
أربك “الدعم الكامل والمطلق” الذي منحه ترمب لنتنياهو حسابات الحملات الانتخابية لكل من الائتلاف والمعارضة على بُعد أسبوع واحد من موعد انتخابات إسرائيل، وأخذ الجميع يتحسّسون رؤوسهم، ويقلّبون فرصهم وخياراتهم.
وقد عُدّت تصريحات الرئيس الأمريكي غير المسبوقة بهذا القدر من “الحدة” و”الانحياز” تدخلا سافرا في انتخابات إسرائيل، رحّب به نتنياهو وفريق من داعميه، واستنكره فريق من المعارضة (لبيد وآخرون)، فيما لاذ غادي آيزنكوت منافس نتنياهو الرئيسي بأعلى معايير الحذر والدبلوماسية للتعبير عن “امتعاضه” من تدخل “الأخ الأكبر” الذي قد يعطل فرص وصوله إلى رئاسة الحكومة.
تدخلات سابقة .. ونتنياهو يتغلب دائما
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها رؤساء أمريكيون لتفضيل مرشح على آخر، حدث ذلك من قبل؛ كلينتون تدخل لصالح بيريز في انتخابات إسرائيل عام 1996، ومن بعده تدخل أوباما لصالح هرتسوغ في انتخابات 2015، ودائما ضد نتنياهو، ولكن في كلتا الحالتين لم يكن التدخل على هذا القدر من “السفور”، وفي كلتيهما تغلب نتنياهو على منافسيه. هذه المرة، يبدو تدخل ترمب أشد فداحة في توقيته ولغته.
كما أنها ليست المرة الأولى التي يسمح فيها ترمب لنفسه بالتدخل في شأن داخلي إسرائيلي، فقد سبق أن حمل على القضاء وضغط عليه لوقف ملاحقة نتنياهو ومحاكمته، وقد فعل شيئا مماثلا ضد رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ عندما خاطبه “بالمباشر” لاستصدار عفو خاص عن شريكه في حروب واشنطن في الإقليم، المباشرة منها أو تلك التي تخوضها نيابة عنه.
يجادل البعض بأن أثرا محدودا فقط قد يترتب على دخول ترمب على خط انتخابات إسرائيل، ويعزو ذلك إلى عاملين: أولهما أن حالة الاستقطاب التي تسود الرأي العام الإسرائيلي وتشكله لا تترك سوى 5% منه في الخانة الرمادية ومربع التردد، وهؤلاء هم من خاطبهم نتنياهو في اليوم ذاته داعيا إياهم للتصويت لحزبه وقائمته، مع أن هؤلاء قد يأتون بخمسة إلى سبعة مقاعد كفيلة بمحو الفوارق بين المعسكرين.
وثانيهما أن مكانة ترمب في أوساط الإسرائيليين اليوم تراجعت عما كانت عليه قبل عام أو أكثر قليلا.. ترمب اليوم فرض ويفرض قيودا على حركة الجيش الإسرائيلي على مختلف الجبهات، وأبرم اتفاقا منفردا مع الحوثيين، تاركا سفنهم وميناءهم الوحيد على البحر الأحمر عرضة لصواريخ الحوثي ومسيراته.
فيما ارتبط اسمه بالأمس بصفقة تحرير المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة الذين استنكف نتنياهو عن بذل ما يكفي من الجهد لتحريرهم، لحساباته الشخصية والسياسية.
لا ندري كيف يمكن أن يترجم دعم ترمب لنتنياهو بلغة الأرقام والنسب المئوية، بيد أننا نرجح أن تداعيات هذا الدعم بعد انتخابات إسرائيل قد تطال الإقليم برمته.
الجزء الظاهر من جبل الجليد
على أي حال، لا تكمن العبرة من تصريحات ترمب فقط في قدرتها على تعديل وتغيير نتائج السباق الانتخابي بين نتنياهو وخصومه، مع أنها عامل مهم في ظل التوازن الدقيق للقوى بين المعسكرين كما تظهرها استطلاعات الرأي العام الكثيفة والمتعاقبة هذه الأيام.
العبرة من هذه التصريحات تكمن أساسا فيما قد تستحدثه من تغيير في أوزان مختلف السيناريوهات التي يجري تداولها لمرحلة ما بعد انتخابات إسرائيل وشكل الحكومة التي ستنبثق عنها، وتحديدا لجهة إعطاء وزن إضافي لسيناريو “حكومة وحدة/تناوب” بقيادة نتنياهو ومشاركة آيزنكوت وآخرين، وربما دون سموتريتش وبن غفير بخاصة.
وثمة ما يشي بأن دخول ترمب على هذا الخط من بوابة “الدعم الكامل والمطلق” لنتنياهو، وقوله استطرادا إن أي خيار آخر سيأتي بالزعيم الخطأ لإسرائيل، لم يكن في واقع الحال منبتا عن اتصالات ومشاورات بين حكومة نتنياهو وإدارة ترمب؛ ولقد فضحت تصريحات الأول الطافحة بالرغبة والجموح لمواصلة الحرب على إيران وبقية الجبهات طيلة العامين المتبقيين لإدارة ترمب في الحكم جانبا مما يجري في الخفاء من ترتيبات واستعدادات للمرحلة المقبلة.
ترمب بدأ الحرب على إيران بالشراكة مع نتنياهو، وقد دعم حروب الأخير على غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن كما لم يفعل أي زعيم أمريكي آخر؛ ولما كانت المهمة لم تستكمل بعد على كل الجبهات، فقد تعاهد الرجلان على ما يبدو على إتمامها سوية في “شراكة دم” تعمدت بنيران الحروب المتناسلة في الشرق الأوسط.
بقيت لترمب سنتان من ولايته الأخيرة، ونتنياهو يريد التمديد لنفسه سنتين على الأقل، وهو مستعد للمضي في سيناريو حكومة تناوب مع آيزنكوت حتى نهاية الشوط، شريطة أن يتولى هو الرئاسة أول عامين من عمر الحكومة المقبلة، قبل أن يسلم الراية إلى آيزنكوت، أو يضرب بها عرض الحائط كما فعل مع بيني غانتس قبل أعوام قلائل.
حكومة التناوب تحتل صدارة أولويات رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ، وقد وعد بالعمل على إخراجها إلى دائرة الضوء لتفادي انزلاق الدولة العبرية إلى دوامة الفوضى والانتخابات المبكرة المتكررة كما حصل قبل خمس سنوات، وللتخلص من قوى يمينية متوحشة أساءت لإسرائيل وصورتها بالقدر الذي جعل حياة الفلسطينيين في الضفة وغزة جحيما لا يطاق، وقد تعهد في أكثر من مناسبة بأنه لن يدخر أداة في جعبة الرئاسة، أو صلاحية من صلاحياتها، إلا وسيفعلها لجعل هذا الخيار ممكنا.
وحكومة التناوب لا تحرر نتنياهو من قيود وابتزاز أقصى اليمين المتطرف فحسب، بل تجعله ومعه كافة القوى الإسرائيلية الصهيونية في غنى عن دعم الصوت العربي في الكنيست الإسرائيلي، لا من داخل الائتلاف ولا من خارجه، لا سيما بعد تزايد الرهانات على قدرة هذا الصوت على لعب دور مقرر في تشكيل حكومة ما بعد انتخابات إسرائيل.
وحكومة الوحدة/التناوب تلقى عادة ارتياحا من قبل قطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، فهي تمثل “التيار المركزي” في إسرائيل، وتؤمن استقرارا سياسيا داخليا، وتخرج الحكومة والموازنة من ضغط وابتزاز التيارات الأكثر تطرفا من يمين أو يسار، وعرب وحريديم.
ولقد سبق لغادي آيزنكوت أن عبر عن ميل لقبول التناوب مع نتنياهو شريطة أن يتولى هو رئاسة الحكومة في أول عامين لتشكيلها، وهو ما رفضه نتنياهو بشدة من قبل وسيرفضه بشدة أكبر بعد تصريحات ترمب، وستشتد الضغوط على زعيم “يشار” للانصياع لخيار “الوحدة والتناوب” باعتباره مسألة أمن قومي ورغبة عليا من قبل أكبر وأهم حليف متبقٍ لإسرائيل.
وقد تعزز تصريحات ترمب الأخيرة ميل نتنياهو وتحفز جهوده لتقسيم حزب “بياحد/معا” لفصل نفتالي بينيت عن يائير لبيد، واستعادة الأول إلى الليكود بيته الأصلي، أو ربما القبول به كحزب مستقل وشريك في ائتلاف أوسع إلى جانب من يمكن استقطابهم من أحزاب ونواب آخرين لتشكيل حكومة أكثر استقرارا تحت ضغط الموقف الأمريكي وحسابات الأمن القومي والاستعداد “لإنجاز المهمة”.
وإذا كان سموتريتش قد رحّب بتصريحات ترمب الداعمة لنتنياهو من موقعه كممثل لليمين الصهيوني الديني النخبوي الذي يمكن أن يجد لنفسه مطرحا في حكومة التناوب المرجحة، فإن بن غفير من موقعه كممثل للغوغاء والرعاع من قطعان المستوطنين ومليشياتهم السائبة قد يكون أول ضحية للتناوب والوحدة؛ فثمة قوى وازنة في إسرائيل وخارجها باتت تفضل إعادة هؤلاء إلى المربع الذي جاؤوا منه، مربع الكهانية الموسوم بالإرهاب حتى وفقا للقوانين الإسرائيلية، عندما كان للقانون بعض من الاحترام في دولة الاحتلال والاستيطان والعنصرية.
الجزء الغاطس من جبل الجليد
في ظني -وهذا هو الأهم- أن ثمة أجندة أمريكية إسرائيلية للعامين الأخيرين لترمب في البيت الأبيض وللعامين الأول والثاني لحكومة نتنياهو السابعة، وتتعلق أساسا بخوض جولة جديدة من الحرب على إيران قد تكون شاملة كما تريدها تل أبيب، وقد تكون محدودة وكثيفة كما تفضلها واشنطن. هنا يكمن جوهر “المهمة التي لم تستكمل بعد” التي يتحدث عنها باستمرار الحليفان الإستراتيجيان، ويتعاهدان على إتمامها بالشراكة كما يتردد على لسانيهما حرفيا.
لقد قالها ترمب بالفم الملآن: نريد أن نذهب إلى إيران، ولا نفضل أن نذهب وحدنا؛ نريد للحرب عند استئنافها أن تكون بالشراكة مع إسرائيل، وهل ثمة من هو أفضل من نتنياهو كشريك مجرب في هذه الحرب؟ ليرد عليه نتنياهو بأن إسرائيل متحرقة لاستكمال المهمة، وقد تبدؤها استباقيا ومنفردة إن تطلب الأمر.
ومع انسداد مسارات التفاوض والدبلوماسية يتعالى قرع طبول الحرب حتى باتت تصم الآذان في الأيام الأخيرة، غير أن من المرجح أن يكون الإقليم على موعد معها بعد إتمام الاستحقاقين الانتخابيين وليس قبل ذلك، وسط رغبة متبادلة عند الرجلين بإنهاء الحرب سوية كما بدآها سوية.
وثمة ما يتعين فعله في قطاع غزة، وهو إنفاذ مبادرة ترمب وخرائطها التنفيذية، وهي مبادرة -وإن كان نتنياهو قد قبل بها على مضض أو علق إعلان موقفه بشأن بعض تفاصيلها- فإن الاعتقاد السائد في واشنطن هو أن نتنياهو فعل ما فعل، وعرقل ما عرقل تحت ضغط وابتزاز “أقصى اليمين” في حكومته.
كما أنه إذا تحرر من قيود هؤلاء وأضاف آيزنكوت إلى ائتلافه، فإن تقدما سيطرأ على تنفيذ هذه الخطة؛ إذ إن مروحة المشتركات بين واشنطن وتل أبيب واسعة إلى الحد الذي سيمكن الطرفين من التقدم إلى الأمام ما دامت حماس والمقاومة ستظلان هدفا محوريا لهذا الحلف، والسلطة الفلسطينية ممنوعا عليها الوصول إلى غزة، والأخيرة منفصلة عن الضفة وتخضع لوصاية دولية، والقطاع منزوع السلاح والأنفاق، إلى غير ما هنالك من عناوين يكررها موفدو ترمب أكثر مما يفعل ممثلو نتنياهو حين تلتئم موائد التفاوض.
وفي لبنان ثمة مهمة لم تنجز بعد وسيكون إنجازها أكثر يسرا بوجود حلفاء آخرين لنتنياهو في الحكومة، وذلك دائما على قاعدة المشتركات الواسعة بين الموقفين الأمريكي والإسرائيلي: لا سلاح لحزب الله، لا جنوبي الليطاني ولا شماله، وبدء مسار تطبيعي بين لبنان الرسمي وإسرائيل، وإقامة مناطق آمنة وأحزمة أمنية دون حاجة إلى هدم الأبراج والبنايات الشاهقة لملاحقة كل عنصر من عناصر الحزب كما ألمح ترمب ذات مرة في وصفه للشهية التدميرية لإسرائيل.
القناعة في واشنطن هي أن الدعم “الكامل والمطلق” الذي منحه ترمب لنتنياهو قد يعزز مكانة الأخير في مواجهة منافسيه وخصومه المحليين، بيد أنه قد يعمق تبعيته للأول؛ إذ سيبقى مدينا له بتجديد ولايته، وإنقاذ مستقبله السياسي وتأمينه من شبح المحاكم والسجون.
وثمة قناعة ثانية لا تقل أهمية، وهي أن نتنياهو كرئيس للحكومة سيكون أكثر اتساقا وتساوقا مع إدارة ترمب من نتنياهو كزعيم للمعارضة، وأن كسب تأييده وإسناده لخطط ترمب ومشاريعه المستقبلية على مختلف الجبهات بعيدا عن ابتزاز أقصى اليمين، قد يمكن ترمب من توظيف النصف الثاني من ولايته لإنجاز ما تعذر عليه إنجازه في النصف الأول منها.
لكن ما يغيب عن أذهان من نصحوا الرئيس الأمريكي بالتدخل في انتخابات إسرائيل هو أن نتنياهو وجمهورا واسعا من الإسرائيليين لم يعتادوا الوفاء يوما، وأنهم الأكثر جاهزية لعض اليد التي مدت إليهم، وأنهم أول من يتنكر للجميل ويشهر سيف العداوة لرعاتهم ومنشئيهم، ومن لديه شك فيما نقول، فلينظر إلى ما قالوه وفعلوه بالإنجليز والأوروبيين عند بروز أول خلاف حول قضية هنا، أو تفصيل هناك.
