توسعت مهامه لتشمل مراقبة أمراض معدية خطيرة ودراستها وتطوير وسائل مكافحتها، ومنها الكوليرا والجمرة الخبيثة والبروسيلا.
وهذه الوظائف تفسر تعامل باحثيه مع مسببات أمراض شديدة الخطورة، لكنها لا تحدد سبب وفاة الموظفة. فالعدوى، إن ثبتت، قد تكون مهنية أو مكتسبة خارج المختبر، ولا تسمح المعلومات المنشورة بحسم المسار.
ونقل موقع «أكسيوس»، استناداً إلى مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار، أن المعهد أدى أساساً وظائف مراقبة، لكنه طور أيضاً لقاحات ووسائل تشخيص لمسببات أمراض عَدّلها الجيش. كما تتهم تقييمات أميركية روسيا بالإبقاء على برنامج هجومي بيولوجي ورثته وطورته عن الاتحاد السوفياتي.
ومع ذلك، لا تمثل هذه الخلفية دليلاً على طبيعة الأبحاث التي كانت تنفذها الموظفة المتوفاة. وأشار «أكسيوس» إلى غياب أدلة موثوقة على عملها بسلالة مهندسة أو معدّة للاستخدام كونها سلاحاً. وينطبق التحفظ ذاته على التكهنات بشأن سلالة مقاومة للمضادات، حيث لا توجد نتائج منشورة تثبتها في هذه الواقعة.

الشفافية تحت الضغط
وحافظ وزير الخارجية ماركو روبيو على لغة تجمع القلق والتحفظ، مؤكداً محدودية المعلومات وضرورة مشاركتها، مع تجنب الجزم بحجم الخطر. فمعرفة السبب ومدى احتوائه يسبقان تحديد الحاجة إلى إجراءات إضافية للسفر أو المنافذ الحدودية.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الثلاثاء: «طلبنا رسمياً معلومات إضافية من الحكومة الروسية». وقال روبيو خلال زيارة لآيسلندا: «نشجع روسيا على التحلي بالشفافية وتبادل مزيد من المعلومات مع العالم حتى نتمكن جميعاً من التعامل مع الوضع بالشكل الملائم والمناسب».
بينما كشف ترمب لاحقاً عن أنه سيتحدث إلى بوتين بشأن ما حدث. ورداً على سؤال للصحافيين في البيت الأبيض عما إذا كان قد تحدث إلى بوتين، قال ترمب: «لدي مكالمة مقررة، نعم»، مضيفاً أنها ستجري «قريباً جداً». ولدى سؤاله عما تقوله أجهزة الاستخبارات الأميركية بشأن الوضع، قال ترمب: «نجري مناقشات معمقة للغاية. وسنتمكن على الأرجح من تقديم معلومات بشأن الأمر غداً».
وتنص اللوائح الصحية الدولية على إخطار منظمة الصحة العالمية بالأحداث المستوفية لمعايير الإبلاغ خلال 24 ساعة من تقييم المعلومات الصحية. لذلك لا تختزل المسألة في مرور يوم على وفاة غامضة، بل تشمل كيفية تقييم الحدث، وتوقيت الإخطار، واكتمال البيانات اللاحقة.
ويغذي انعدام الثقة تاريخ ثقيل، أبرز محطاته تسرب الجمرة الخبيثة في سفيردلوفسك عام 1979، الذي نسبته السلطات السوفياتية إلى لحوم ملوثة قبل الاعتراف لاحقاً بصلته بمنشأة عسكرية. أما استحضار الصين و«كوفيد – 19» فيعكس الخشية من أن تؤخر الحسابات السياسية تبادل المعلومات الضرورية، التي تستطيع وحدها تحويل الطمأنة الروسية إلى تقييم قابل للتحقق.

بكين على اتصال مع موسكو
أدلت بكين بأول تعليق رسمي لها بشأن الحالة المشتبه، قائلة إنها تتعاون مع روسيا، مع تصاعد المخاوف الصحية بمختلف أنحاء العالم. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية جوو جياكون، رداً على سؤال حول ما إذا كانت موسكو أبلغت بكين بشأن الواقعة: «تحافظ الصين وروسيا على إجراء اتصال وثيق والتعاون لمنع الأمراض المعدية والسيطرة عليها، بما في ذلك الطاعون الرئوي»، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء الأربعاء.
تأتي هذه التصريحات المقتضبة، التي جاءت خلال عطلة عامة استمرت أسبوعاً في الصين في أعقاب وفاة عامل الأسبوع الماضي في معهد بحثي لمكافحة الطاعون في منطقة إيركوتسك الروسية، والتي دفعت إلى وضع نحو 200 شخص ممن خالطوه تحت المراقبة. وكانت التغطية للواقعة محدودة في وسائل الإعلام الرسمية الصينية.
يشار إلى أنه قبل ما يزيد قليلاً على شهر، اختتم المعهد الواقع في إيركوتسك تجربة للاستجابة للطوارئ مع الصين، حول التعامل مع تفشي الأمراض المعدية. وناقش مشاركون روس وصينيون أيضاً كيفية مراقبة انتشار الأمراض والسيطرة عليها في المناطق الحدودية بين البلدين. وتقع مقاطعة إيركوتسك شمال منغوليا ولا تشترك في حدود مباشرة مع الصين، إلا أن عاصمتها المحلية هي مركز رئيسي تربطه بمدن صينية رحلات جوية متعاقبة وخطوط سكك حديدية.
وأصدرت وزارة الصحة في منغوليا بيانا اليوم الأربعاء، ذكرت فيه أنها تقيم المخاطر الناجمة عن الواقعة على أنها «منخفضة»، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء الأربعاء. وأضافت الوزارة أن العمل سيستمر للسيطرة على أمن الحدود ومراقبة الوضع الصحي عند الحدود مع روسيا بالتعاون مع وكالات ذات صلة.
