
ترجمة- كشفت شهادات أدلى بها عشرة جنود إسرائيليين عن ممارسات ميدانية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، تضمنت، وفق إفاداتهم، أوامر بإطلاق النار على فلسطينيين دون التحقق من وجود تهديد، وتوسيع نطاق الخسائر المدنية المقبولة في الغارات، إلى جانب تبرير قتل الضحايا عبر تصنيفهم لاحقًا على أنهم مقاتلون.
وجاءت الشهادات في تحقيق استقصائي نشرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية في 11 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بعنوان «القاعدة كانت: أطلق النار على كل من تراه»، واستند إلى إفادات جنود حاليين وسابقين جُمعت عبر منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، المعنية بتوثيق شهادات الجنود بشأن ممارسات الجيش.
وبحسب التحقيق، تحدث الجنود عن تعليمات ميدانية وممارسات قالوا إنها تجاوزت مقتضيات العمليات العسكرية، وشملت استهداف فلسطينيين من دون التأكد من تشكيلهم خطرًا مباشرًا، في شهادات تفتح تساؤلات بشأن قواعد الاشتباك وآليات اتخاذ القرار داخل جيش الاحتلال.
ونقل التحقيق عن جندي احتياط عُرّف باسم «ديفيد» قوله إن الجنود تلقوا أوامر بتدمير المباني المرتفعة في خان يونس، جنوبي القطاع، وإطلاق النار على كل من يرصدونه.
كما تحدث الجندي يوفال غرين، الذي كشف عن هويته، عن زيارة قام بها الجندي الإسرائيلي السابق عزرا ياخين، البالغ من العمر 90 عامًا، والذي شارك في مجزرة دير ياسين عام 1948. وقال غرين إن ياخين حث الجنود على التخلي عن الرحمة وقتل الفلسطينيين في سن القتال، حتى في حال وجود أطفال برفقتهم.
وتطرقت الشهادات إلى ما وصفه التحقيق بإعادة تصنيف الضحايا بعد قتلهم، عبر اعتبارهم مقاتلين لتبرير استهدافهم، وهي ممارسة تثير تساؤلات بشأن المعايير التي يعتمدها جيش الاحتلال لتحديد هوية المستهدفين وتقييم نتائج عملياته.
وفي هذا السياق، أشار جندي عُرّف باسم «تال» إلى القصف المزدوج الذي استهدف مجمع ناصر الطبي في 25 آب/أغسطس 2025، وأسفر، وفق الأرقام الواردة في التحقيق، عن استشهاد 22 شخصًا، بينهم خمسة صحفيين ومسعفون. وقال إن الضحايا صُنّفوا لاحقًا على أنهم مقاتلون، في خطوة رأى أنها أسهمت في تبرير الهجوم.
توسيع هامش الخسائر المدنية
وكشف مشغّل طائرات مسيّرة عُرّف باسم «يائير» عن رفع عدد الضحايا المدنيين الذين يُسمح بسقوطهم في بعض العمليات، وفق شهادته، من خمسة إلى 20 مدنيًا لكل هدف، مشيرًا إلى أن الموافقات على بعض الضربات كانت تصدر خلال ثوانٍ.
كما نقل التحقيق عن ضابط استخبارات يُدعى «نوعام» قوله إن استهداف أحد القياديين في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة جرى السماح به رغم توقع سقوط نحو 300 مدني.
وأشار التحقيق كذلك إلى استخدام مصطلح «نازا»، وهو تعبير عسكري عبري يُستخدم للإشارة إلى الأضرار الجانبية، في سياق تقدير الخسائر المدنية المحتملة خلال الغارات، لافتًا إلى أن العدد المتوقع للضحايا المدنيين في إحدى الضربات بلغ 500 شخص.
وتسلط هذه الإفادات الضوء على طبيعة المعايير المستخدمة في تحديد الأهداف العسكرية وتقدير الأضرار المدنية، في ظل استمرار الانتقادات الموجهة إلى عمليات جيش الاحتلال في القطاع، وما خلفته من أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى ودمار واسع في المنشآت المدنية.
الشهادات في ظل ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية
وتأتي هذه الإفادات في وقت تتواصل فيه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على المحكمة الجنائية الدولية، بعد إصدارها في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب على قطاع غزة.
واتخذت الولايات المتحدة خطوات استهدفت المحكمة ومسؤولين فيها، شملت فرض عقوبات على قضاة ومحققين. وفي 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فرض عقوبات جديدة مرتبطة بالمحكمة، في خطوة تعكس استمرار المواجهة السياسية مع المؤسسة القضائية الدولية.
وتكتسب شهادات الجنود أهمية في سياق توثيق ما جرى خلال الحرب، إذ تتناول مباشرةً الأوامر الميدانية وآليات تحديد الأهداف والتعامل مع المدنيين، وهي مسائل ترتبط بتقييم مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، من دون أن تشكل الشهادات وحدها حكمًا قضائيًا نهائيًا بشأن المسؤولية الجنائية.
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، أسفرت حرب الإبادة على قطاع غزة عن استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 175 ألفًا، وفق الأرقام الواردة في المادة الأصلية، إلى جانب دمار واسع طال البنية التحتية المدنية، فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار، وفق تقديرات أممية وأوروبية أوردتها المادة.
