كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة عندما تراجع جود بيلينغهام إلى عمق نصف ملعب إنجلترا لطلب الكرة، وكأنه لا يزال متعطشاً للمزيد.
لمستان للكرة تزامنتا مع تفحصه للملعب من حوله، قبل أن تأتي الثالثة لتلتقط الانطلاقة المقوسة للبديل مورغان روجرز. تمريرة موزونة ببراعة ودقة فتحت دفاع كرواتيا المترنح مرة أخرى، ومنحت إنجلترا، بشكل يكاد لا يُصدق، هدفها السابع.
ظل بيلينغهام واقفاً في مكانه، على بعد نحو 60 ياردة من احتفالات روجرز، رافعاً ذراعيه في الهواء. كان قد أكمل ثلاثية من التمريرات الحاسمة، إلى جانب هدفه المبكر، ليقدم، في عام حافل بالإنجازات الاستثنائية، أداءً يقترب من الكمال للاعب وسط.
وحسب شبكة «The Athletic»، لم يسبق لأي لاعب وسط إنجليزي أن ساهم في أربعة أهداف خلال مباراة واحدة منذ تألق ديفيد بلات في الانتصار 6-0 على سان مارينو عام 1993.
بيلينغهام، نجم ريال مدريد، يكتشف مستويات جديدة من التألق بقميص منتخب إنجلترا. وكانت روائعه في كأس العالم، عندما سجل سبعة أهداف ولم يتفوق عليه سوى ليونيل ميسي وكيليان مبابي، قد كشفت عن لاعب يتزايد تأثيره باستمرار، وجاء اكتساح كرواتيا 7-0 ليؤكد استمرار هذا المسار.
من اللحظات الأولى وحتى الأخيرة، جمع بيلينغهام بين الرؤية والمهارة والعمل بلا توقف. وكان اللاعبون الآخرون من حوله في الخط الهجومي الإنجليزي، مثل هاري كين وبوكايو ساكا وأنتوني غوردون، مؤثرين للغاية، لكن بيلينغهام كان متألقاً بلا انقطاع.
كان هذا النوع من الأداء الذي يدفعك للتفكير فيما لا يزال بإمكانه تحقيقه.
وقال روي كين، خلال عمله محللاً لشبكة «ي تي في»: «بيلينغهام يستطيع أن يصبح واحداً من أعظم اللاعبين في التاريخ».
والرحلة نحو الوصول إلى تلك المكانة بدأت بالفعل.
يمتلك بيلينغهام بالفعل 59 مباراة دولية و14 هدفاً مع منتخب بلاده، وسيبلغ فقط عامه الـ24 الصيف المقبل. ولا يزال كين بلا شك الواجهة الأبرز للمنتخب وأحد عظماء العصر الحديث للكرة الإنجليزية، لكن الصفات القيادية لدى بيلينغهام أصبحت أكثر وضوحاً بمرور الوقت.
أما شارة القيادة، التي ارتداها خلال الدقائق العشرين الأخيرة عقب خروج كين، فيبدو أن مصيرها النهائي سيكون حول ذراعه. وإذا استمرت مسيرته على هذا النحو، فلا شيء يبدو أكثر يقيناً من ذلك.
من خارج القائمة إلى تجسيد أفكار توخيل
بعد 12 شهراً فقط من استبعاده من قائمة المنتخب، أصبح بيلينغهام الآن أحد أكثر اللاعبين تجسيداً لرؤية توماس توخيل.
هناك القوة البدنية والحدة، لكنهما تقترنان أيضاً بالدهاء والذكاء. وتوخيل نفسه يرى لاعباً لا يتوقف عن البحث عن المزيد.
وقال المدرب الألماني، تعليقاً على أداء بيلينغهام في المؤتمر الصحافي عقب المباراة: «إذا توقفت مكانك، فكأنك تقف على سلم كهربائي متحرك. عليك أن تتطور وتدفع نفسك للوصول إلى المستوى التالي. عدلنا بعض الأشياء ومنحنا اللاعبين المسؤولية، وهم مجموعة يمكن الوثوق بها. كان الأمر مثيراً للإعجاب».
ولم يكن التباين بين صاحبي الرقم 10 في المنتخبين أكبر مما ظهر عليه في رييكا.
لوكا مودريتش، أشهر لاعبي كرواتيا وأكثرهم احتفاءً، وجد نفسه عاجزاً عن مجاراة إيقاع مباراة شديدة القوة، قبل أن ينتهي عذابه باستبداله في الشوط الثاني، فيما كان بيلينغهام، الأصغر منه بـ18 عاماً، يقود عملية تعذيب فريق المدرب سلافن بيليتش.
وبدا الفارق بينهما في تلك الليلة كبيراً إلى درجة تكاد تكون غير عادلة.
كان بيلينغهام يفعل الأشياء نفسها التي اعتاد مودريتش فعلها في أوج تألقه؛ يمرر الكرات بين الخطوط لصناعة الأهداف، ثم يصل بنفسه إلى منطقة الجزاء ليسجل.
كانت تمريرته الحاسمة لهدف كين الافتتاحي بعد ثماني دقائق رائعة، قبل أن يحول بيلينغهام تمريرة جوردون العرضية الأرضية إلى الشباك مسجلاً الهدف الثاني لإنجلترا.
وكان ذلك الهدف الثامن لبيلينغهام خلال آخر 11 مباراة دولية له. وللمقارنة، لم يسجل سوى ستة أهداف في مبارياته الدولية الـ48 السابقة.
رباعي هجومي أرهق كرواتيا
لكن الأمر لم يكن متعلقاً ببيلينغهام وحده.
فالرباعي الهجومي، المكون من غوردون وساكا على الجناحين، وبيلينغهام خلف كين، أصاب المنتخب الكرواتي بالدوار، وتمكن اللاعبون الأربعة جميعاً من التسجيل قبل أن ينتهي الشوط الأول.
أما الحذر المفرط والمثير للإحباط، الذي أنهى مشوار إنجلترا في كأس العالم عند الدور نصف النهائي أمام الأرجنتين، فلم يكن له أي وجود هذه المرة.
وقال توخيل: «التحركات في الخط الأخير كانت على أعلى مستوى. إنه عمل جماعي، لكن الرباعي الأمامي يبدو خطيراً للغاية. كانت هذه المرة الأولى التي تلعب فيها هذه المجموعة معاً بهذه الصورة».
وعندما سُئل عما إذا كان ذلك أفضل أداء لإنجلترا منذ توليه المهمة، أجاب: «نعم، أعتقد ذلك. كان أداءً متكاملاً».
وكان من الممكن أن تصبح النتيجة أكبر.
أهدر بيلينغهام فرصة كبيرة في الشوط الثاني، فيما كان بإمكان جوردون تسجيل ثلاثية قبل أن ينجح أخيراً في هز الشباك قبل نهاية الشوط الأول بست دقائق.
أسوأ هزيمة في تاريخ كرواتيا
لم يسبق لكرواتيا في تاريخها أن خسرت بهذا الفارق، ومع ذلك، خرج أصحاب الأرض في النهاية وهم ممتنون لأن الأمور لم تصبح أكثر سوءاً.
وكانت النعمة الوحيدة لبيليتش أن مدرجات ملعب «ستاديون إتش إن كيه رييكا» لم تكن تضم سوى أطفال المدارس، الذين دعاهم الاتحاد الكرواتي لكرة القدم للحضور بعدما حالت العقوبات التأديبية التي فرضها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» دون بيع التذاكر للجماهير.
ففي الظروف العادية، كان رد الفعل على هزيمة بهذه القسوة سيصبح عنيفاً للغاية.
وقال بيليتش للصحافيين بنبرة يملؤها الإحباط: «منذ الدقيقة الأولى، كانت إنجلترا متفوقة في كل التفاصيل. كانوا أسرع وأكثر شراسة. كانوا ببساطة أفضل».
لكن الأطفال الذين حضروا المباراة حصلوا على الأقل على فرصة لمشاهدة موهبة بيلينغهام عن قرب، بعدما كانوا قد هتفوا باسمه بحماس خلال عمليات الإحماء قبل اللقاء.
ورد بيلينغهام على هتافاتهم بالتلويح لهم أثناء توجهه إلى غرف الملابس، لكنه لم يمنح المنتخب الكرواتي أي رحمة على أرض الملعب، في انتصار وضع إنجلترا في موقف قوي للتأهل إلى ربع نهائي دوري الأمم الأوروبية.
أما تمريرته الأخيرة إلى روجرز، التي اختتمت ليلة إنجليزية كاسحة، فقد أكدت أن العقاب استمر حتى اللحظات الأخيرة.
