سجلت الخريطة السياسية تراجعا ملحوظا لمرشحين وتيارات ارتبطت بحكومات تبنت مواقف متضامنة مع الفلسطينيين في انتخابات دول عدة، في مقابل صعود منافسين أبدوا تقاربا أو تأييدا صريحا لإسرائيل في بعض السباقات.
واقع فنزويلا ومفارقات انتخابات أمريكا اللاتينية
عاشت فنزويلا مسارا استثنائيا يبتعد عن سياق الهزائم الانتخابية التقليدية؛ ففي 3 يناير 2026، نفذت القوات الأمريكية عملية عسكرية داخل البلاد اعتقلت خلالها الرئيس نيكولاس مادورو ونقلته إلى أمريكا ليمثل أمام محكمة في نيويورك على خلفية اتهامات جنائية، وهو ما اعتبرته السلطات الفنزويلية آنذاك عملية “اختطاف” معلنة تمسكها بشرعية مادورو، بينما أكدت واشنطن أن التحرك استهدف توقيفه جنائيا، ليبقى ما جرى تدخلا عسكريا قاد إلى إسقاط السلطة القائمة وليس خسارة عبر صناديق الاقتراع.
وقد كان مادورو واحدا من بين أبرز الرؤساء المؤيدين للقضية الفلسطينية والمناهضين للعدوان الإسرائيلي على غزة، مكملا لمسيرة قطع للعقات مع تل أبيب منذ عام 2009.
وعقب يومين من الواقعة، أدت نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة للبلاد بقرار من المحكمة العليا لإدارة مرحلة الفراغ، دون أن تصل للمنصب عبر اقتراع شعبي جديد، مؤكدة في أولى خطاباتها أن مادورو هو الرئيس الشرعي ومطالبة بإطلاق سراحه.
لاحقا، شهدت كاراكاس في أغسطس 2026 إعلان استعادة العلاقات والخدمات القنصلية مع إسرائيل بعد انقطاع استمر 17 عاما عقب وصول بعثة مساعدات إسرائيلية، دون أن يمتد ذلك لاستئناف كامل للتمثيل الدبلوماسي.
نتائج تشيلي وهندوراس في انتخابات أمريكا اللاتينية
حسم مرشح اليمين خوسيه أنطونيو كاست الانتخابات الرئاسية في تشيلي عام 2025 بنسبة تقارب 58% من الأصوات مقابل قرابة 42% لمرشحة الائتلاف الحاكم خينيته خارا، في اقتراع غاب عنه الرئيس جابرييل بوريك لعدم أهليته الدستورية لولاية ثانية متتالية.
ورغم انتقاد كاست لنهج بوريك تجاه إسرائيل وتلويح خارا بتعليق العلاقات الدبلوماسية معها انتصارا للفلسطينيين، أجمعت التقارير على أن الحملات الانتخابية دارت حول الجريمة المنظمة، والهجرة، والأمن القومي، والركود الاقتصادي، دون أن يمثل الشرق الأوسط محورا مرجحا لنتائج الصناديق.
وفي هندوراس، حلت ريخي مونكادا، مرشحة حزب “ليبري” الحاكم، في المرتبة الثالثة بنسبة 19.2% في اقتراع 2025 بغياب الرئيسة شيومارا كاسترو عن التنافس، ليفوز نصري عصفورة مرشح الحزب الوطني بنحو 40.3% متقدما بفارق ضئيل على سلفادور نصر الله.
ورغم استدعاء كاسترو لسفيرها من إسرائيل في نوفمبر 2023 وتصنيف حزب عصفورة بالداعم القوي لتل أبيب، بصرف النظر عن جذوره العائلية الفلسطينية، شهد السباق ضغطا أمريكيا علنيا بتأييد الرئيس دونالد ترامب لعصفورة وربطه المساعدات بفوزه فضلا عن العفو عن الرئيس الأسبق خوان أورلاندو هيرنانديز، غير أن بعثة منظمة الدول الأمريكية أكدت عدم رصد أدلة تثبت تزوير الأصوات أو الإخلال الجوهري بإرادة الناخبين.
أزمات بوليفيا وكولومبيا بمسار انتخابات أمريكا اللاتينية
سجلت بوليفيا هزيمة قاسية لحزب “ماس” الحاكم؛ فمع إعلان الرئيس لويس آرسي عدم ترشحه لانتخابات 2025، لم يحصد مرشح الحزب إدواردو ديل كاستيو سوى 3.2% في الجولة الأولى ليتأهل رودريجو باز وخورخي كيروجا إلى جولة الحسم، إثر تصدع الحزب بفعل الصراع بين آرسي وسلفه إيفو موراليس، وتفاقم الأزمة الاقتصادية وشح الوقود والعملات الأجنبية.
ورغم قطع حكومة آرسي علاقاتها مع إسرائيل عام 2023 وإعادتها من قبل باز في ديسمبر 2025 عقب تنصيبه رئيسا، أكدت “رويترز” أن الانهيار الاقتصادي والتشرذم السياسي كانا العاملين الحاسمين في توجيه التصويت.
وفي كولومبيا، خسر إيفان ثيبيدا المدعوم من الرئيس المنتهية ولايته جوستافو بيترو أمام مرشح اليمين أبيلاردو دي لا إسبرييا بفارق ضئيل بلغ 48.70% مقابل 49.66% في جولة الإعادة لعام 2026.
وبينما تعهد الفائز بنقل السفارة إلى القدس واستعادة العلاقات مع إسرائيل مدعوما من ترامب، سيطرت ملفات الأمن القومي، والنشاط الاقتصادي، ومواجهة الجماعات المسلحة على النقاش الانتخابي.
وفي حين يتهم بيترو وهو من أشد المناهضين لحرب الإبادة في غزة، أمريكا وإسرائيل بالتدخل الرقمي وتغيير البيانات، أكد النائب العام وتدقيق مركز «كابيل» الدولي سلامة الإجراءات والأنظمة من أي تلاعب منهجي، ما دفع ثيبيدا للإقرار بالهزيمة رسميا.
سباق البرازيل وموقع فلسطين في انتخابات أمريكا اللاتينية
شهدت الجولة الأولى لانتخابات البرازيل في 4 أكتوبر الجاري تصدر مرشح اليمين فلافيو بولسونارو بنحو 47% متقدما على الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي حاز 45%، ليحتكما إلى جولة إعادة حاسمة في 25 أكتوبر، دون أن تُعد هذه النتيجة خسارة نهائية للولا.
وقد برز التناقض بين إدانة لولا للحرب في غزة وتعهد فلافيو بنقل السفارة إلى القدس بدعم من ترامب الذي فرض تعريفات على خلفية ملاحقة والده جايير بولسونارو.
المقارنة الإسبانية وأبعاد انتخابات أمريكا اللاتينية
تفرض المقارنة الأوروبية حضورها من خلال إسبانيا؛ حيث دعا رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر المقبل إثر تعثر تشريعات أزمة الإسكان داخل نظام برلماني يحدد تشكيل الحكومة عبر التوازنات الحزبية لا الاقتراع الرئاسي المباشر.
وكان سانشيز قد قاد مسارا يدعم الحقوق الفلسطينية والاعتراف بدولة فلسطين في مايو 2024 وحظر تصدير السلاح لإسرائيل.
وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى تقدم حزب الشعب المحافظ مع احتمالية تحالفه مع حزب “فوكس” اليميني لتشكيل الحكومة، مع تمايز مواقفهما الخارجية بين وضوح تأييد “فوكس” لتل أبيب والتباس موقف حزب الشعب الذي دعم حل الدولتين وعارض حظر السلاح.
السياق التاريخي للمنطقة ضمن انتخابات أمريكا اللاتينية
يعود الرافد الدبلوماسي للقضية في أمريكا اللاتينية إلى اعتراف كوبا بدولة فلسطين عام 1988، وتثبيت فنزويلا للاعتراف عام 2009، وصولا إلى موجة الاعترافات المنسقة بين عامي 2010 و2011 التي شملت البرازيل، والأرجنتين، وبوليفيا، وتشيلي، وهندوراس، وبيرو، ولحقت بها كولومبيا عام 2018، دون أن يترجم هذا المسار الدبلوماسي إلى كتلة تصويتية مرجحة داخل البيئات الانتخابية الوطنية.
وتتضح التمايزات السياسية في كوبا التي أعاد برلمانها انتخاب ميجيل دياز كانيل عام 2023 دون تنافسية حزبية مباشرة؛ وفي الأرجنتين التي أحجم رئيسها ألبرتو فرنانديز عن الترشح عام 2023 وخسر مرشحه سيرخيو ماسا أمام خافيير ميلي المؤيد لإسرائيل تحت وطأة أزمة التضخم الاقتصادي؛ فضلا عن بيرو التي حسمت فيها كيكو فوجيموري سباق 2026 دون مشاركة الرئيس المؤقت، ودون ثبوت أدلة مراقبة تؤكد مزاعم التلاعب الانتخابي.
تشير المراجعة الشاملة إلى أن تراجع التيارات الحاكمة في تشيلي وهندوراس وبوليفيا وكولومبيا لحق بمرشحي الأحزاب، وليس برؤساء الدول الذين منعهم الدستور من الترشح لولاية متتالية.
وفي حين لا تمثل فنزويلا هزيمة انتخابية بل إقصاء عسكريا أعقبه انفتاح قنصلي، تبقى نتيجة البرازيل رهنا بجولة الإعادة.
وتؤكد الوقائع أن الناخب اللاتيني عاقب المعسكرات الحاكمة بدوافع اقتصادية وأمنية بحتة، دون أن يحسم ملف غزة وجهة التصويت، مع بقاء الفارق جوهريا بين الضغوط السياسية الخارجية وبين إثبات تزوير الصناديق.
