
الخليل – خاص لم يكن صباح الجمعة، الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، عادياً في مدينة الخليل. فعند المدخل الشمالي للمدينة، وعلى حاجز فرش الهوى العسكري قرب الطريق الاستيطاني رقم 35، خاض فدائيان فلسطينيان اشتباكاً مسلحاً مع جنود الاحتلال الصهيوني، امتد لأكثر من عشرين دقيقة، وأوقع إصابات في صفوف القوة العسكرية المتمركزة في الموقع، قبل أن يرتقيا شهيدين. وبحسب الحصيلة الأولية المتداولة، أُصيب ستة جنود إسرائيليين، اثنان منهم بجروح حرجة، وسط رقابة عسكرية إسرائيلية وقيود على نشر المعلومات المتعلقة بالعملية وتفاصيلها، وهو ما يضفي أهمية إضافية على قراءة ما أُعلن من نتائج المواجهة، وما بقي محجوباً عن التداول.
ومن اشتباك العشرين دقيقة إلى استنفار جيش الاحتلال، أعادت عملية الخليل صورة الاستشهادي إلى واجهة المواجهة، وفتحت من جديد ملف الاستنزاف العسكري والأمني للمنظومة الصهيونية في الضفة الغربية. فلم تكن أهمية العملية في حصيلتها الميدانية وحدها، بل في موقع وقوعها وطبيعة الاشتباك الذي شهدته. فالمواجهة اندلعت عند نقطة عسكرية تتمركز فيها قوات الاحتلال، ضمن شبكة مترابطة من الحواجز والطرق الاستيطانية والمواقع الأمنية التي تحيط بالخليل وتتحكم بحركة سكانها. وفي هذا الموقع تحديداً، الذي يفترض أن يشكل إحدى نقاط الحماية والرقابة العسكرية، وجد الجنود أنفسهم في اشتباك ممتد، تعثرت خلاله عمليات إجلاء المصابين، واستدعى استنفاراً عسكرياً واسعاً.
وهنا تتجلى المفارقة التي تتجاوز حدود المواجهة المباشرة: المنظومة الأمنية الصهيونية التي راكمت أدوات المراقبة والاستخبارات والانتشار العسكري لإحكام قبضتها على الجغرافيا الفلسطينية، لم تستطع منع الاشتباك عند إحدى نقاط تمركزها، ولا احتواءه فور اندلاعه. أما فرض الرقابة العسكرية والتعتيم على تفاصيل العملية وحصيلتها، فيكشف حساسية ما جرى داخل المؤسسة العسكرية الصهيونية، وسعيها إلى التحكم بالمعلومات المتاحة للرأي العام واحتواء تداعيات الاشتباك، بما يعكس حجم الإرباك الذي أحدثته المواجهة، والفجوة بين وقائع الميدان وما تسمح الرواية الرسمية بإعلانه.
وتكتسب العملية دلالة أشد في توقيتها؛ إذ جاءت في ذروة الاستنفار الأمني الصهيوني في الضفة الغربية، وقبيل أيام من انتخابات الكنيست، بعد سنوات من الاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات والحملات العسكرية التي استهدفت تفكيك البنى المسلحة للمقاومة، ولا سيما في جنين ونابلس وطولكرم. وفي الوقت الذي سعى فيه الاحتلال إلى تثبيت صورة السيطرة الأمنية وإحكام قبضته على الضفة، أعاد اشتباك الخليل إلى الواجهة استمرار الفعل المقاوم وتجدّد أشكاله، رغم ما تعرض له من قمع واستنزاف ومحاولات متواصلة لاستئصال المقاومة وتفكيك بنيتها التنظيمية والعسكرية.
غير أن الدلالة الأعمق لفرش الهوى تتجاوز الاختراق الميداني وما كشفه من ثغرات في أداء القوة العسكرية الصهيونية؛ فالعملية أعادت إلى المشهد صورة الفدائي الذي يخوض الاشتباك المباشر حتى الارتقاء، مستحضرةً مفهوم العمليات الاستشهادية الذي ارتبط بمحطات مفصلية من تاريخ المقاومة الفلسطينية، ولكن في صورة ميدانية وظروف أمنية مختلفة. ومن الخليل، خليل الرحمن، بما تختزنه من تاريخ طويل في مواجهة الاحتلال والاستيطان، يعود هذا المشهد ضمن صيرورة المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، بما شهدته من تحولات في بنيتها وأدواتها وأشكال الاشتباك.
من هنا، لا تُقرأ عملية فرش الهوى بوصفها مواجهة منفصلة عن سياقها، وإنما باعتبارها حدثاً تتقاطع فيه جغرافيا السيطرة الاستيطانية، وواقع المنظومة العسكرية الصهيونية، والإرث التاريخي للمقاومة في الخليل، مع ملامح التحولات الجارية في الضفة الغربية. ففي اشتباك العشرين دقيقة، وما أعقبه من استنفار وإغلاقات وتهديدات إسرائيلية، تتكشف ملامح صراع أوسع لم تنهه الحواجز ولا الحملات العسكرية، وتعود معه صورة الاستشهادي إلى واجهة المواجهة، في امتداد لطريق فلسطيني طويل من الدم والمقاومة والاستشهاد.
فرش الهوى: الاشتباك في قلب جغرافيا الاستيطان والحواجز
لا يمكن فصل عملية فرش الهوى عن الجغرافيا الاستيطانية والعسكرية التي أعاد الاحتلال الصهيوني تشكيلها حول مدينة الخليل على امتداد عقود. فالحاجز يقع عند المدخل الشمالي الغربي للمدينة، بمحاذاة الطريق الالتفافي رقم 35، الذي يمتد غرباً باتجاه ترقوميا، ويتصل بشبكة الطرق المؤدية إلى مستوطنتي “تيلم“ و“أدورا“، فيما يرتبط شرقاً بشارع 60، أحد المحاور الرئيسية التي تصل شمال الضفة الغربية بجنوبها. وفي هذا الموقع تتقاطع مداخل الخليل وامتدادها الريفي الغربي مع الطرق الاستيطانية والمواقع العسكرية التي تحيط بالمدينة وتتحكم بحركة سكانها.
وتكتسب المنطقة أهميتها من وقوعها على أحد محاور الحركة بين الخليل وبلدات غرب المحافظة، ولا سيما بيت كاحل وترقوميا وإذنا، ومن اتصالها بشبكة الطرق التي تربط المستوطنات بمواقع الانتشار العسكري. ولم يكتفِ الاحتلال بالسيطرة على الطرق القائمة، بل أعاد تنظيم أجزاء واسعة منها وفق متطلبات المشروع الاستيطاني وحمايته، عبر الحواجز والبوابات العسكرية والطرق الالتفافية، بما جعل الحركة الفلسطينية اليومية خاضعة لإجراءات التفتيش والإغلاق والتحكم بمداخل التجمعات السكانية. وقد تعاظمت أهمية فرش الهوى عقب السابع من أكتوبر 2023، مع إغلاق مداخل أخرى للمدينة، ليتحول من مدخل ثانوي إلى أحد المنافذ الرئيسية لحركة الفلسطينيين من الخليل وإليها.
وفي فرش الهوى تحديداً، تتجسد هذه السياسة في سلسلة من التحصينات العسكرية المتراكمة. فبالقرب من برج مراقبة أقامه الاحتلال بعد عام 1997، نصبت قواته حاجزاً عسكرياً في الثامن من أكتوبر 2023، عقب معركة طوفان الأقصى. وخلال عام 2026، نقل الاحتلال بوابة الحاجز من تقاطع مدخل المدينة مع الطريق الالتفافي إلى موقع يبعد نحو 200 متر داخل الخليل، وعززه بغرفتَي مراقبة ومكعبات إسمنتية وكاميرات مراقبة مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة وسّعت نطاق السيطرة العسكرية من الطريق الخارجي إلى عمق المدخل الحضري للمدينة.
ولا ينفصل هذا المشهد عن البنية الاستيطانية الأوسع في محافظة الخليل. فمن مستوطنات الأطراف والطرق التي تربطها بشبكة المواصلات الإسرائيلية، إلى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي وشارع الشهداء وتل الرميدة، أقام الاحتلال منظومة متداخلة من المواقع العسكرية والحواجز والبوابات، جعلت السيطرة على مداخل المدينة امتداداً للتقسيم العسكري المفروض داخلها. وبهذا لم يعد الحاجز مجرد نقطة تفتيش، بل جزءاً من هندسة استعمارية تعيد تشكيل العلاقة بين المدينة وقراها وطرقها، وتُخضع حركة الفلسطينيين لمقتضيات المشروع الاستيطاني وأمن المستوطنين.
من هنا تبرز دلالة اشتباك فرش الهوى؛ فقد اندلعت المواجهة عند نقطة عسكرية راكم الاحتلال تحصينها ومراقبتها على مدى سنوات، وعززها مجدداً خلال الأشهر السابقة للعملية، قبل أن تتحول إلى ساحة اشتباك مباشر استمر أكثر من عشرين دقيقة، واستدعى استنفاراً عسكرياً واسعاً لإسناد القوة الموجودة وإجلاء المصابين. فالموقع الذي أُريد له أن يكون إحدى أدوات إحكام السيطرة على مدخل الخليل، أصبح نفسه موضع مواجهة كشفت عن ثغرات في منظومة الحماية والانتشار العسكري، وضربت صورة الحصانة التي يسعى الاحتلال إلى إضفائها على حواجزه المحصنة.
وفي ذلك يتجلى أحد التناقضات الملازمة للمشروع الاستيطاني الصهيوني؛ فكل توسع في السيطرة على الأرض والطرق يتطلب مزيداً من القوات والتحصينات لحماية المستوطنات وشبكات الحركة المرتبطة بها، ويضاعف في الوقت ذاته نقاط الاحتكاك المباشر. وعند فرش الهوى، لم يقع الاشتباك خارج منظومة السيطرة، بل داخل إحدى حلقاتها العسكرية، حيث تتحول أدوات إخضاع الجغرافيا الفلسطينية إلى مواقع مواجهة، وتتكشف المسافة بين كثافة الانتشار الأمني وقدرته الفعلية على منع الاشتباك المقاوم.
عشرون دقيقة من الاشتباك: شرخ في صورة الجندي المحصّن
لم تكن الدقائق العشرون التي استغرقها اشتباك فرش الهوى مجرد تفصيل زمني في العملية، بل مؤشراً على طبيعة المواجهة التي خاضها المقاومان مع القوة العسكرية المتمركزة في الموقع. فخلال الاشتباك، لم تقتصر الأزمة الميدانية على إصابة الجنود، وإنما امتدت إلى تعقيد عمليات إجلائهم، بعدما اضطرت طواقم الإسعاف الإسرائيلية، وفق شهاداتها، إلى استخدام سيارة مصفحة للوصول إلى المصابين بينما كان إطلاق النار لا يزال مستمراً. وهنا اكتسب عامل الزمن دلالته؛ إذ لم تتمكن القوة الموجودة من إنهاء المواجهة سريعاً وتأمين إخلاء جرحاها، رغم ما تمتلكه من وسائل اتصال وإسناد عسكري.
وتزداد أهمية هذا المشهد مع ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن هوية القوة المستهدفة؛ إذ ينتمي الجنود إلى الكتيبة 775، المعروفة باسم “أري“، التابعة للواء الإنقاذ والتدريب في قيادة الجبهة الداخلية بجيش الاحتلال. وهي كتيبة حديثة التشكيل، أُنشئت خلال عام 2026 لتعزيز عديد القوات، وكانت، وفق موقع “والا“ العبري، تخوض انتشارها العملياتي الأول. وهو ما يفتح ملف جاهزية الوحدات التي يدفع بها جيش الاحتلال إلى مهام الانتشار العسكري في الضفة الغربية، ومدى تأهيلها للتعامل مع الاشتباكات المسلحة المباشرة، خصوصاً أن القوة كانت تتمركز في موقع عسكري ثابت، يُفترض أن تتوافر فيه إجراءات حماية واضحة وآليات استجابة سريعة للطوارئ.
غير أن الشرخ الأعمق الذي تكشفه المواجهة يتصل بصورة الجندي الإسرائيلي المحصّن بالتفوق العسكري والتكنولوجي. فهذه الصورة، التي تسعى المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى ترسيخها من خلال استعراض قدراتها على المراقبة والاستطلاع والتدخل السريع، اصطدمت في فرش الهوى بمشهد ميداني مختلف: جنود يتعرضون للإصابة، واشتباك يمتد، وإجلاء يتعثر تحت إطلاق النار. ولم يكن ذلك انقلاباً في ميزان القوة، بل كشفاً للفارق بين امتلاك أدوات التفوق العسكري وبين القدرة على ترجمتها إلى أداء ميداني حاسم عند وقوع مواجهة مفاجئة.
وفي محاولة لتفسير ما جرى، سارعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى الإعلان أن الشهيدين كانا يخططان لتنفيذ هجوم أوسع، وأن تدخل الجنود حال دون وقوعه. وتحمل هذه الرواية دلالة تتجاوز مضمونها الأمني؛ إذ تعيد صياغة الحدث انطلاقاً من هجوم افتراضي تقول المؤسسة إنها نجحت في إحباطه، بدلاً من الاقتصار على تفسير ما وقع فعلياً عند الحاجز. وبهذا يصبح الحديث عن الخطر الذي جرى منعه جزءاً من خطاب احتواء التداعيات، في مقابل الإصابات والارتباك الميداني اللذين كشفتهما المواجهة.
أما سياسياً وعسكرياً، فقد جاءت العملية في توقيت بالغ الحساسية، وسط حالة التأهب القصوى التي فرضها الاحتلال في الضفة الغربية قبيل انتخابات الكنيست، وتحسباً لوقوع هجمات مسلحة. وهو ما يضاعف وقع الاشتباك على المؤسسة الأمنية؛ فالقوة التي استنفرت إمكاناتها للاستباق والمنع وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع مواجهة امتدت في أحد مواقع انتشارها، ثم إلى توسيع إجراءات الإغلاق والاستنفار عقب انتهائها.
بهذا المعنى، لم يكن الشرخ الذي أحدثته عملية فرش الهوى في صورة الجندي المحصّن ناجماً عن حجم الإصابات وحده، بل عن انكشاف المسافة بين العقيدة الأمنية التي تراهن على التفوق والاستخبارات والردع، وبين أداء القوة العسكرية لحظة الاشتباك. فالمنظومة التي تقدم السيطرة بوصفها واقعاً محسوماً وجدت نفسها أمام مواجهة فرضت عليها اختباراً ميدانياً، ثم دفعتها إلى الدفاع عن روايتها الأمنية بقدر ما دفعتها إلى تعزيز إجراءاتها العسكرية.
الاستشهاديون يعودون: الاشتباك حتى الارتقاء وتحولات الفعل الفدائي
تستحضر عملية فرش الهوى أحد المفاهيم المركزية في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وهو مفهوم العملية الاستشهادية، الذي ارتبط في الوعي الوطني بصورة الفدائي المستعد لبذل حياته في مواجهة الاحتلال. فالمصطلح، وإن اقترن خلال التسعينيات والانتفاضة الثانية بالعمليات التفجيرية، لم ينحصر في هذا النمط وحده؛ إذ امتد في الخطاب الوطني والفصائلي ليشمل الاشتباكات المسلحة التي يخوضها المقاومون حتى ارتقائهم، بما تحمله من دلالات التضحية والاستعداد للمواجهة في ظل اختلال ميزان القوة.
ومن هذه الزاوية، تكتسب عملية فرش الهوى خصوصيتها في إعادة إبراز الاستشهادي بوصفه فعلاً ميدانياً، لا مجرد صورة رمزية في الذاكرة الفلسطينية. فالمشهد الذي انتهى بارتقاء الفدائيين خلال مواجهة مباشرة مع جنود الاحتلال يستحضر مفهوم العملية الاستشهادية، ولكن بصيغة تختلف عن نموذج التفجير الذي طبع مراحل سابقة. وهنا لا يتعلق الاختلاف بمكان الاشتباك أو وسيلته وحدهما، بل بطبيعة الظروف العسكرية والأمنية التي يظهر فيها هذا الفعل، بعد التحولات العميقة التي أصابت بنية المقاومة المسلحة في الضفة الغربية.
فالمقاومة في الضفة لم تبقَ على صورتها التنظيمية التي عرفتها خلال الانتفاضة الثانية. فقد شهدت السنوات الأخيرة صعود تشكيلات محلية في جنين ونابلس وطولكرم ومناطق أخرى، برزت من بينها كتيبة جنين وعرين الأسود، وجمعت بدرجات متفاوتة بين الانتماءات الفصائلية التقليدية وأشكال التنظيم الأقل مركزية. وعكست هذه التجارب تحولاً في العلاقة بين البنية التنظيمية والعمل الميداني، وفي طبيعة المجموعات المسلحة التي نشأت في بيئات محلية مختلفة، بعيداً عن النموذج التنظيمي المركزي الذي طبع مراحل سابقة.
غير أن هذا المسار لم يكن تصاعدياً أو مستقراً؛ فقد تعرضت التشكيلات المسلحة لحملات عسكرية واستخبارية متلاحقة، استهدفت قياداتها وعناصرها وشبكاتها المحلية، وأدت إلى إضعاف بعضها وتفكيك أجزاء من بنيتها. وتعمقت هذه الظروف مع الحرب التي أعقبت معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من تصعيد عسكري إسرائيلي واسع في الضفة، أعاد تشكيل البيئة التي تتحرك فيها المقاومة، وفرض عليها تحديات متزايدة في التنظيم والاستمرار.
في هذا السياق، لا تبدو فرش الهوى استعادة آلية لأساليب الانتفاضة الثانية، وإنما تعبيراً عن حضور صورة الاستشهادي في واقع مختلف؛ حيث تتراجع بعض التشكيلات المسلحة تحت وطأة الضربات العسكرية، فيما تستمر المواجهات بأشكال متباينة. فاستهداف البنية التنظيمية للمقاومة لا يعني بالضرورة انتهاء الفعل الفدائي، كما أن تبدل أشكال الاشتباك يعكس اختلاف الشروط التي تنشأ فيها المواجهة وتستمر.
وهنا تكتسب عودة الاستشهاديين دلالتها الأعمق؛ فهي ليست مجرد استحضار لمفهوم تاريخي اقترن بالعمليات التفجيرية، بل عودة لصورة الاشتباك المسلح حتى الارتقاء في سياق فلسطيني جديد. وبين النموذج الاستشهادي الذي عرفته مراحل سابقة، والمشهد الذي قدمته فرش الهوى، يظهر التحول في شكل الفعل وظروفه، مع استمرار حضور الشهادة والتضحية في الخطاب المقاوم والذاكرة الوطنية الفلسطينية.
بهذا المعنى، تعيد عملية الخليل وصل الحاضر بإرث العمل الفدائي، ولكن من داخل شروط المواجهة الراهنة، حيث تتقاطع محاولات الاحتلال تفكيك البنى المسلحة مع استمرار ظهور أشكال جديدة ومتغيرة من الفعل المقاوم. فالاستشهادي الذي يعود إلى واجهة المشهد في فرش الهوى لا يستعيد الماضي فقط، بل يحضر في سياق التحولات التي تعيشها المقاومة الفلسطينية، وفي صيرورة صراع لم تنهه سنوات القمع والملاحقة والاستنزاف.
الخليل وصيرورة المقاومة المستمرة
لم تكن الخليل يوماً مدينة على هامش المواجهة الفلسطينية مع الاحتلال، بل ظلت إحدى ساحاتها التاريخية، بما تختزنه من إرث وطني وديني، وما شهدته من صراع متواصل على الأرض والهوية والوجود. فمن الثورة الفلسطينية الكبرى، مروراً بالانتفاضتين، وصولاً إلى المواجهات المعاصرة، حضرت خليل الرحمن في مسارات المقاومة المتعاقبة، فيما جعلها التوسع الاستيطاني الصهيوني، منذ احتلالها عام 1967، واحدة من أبرز المدن التي تتجسد فيها محاولات إخضاع الجغرافيا الفلسطينية وإعادة تشكيلها.
وفي ذاكرة المدينة، تحتل مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، التي ارتقى فيها 29 مصلياً فلسطينياً برصاص مستوطن صهيوني، موقعاً مفصلياً في تاريخ المواجهة. فقد أعقبتها إجراءات فصل وإغلاق تعمقت لاحقاً مع تقسيم المدينة عام 1997، وامتداد السيطرة العسكرية والاستيطانية إلى البلدة القديمة وشارع الشهداء ومحيط الحرم الإبراهيمي. وفي مواجهة هذا الواقع، ظل الوجود الفلسطيني في الأحياء والأسواق والمناطق المهددة بالإفراغ شكلاً من أشكال الصمود، متداخلاً مع تاريخ طويل من المقاومة الشعبية والمسلحة.
وفي امتداد هذا السياق، تكتسب عملية فرش الهوى دلالتها الأوسع؛ إذ أعقب الاشتباك استنفار عسكري وإجراءات تطويق وإغلاق واقتحامات، إلى جانب دعوات إسرائيلية لتشديد القيود على الفلسطينيين وتوسيع السيطرة على الضفة الغربية. وهي استجابة تعيد إنتاج نمط راسخ في سياسة الاحتلال، تتحول فيه المواجهة العسكرية المحددة إلى مبرر لعقوبات جماعية تتجاوز موقع الحدث، وتطاول حياة الفلسطينيين وحركتهم اليومية.
لكن عقود القمع والتوسع الاستيطاني لم تُخمِد جذوة المقاومة الفلسطينية. فقد تعاقبت الانتفاضات والمواجهات، وتبدلت أشكال العمل الفدائي وبناه التنظيمية، وتعرضت تجارب مقاومة متعاقبة لضربات قاسية، من دون أن تنتهي القضية الوطنية التي حملتها أو تختفي أشكال الرفض والمواجهة. وفي هذا المعنى، لا تختزل فرش الهوى صيرورة المقاومة، بل تكشف استمرار حضورها في واقع تتكثف فيه محاولات الاحتلال فرض السيطرة بالقوة.
لقد انتهى اشتباك فرش الهوى بارتقاء الفدائيين، لكنه أعاد إلى الواجهة صورة الاستشهادي في مدينة تختزن تاريخاً طويلاً من الدم والمواجهة والصمود. ومن خليل الرحمن، حيث تتجاور ذاكرة الشهداء مع الحواجز والمستوطنات، تبدو العملية حلقة في صيرورة مقاومة فلسطينية تتغير أشكالها ولا تنفصل عن جذورها؛ فالقوة العسكرية التي أعادت رسم طرق المدينة وحاصرت أحياءها، لم تستطع إخضاع الأرض ولا كسر إرادة أهلها في المقاومة والبقاء. وبين دم الشهداء واستمرار الاحتلال، يبقى طريق المقاومة جزءاً من تاريخ فلسطيني مفتوح على التحرر، لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد.
