عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر. يتبدى هذا الولع في النبش الدائم والتوغل في دهاليز الشعر، والتعامل معه كأنه الحبيب العاشق، تخاصمه وتصالحه، وتفتش في جيوبه السرية عن معنى الوجود وحقيقة الحياة، وتعيشه كتوأمة للروح والموسيقى، وباسمه تهدي ديوانها إلى جبال مدينتها طرطوس وساحلها العظيم؛ فالشعر هو قوس البداية والنهاية، في ظلالهما يجدد القدرة على العطاء والحلم؛ لذلك تخاطبه الشاعرة دائماً باعتبار المخلِّص، وفي نص حمل الاسم نفسه «المخلِّص» تقول فيه:
«أكتب الشعر
لأني أولد
أكتب الشعر
لأني أموت»
لا تكتفي الشاعرة بهذه الصرخة الشديدة، المشرّبة بنوازع الميلاد والموت، بل تفتح النص نفسه على أفق دلالي يبدو أكثر رحابة، في تكثيف المعنى والإحساس بالفكرة، وما وراءها، فلا شيء سوى الشعر يمكن أن يلملم حياة ممزقة، ويردها إلى طبيعتها الإنسانية وفطرتها الأولى، ويعيد لها نوعاً من التوازن المفتقد، والذي أصبح بمنزلة جرح، مفتوح على جراح أكبر يتردد صداها بقوة في تداعيات الواقع والوجود:
«أيها الشعر التحفني
غيمة تعانق قمراً
لتداري حزنه…
أيها الشعر ارسمني
عشبة تعلو…
يعيدها المطلق
إلى التراب
أيها الشعر نادني باسمي
لتزهر كلماتٌ في غابات لساني
لمَّني
من بين إحالات العدم
بعثرني
بين تأويلات الوجود»
هذا التراوح بين الوجود والعدم تنعكس ظلاله على معمارية الديوان الصادر أخيراً عن دار النهضة ببيروت ويتشكل في 90 صفحة، وعبر 6 عناوين رئيسية تنضوي تحت كل عنوان منها 5 قصائد، وهو ما يضعنا أمام خماسيات شعرية تتلاقح فيما بينها من نص إلى آخر، كما تتفاوت في القصر والطول، بحسب الحالة الشعورية للذات الشاعرة. إذن ثمة وعي بالشعر، لكنه وعي مربك غير مطمئن لشيء، محاصر دائماً بالخوف والعبث والرتابة، والملل من حياة تكرر نفسها كل يوم، بحسب تداعيات الإرث والتقاليد، في هذا المناخ الجهم، كيف تكتسب القصيدة حيواتها: بالتجريب والمغامرة وكسر رتابة الشائع والمألوف، أم تظل معلقة في رقبة الشك والخوف، في انتظار معجزة، تناثرت شظاياها ما بين الأرض والسماء، ما بين الماضي والحاضر… ربما لذلك، يبدو الحل في التحايل على الحياة، واللعب على مساحات الوضوح والغموض، أو الأبيض والأسود، في الداخل والخارج معاً، لكنه تحايل زائف، يفتقد إرادة التشبث بالحياة، حيث يتحول الشعر إلى قناع لها، أو في أحسن الأحوال مرثية شجية لرحيلها المفاجئ… يتراءى ذلك في نص بعنوان «حيوات القصيدة – صفحة 13»… تقول فيه الشاعرة:
«لحظة ولادتها
تموت القصيدة
بعدما عاشت فكرة
سيرتها الأولى
تعود روحها
تحيا نشأة ثانية
أحياناً تتقمص حياة النسيان
تُهمل على رف ِّمكتبة
في انتظار أن يعاد لها النبض
بعضها يحظى بحياة مبتذلة
غزل بنات يذوب بسرعة
تاركاً دبقاً
يحدث أن
تعيش توأمة للموسيقى
تتوسد دفاتر العاشقين
تصاحب ليالي الأرق
ترافق الدروب».
وعلى المنوال نفسه، وفي محاولة للإمساك بسيكولوجيا الشعر، وتجلياته المباغتة تقول في نص بعنوان «إرباك – ص 17»:
«تربكني
مخاوف القصيدة
أحيطها بحرز يحميها
أدثرهما بما استطعت من الشعور
ثم أتركها تتجسد
غزالة معنى»
تتبدى فكرة القناع هنا في اللعب على وتر النقيض الضد «تقمص حياة النسيان»، بينما يبدو الشعر كأنه حالة من الإرباك، وصراع خفي بين الفكرة وولادتها، وأن القصيدة تحتاج إلى «حرز» ليصونها من كل هذا التداعي.
يعزز ذلك أن الرمز وحقوله الدلالية في الديوان ليس وسيطاً لشيء، إنما هو علامة، تكاد تكون مكتفية بذاتها، إلى حد الارتعاش والخوف من أن يظل الأمل معلقاً على جدار النسيان، بلا ذاكرة أو أثر يدل عليه؛ لذلك تسعى الذات إلى الماضي لاستحضار التاريخ ومعايشته من جديد، تاريخ سوريا القديم ومدنها التراثية وأساطيرها الخالدة، في تقاطع مع الواقع الراهن، وما آلت إليه البلاد من تردي الأوضاع على شتى الأصعدة… تقول في نص بعنوان «اقتلاع» ص 31:
«في حياة سابقة
حين كانت الأشياء
تتجسد في هيئتها الأولى
الصخور مليئة بالنبض
الينابيع تشدو
الهواء يحمل الأحلام
بحر فينيقيا عصي عن الخراب
السفن محملة بالزجاج الأول
بذور أبجدية أوغاريت أينعت
مسرح أمريت رحم الحضارة
أنوال تحيك البهجة
نساء تلوِّن المدى
ضفائرهن تراقص الريح»
يعتمد النص على بنية توصيفية تحيل إلى ما كان، ومن رحمه تستشرف ما قد يكون؛ لذلك تبرز المراودة وأنسنة الأشياء كركيزتين أساسيتين في الديوان، كما تتخفف النصوص من العلاقة التعليلية، التي تحبس الصورة الشعرية بين قوسي العلة والمعلول، من قبيل: «لتداري حزنه»، «لتزهر الكلمات في غابات لساني»، في المقابل تتكئ الذات الشاعرة على نفسها، تراود الشعر بتلقائية ومحبة، تفتح له كل النوافذ والأبواب، تعانقه جسداً وروحاً، وترجوه ألا يتأخر، حتى لا تغضب، والشعر بدوره يبادلها المشاعر نفسها، ويرجوها أن تتخفف قليلاً من القلق والإحساس الثقيل بوطأة الزمن، وتأخذ زينتها كاملة، حين تشرع في الكتابة، يتراءى هذا في نص بعنوان «صحبة صامتة – ص57» تقول فيه:
«أعيش في صحبة الأشياء
حرة من التعلق والجدال
حضوري خفيف أمام ثقل الكلام
منحتني الوحدة دلالها
أينعت وداعةً
من حقيبتي
يكاد المفتاح يثب
الخطى تعجِّل الطريق
البيت بأشيائه
ينتظر العناق
يطمئن بوصولي
يعشوشب المكان
تتسع العتبةُ
ينساب الماء نسيماً على جسدي
تتنفس المنشفة مسامي
تنسدل ملابسي هائمة
أزداد رقة
الثلاجة تناديني
تشدو الملاعقُ والصحون
تحتضن الألفة تعبي
دفتر يومياتي يتوق
ليطأ القلمُ أرضه
محملاً بتفاصيلي
أجلس أمام مكتبي
نظرات الكتب مزهرة على الرفوف
اقتباسات مبعثرة تبتسم
أنفاس الأوراق المطوية
لوحة المفاتيح تضاء
أثر أصابعي في روحهم
أصغي إلى الصمت
أتذوق اللذة
في أُنس الأشياء»
في الختام، يضعنا الديوان أمام ما يمكن تسميته «شعرية النمط» أو «الإطار»، لكن تبقى من السمات الفنية اللافت فيه التركيز على تفاصيل الحياة اليومية، وتصويرها ككائنات صديقة، وعلامة، توقظ الذاكرة وتفتحها على تداعيات الأمكنة والبشر، يبرز هذا على نحو خاص في فصل «تمارين على الحب»، فالشجرة والمقهى والظل والمجاز علامات لافتة على أن الحبَّ مرَّ من هنا.
