
أفهم الأصوات المعارضة التي كانت ترى في أي عملية انتخابية تحريكًا للمياه السياسية الراكدة، وتغييرًا في شكل المشهد الرسمي ولو جزئيًا، وحراكًا يمكن أن يُبنى عليه بعد سنوات من التعطّل الجوهري في عمل المؤسسات الرسمية، وغياب المؤسسات التشريعية، وحصر السلطات في يد فرد واحد. وبالتالي، أتفهم انزعاج جزء من الجمهور والمتابعين من تأجيل الانتخابات.
لكنني أستغرب أن جزءًا من القوى والنخب السياسية يهاجم التأجيل وكأنه كان مقتنعًا بأن هذا المسار سيُفضي فعلًا إلى إجراء الانتخابات، متناسيًا السياق السائد في قطاع غزة والضفة الغربية؛ ما بين القابعين في واقع الإبادة الكارثي، مع سيطرة إسرائيلية على 70% من مساحة القطاع وولاية قانونية لمجلس السلام على غزة، وما بين خطة الحسم الصهيونية والضم الزاحف في الضفة الغربية، والتهويد الكامل للبكل أجزائها، والبلطجة الاستيطانية في المناطق المصنفة “أ” و”ب” و”ج”، إضافة إلى الحواجز وحكومة اليمين الصهيوني التي لن تسمح بأي حال من الأحوال بأن يمارس الفلسطينيون فعلًا قد يُفهم باعتباره فعلًا سياديًا يُعبّر عن كينونة سياسية واحدة.
وهنا أيضًا قد أستوعب أن البعض يرى أنه كان الأجدى ترك السلطة والرئيس الفلسطيني وفريقه في مركزية فتح وتنفيذية المنظمة يصطدمون بهذا الواقع وحدهم، ويتحملون نتائج خياراتهم المنفردة في تحديد موعد الانتخابات أصلًا في هذا الوقت. وهو طرح فيه نوع من الوجاهة من زاوية المعارضة السياسية، لكنه ليس بالضرورة أفضل الخيارات.
الإشكالية الأعمق تكمن في التفسيرات التي أُعطيت للحوار الذي جرى في القاهرة، وما حمله بعضها من اتهامات يصعب قراءتها خارج البحث عن فرصة لشن هجوم غير موضوعي على القوى الفلسطينية. والأدهى أن هذا الخطاب يصدر أحيانًا عن قوى سياسية ومتحدثين رسميين، يصوّرون التفاهم على خطوات تشمل قبول التأجيل وإحالة نقاش الترتيبات المؤسسية إلى حوار وطني شامل، باعتباره “مؤامرة من القوى التقليدية” على إرادة الناخب.
هذا التفسير يفترض وجود اندفاعة شعبية واسعة نحو المسار الانتخابي المطروح، بينما كان ضعف التفاعل العام معه واضحًا، سواء عند إعلان موعده أو عند تأجيله. ويتجاهل أيضًا ما تظهره استطلاعات الرأي بشأن مواقع الكتل التصويتية الرئيسية في المشهد الفلسطيني. وهذا واقع لا يسعدني بالمناسبة، لكنه يطرح سؤالًا جديًا على من يقدمون أنفسهم بديلًا: أين الخطاب السياسي القادر على بناء هذا البديل، وأين الفعل على الأرض الذي يمنحه حضورًا وثقة وقاعدة اجتماعية؟ فالمسافة بين ادعاء تمثيل المزاج الشعبي والقدرة الفعلية على تنظيمه والتعبير عنه تحتاج إلى عمل سياسي يتجاوز اتهام الآخرين.
تمر القضية الفلسطينية بمنعطف خطير، فيه من التحديات والمخاطر الوجودية ما لم تشهده في تاريخها، ويُهدد بتصفية كينونتها السياسية وحضورها، وتقليص هامش حركتها، وتفكيك أي اتصال بين ساحات وجود جماهيرها، فيما تتقدم مشاريع التدويل والضم والتهجير. وهي تحتاج، أكثر ما تحتاج، إلى مسار للتفاهم والتوافق الفلسطيني يستعيد روحية حركة التحرر في مواجهة القبضة الحديدية التي تستخدمها حكومة الحسم الصهيوني، وإدارة أمريكية تتبنى أكثر الأطروحات تطرفًا تجاه التمثيل السياسي للفلسطينيين.
أعتقد أن التأجيل كان مصيرًا محتومًا، بشكل أو بآخر، ومآلًا للعملية الانتخابية، لأن الظرف بأسره لن يسمح باستكمالها. وكان يمكن لهذا المسار أن ينتهي بخسائر، أو بمكاسب سياسية تحققها القوى الفلسطينية، تتمثل أساسًا في كسر مجموعة من المحظورات والمسارات المنفردة التي اعتمدها رئيس السلطة في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني وتجاوز استحقاق الحوار الوطني.
وأفضل ما تحقق حتى الآن أن النقاش الذي فتحته مبادرة الجبهة الشعبية قد أفضى إلى تحويل المسار المنفرد إلى مسار يخضع لتفاعل مجموعة من القوى، والدفع بأن تكون قضاياه على جدول أعمال حوار وطني واسع. كما أوقف أخطر ما كان يحدث، وهو تشكيل المجلس الوطني بعيدًا عن التوافق الوطني والتمثيل الجدي للفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، وبكل أطياف تجمعاتهم وأحزابهم وتوجهاتهم السياسية. وهو ما كان سيتحول إلى معضلة سياسية كبرى، تبقى جاثمة لسنوات على صدور الفاعلين السياسيين، ومعطّلة لأي تفاهم مستقبلي على مجلس وطني توحيدي أو انتقالي.
ومن جانب آخر، فإن تجاوز موقف فتح الرافض لأن يجمعها سقف واحد مع حركة حماس في حوار معلن، وعودة التواصل الرسمي والعلني إلى مساره الطبيعي، يفتحان المجال لاستعادة الحيوية السياسية للتواصل بين القوى الفلسطينية، والتفاعل لترتيب جدول أعمال اجتماع قيادي موسع يجمع كل القوى، ويضع على رأس أولوياته خطة لمواجهة التحديات الماثلة أمام الفلسطينيين، والاتفاق على كيفية حماية الوجود الفلسطيني ومواجهة المخاطر.
وفي هذا الإطار، فإن الاستعداد المصري لممارسة دور الراعي لهذا الاتفاق، والتشديد على أن هذه الرعاية ليست مفتوحة، ولها شروطها التي تستهدف التأكد من جدية مخرجات الحوار ووجود خطط عمل تنفيذية تُحوّل القرارات إلى مسار سياسي وميداني، يُشكل بارقة أمل في إمكانية ألّا يتحول الحوار إلى شكل جديد من أشكال الاستهلاك السياسي. ويُضاف إلى ذلك الضغط المصري من أجل ترتيب الحوار الفتحاوي الداخلي وجمع الشمل الفتحاوي، الذي سيكون بالطبع مفيدًا للقضية الفلسطينية وزخمها.
بطبيعة الحال، لم يتحول المشهد إلى مشهد وردي، وتحيط به تخوفات كثيرة، خصوصًا أن التجارب الفلسطينية مع الحوارات الوطنية لا تشجع على التفاؤل بمخرجات أي حوار قادم. وبالتأكيد، فإن استمرار الرئيس محمود عباس بوصفه المتحكم الأول والأخير في جدول الأعمال الفلسطيني الرسمي، الذي يحركه بمرسوم ويلغيه بمرسوم، وعدم إبدائه الانفتاح الكافي والجدي على جمع الشمل الفلسطيني، يرفعان رصيد التقديرات المتشائمة على حساب الإيجابية.
إلا أن من واجب كل القوى والأطراف الإقليمية ذات العلاقة أن تستثمر هذه اللحظة، وتثابر على بناء جبهة ضغط جدية وفعلية من أجل توحيد الصف الفلسطيني، والاتفاق على خطة وطنية للمواجهة، وإنجاز ترتيبات انتقالية تُحوّل الموعد الجديد لعقد الانتخابات في سبتمبر/أيلول 2027 إلى محطة مواجهة فلسطينية للحفاظ على الهوية والكينونة السياسية، وترميم المؤسسات الرسمية.
وفي هذا الإطار، فإن أفضل ما يمكن أن تتجه إليه كل القوى والفعاليات والقوائم والحراكات، الغاضبة من قرار التأجيل أو الموافقة عليه، هو التفاهم على كيفية إنجاح الحوار الوطني القادم، وكيفية بناء موقف واسع ضاغط بجدية يدفع نحو اتفاق فلسطيني على برنامج موحد يواجه مخططات التصفية، ويُغلّب المصلحة الوطنية العليا.
