على الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، إلا أن هذه القوة العسكرية الكبيرة لا تكفي وحدها لتفادي عواقب القرارات الاستراتيجية الخاطئة. فبعد عدة أشهر من الحرب مع إيران، تزداد المؤشرات على ضغط متزايد على القدرات العسكرية الأمريكية، مع استنزاف مخزونات الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وإعادة توزيع القوات والقدرات بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في وقت تعتبر فيه واشنطن أن الصين هي التحدي الاستراتيجي الأبرز على المدى الطويل.
وكانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد وصلت إلى السلطة متعهدة بإعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية من خلال نهج أطلقت عليه “الواقعية المرنة”، الذي يقوم على التخلي عن الطموحات العسكرية الواسعة التي ميزت فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر، والتركيز بشكل أكبر على الصين، إلى جانب مطالبة الحلفاء بتحمل مسؤوليات أكبر وربط الالتزامات الخارجية بالقدرات الفعلية للولايات المتحدة.
ومع ذلك، كشفت الحرب مع إيران، حسب تحليل نشرته مجلة “ناشيونال إنترست”، عن فجوة بين هذه الرؤية والممارسة الفعلية، حيث وجدت واشنطن نفسها في معادلة صعبة: تحقيق أهداف عسكرية في الشرق الأوسط دون استنزاف الموارد التي تحتاجها لمواجهة التحديات في مناطق أخرى.
مخزونات السلاح تحت الضغط
تعتبر الذخائر من أبرز مصادر القلق، حيث استهلكت العمليات العسكرية ضد إيران كميات هائلة من الذخائر الأمريكية، بما في ذلك الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى وصواريخ الاعتراض المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي.
كما أن مخزونات صواريخ “باتريوت” و”ثاد” تواجه ضغوطًا شديدة، في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى إقناع شركات الصناعات الدفاعية بتسريع عمليات الإنتاج لتعويض ما تم استهلاكه.
غير أن زيادة الإنتاج لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، فالبنية التحتية الصناعية الدفاعية الأمريكية تواجه اختناقات ومشاكل تراكمت على مر السنوات، مما يعني أن إعادة بناء المخزونات المستنزفة خلال الحرب قد تستغرق سنوات.
وهنا تبرز المشكلة الاستراتيجية الأوسع؛ فالأمر لا يتوقف عند عدد الصواريخ التي تم إطلاقها أو الطائرات التي شاركت في العمليات، بل يتعلق بقدرة الجيش الأمريكي على الحفاظ على مخزون كافٍ للتعامل مع أزمات أخرى قد تندلع فجأة.
الشرق الأوسط يضغط على المحيط الهادئ
لم تقتصر تداعيات الحرب على المخزونات العسكرية، بل امتدت إلى انتشار القوات الأمريكية في مختلف أنحاء العالم، حيث خضعت حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” لمهمة طويلة للغاية قبل أن تدفع الحاجة العملياتية الإدارة الأمريكية إلى إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس جورج واشنطن” إلى الشرق الأوسط لتخفيف الضغط عنها.
وبذلك، وجدت الولايات المتحدة نفسها لفترة طويلة دون حاملة طائرات في المحيط الهادئ، في الوقت الذي تكثف فيه الصين ضغوطها العسكرية والسياسية على اليابان وتايوان والفلبين.
وحسب التحليل، لم تتوقف إعادة توزيع القدرات عند حاملات الطائرات، فقد تم نقل أجزاء من نظام الدفاع الصاروخي “ثاد” من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف بشأن الثغرات المحتملة التي قد تتركها هذه الخطوة في نظام الدفاع عن حلفاء واشنطن في آسيا.
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ضوء تركيز الإدارة الأمريكية المعلن على الصين باعتبارها “التحدي الأهم” لوزارة الدفاع الأمريكية.
هل تتناقض الحرب مع “الواقعية”؟
تشير “ناشونال إنترست” إلى أن المفارقة تكمن في أن إدارة ترامب بررت توجهها نحو “الواقعية المرنة” بضرورة تحقيق قدر أكبر من الانضباط في السياسة الخارجية والعسكرية، أي تجنب الدخول في التزامات تفوق الموارد المتاحة، لكن خوض حرب كبيرة في الشرق الأوسط يمثل، وفقًا لمنتقدي الإدارة، اختبارًا مباشرًا لهذا المبدأ.
فالواقعية السياسية لا تعني فقط إدراك أهمية القوة العسكرية، بل تعني أيضًا الاعتراف بحدودها، وطرح أسئلة أساسية قبل اتخاذ القرارات: ما الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه؟ وما الموارد المطلوبة لذلك؟ وما المصالح التي تستحق استنزاف هذه الموارد؟ وما المخاطر التي يمكن أن تتحملها واشنطن في مناطق أخرى نتيجة لذلك؟
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو ما إذا كانت الإدارة قد حسبت مسبقًا تكلفة الحرب مع إيران على الجبهات الأخرى، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
معركة اليوم أم حرب الغد؟
تواجه واشنطن معضلة استراتيجية تتجاوز نتائج العمليات العسكرية الحالية، فالقدرة على تحقيق انتصار في معركة لا تعني بالضرورة تحقيق مكسب استراتيجي إذا كان ثمن هذا الانتصار هو إضعاف القدرة على خوض الحرب التالية.
فالولايات المتحدة تستطيع، بحكم حجم جيشها واقتصادها وقدراتها الصناعية، تحمل أعباء عسكرية ضخمة، لكن الاستمرار في استنزاف الذخائر وإطالة فترات انتشار القوات ونقل أنظمة الدفاع من مسرح عمليات إلى آخر قد يضغط تدريجيًا على الجاهزية والروح المعنوية.
وتزداد حساسية الموقف إذا كانت الصين هي المنافس الاستراتيجي الرئيسي لواشنطن، إذ إن أي تراجع مؤقت في الحضور العسكري الأمريكي بمنطقة المحيط الهادئ قد يُنظر إليه في بكين باعتباره فرصة لإعادة اختبار حدود النفوذ الأمريكي والتزامات واشنطن تجاه حلفائها.
فاتورة الحرب تتجاوز إيران
وترتبط هذه التطورات بسؤال حول تكلفة الخيارات العسكرية الأمريكية، إذ إذا كانت إدارة ترامب ترى أن الحرب مع إيران تستحق استنزاف جزء من مخزون الذخائر الدقيقة والدفاعات الجوية، فعليها أن تحدد مستوى المخاطر الذي تقبل بتحمله في آسيا وأوروبا خلال الفترة اللازمة لإعادة بناء هذه القدرات.
كما أن إعادة بناء المخزون العسكري لا تتعلق فقط بإصدار أوامر جديدة لشركات الصناعات الدفاعية، فزيادة الإنتاج تتطلب سلاسل توريد مستقرة، وقدرات تصنيع ومواد أولية وعمالة متخصصة، وهي عناصر لا يمكن توسيعها بالسرعة نفسها التي يمكن بها استهلاك الأسلحة في الحرب.
ويعني ذلك أن الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج قد تتحول إلى مشكلة استراتيجية طويلة الأمد.
إرث عسكري ضخم تحت الاختبار
لم تبدأ جميع مشكلات الصناعة الدفاعية الأمريكية مع إدارة ترامب، إذ يعود بعض أوجه النقص إلى سنوات من ضعف الاستثمار وعدم كفاية الطاقة الإنتاجية، لكن منتقدي الإدارة يرون أن قرار خوض حرب كبرى في ظل استمرار هذه الاختلالات يزيد من حجم المخاطر بدلاً من تقليصها.
فالإدارة التي وعدت بجيش أقوى وسياسة خارجية أكثر واقعية تواجه الآن اختبارًا صعبًا لمصداقية هذه الوعود، ولا يتعلق الاختبار الحقيقي بقدرة الجيش الأمريكي على مواصلة القتال وتحقيق أهداف عسكرية في إيران، وإنما بقدرته على فعل ذلك دون التضحية بالجاهزية اللازمة لمواجهة أزمات أخرى.
فالقوة العظمى لا تقاس فقط بقدرتها على الانتصار في معركة اليوم، بل أيضًا بقدرتها على الانتصار اليوم دون أن تفقد القدرة على الانتصار غدًا.
ومع استمرار استنزاف الذخائر وإعادة توزيع القوات والأنظمة الدفاعية بين مناطق متباعدة، تواجه إدارة ترامب معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على تفوقها العسكري العالمي بينما تخوض حربًا تستهلك الموارد التي تحتاج إليها للحفاظ على هذا التفوق؟
وفي النهاية، فإن الخطر الأكبر، وفق رؤية المجلة، لا يتمثل بالضرورة في أن يخسر الجيش الأمريكي معركة، وإنما في أن يؤدي سوء تقدير المخاطر وتعدد الالتزامات إلى استنزاف تدريجي للقوة الأمريكية، بحيث تتحول وفرة الموارد العسكرية من مصدر قوة إلى وهم بالقدرة غير المحدودة على تحمل الحروب.
