أثارت قضية الحارس ليونيل مباسي، لاعب منتخب الكونغو الديمقراطية، تساؤلات جدية بشأن التزام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بلوائحه الخاصة بأهلية اللاعبين، بعدما كشفت تحقيقات صحافية عن أن الحارس خاض أربع مباريات في التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، رغم عدم استيفائه الشروط القانونية للمشاركة، قبل أن يُسوّى وضعه دون فرض عقوبات على اللاعب أو الاتحاد الكونغولي.
وحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية، التي نشرت تحقيقاً بالتعاون مع «نيويورك تايمز» في 6 أكتوبر (تشرين الأول)، وأتبعته بمادة جديدة في 8 أكتوبر، فإن القضية تتجاوز المخالفة الفردية إلى طريقة اتخاذ القرارات داخل «فيفا»، خصوصاً أن قانونييه كانوا قد حدَّدوا المخالفة وآثارها المحتملة، في حين انتهت الإجراءات دون معاقبة المنتخب الذي استفاد من مشاركة اللاعب.
وكان منتخب الكونغو الديمقراطية قد تجاوز نيجيريا في نهائي الملحق الأفريقي يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، ليحصل على فرصة خوض الملحق العالمي أمام جامايكا في 31 مارس (آذار) 2026، حيث حسم تأهله إلى كأس العالم.
وأصبحت مواجهة نيجيريا محور القضية؛ إذ إن عدّ المنتخب الكونغولي خاسراً فيها بسبب مشاركة لاعب غير مؤهل كان سيغير هوية المنتخب المتأهل إلى الملحق العالمي، ويمنح نيجيريا فرصة المنافسة على بطاقة المونديال.
وتكشف الوثائق عن أن المشكلة القانونية بدأت قبل ذلك بسنوات، بعدما مثّل مباسي المنتخبات الفرنسية للفئات السنية في خمس مباريات على الأقل، بينها مشاركات في كأس العالم للناشئين تحت 17 عاماً عام 2011. ورغم امتلاكه الجنسيتين الفرنسية والكونغولية، كان يتعين عليه استكمال إجراءات تغيير اتحاده الرياضي قبل تمثيل الكونغو الديمقراطية.
وبدأ الاتحاد الكونغولي تلك الإجراءات عام 2021، إلا أنها لم تُستكمل رسمياً، ومع ذلك شارك الحارس مع المنتخب الأول ابتداءً من فبراير (شباط) 2022. ولم يكتشف قانونيو «فيفا» عدم اكتمال الإجراءات إلا بعد مراجعة معمقة للملف يومي 9 و10 مارس 2026، أي قبل نحو ثلاثة أسابيع من مباراة جامايكا.
وكان الاتحاد النيجيري قد تقدم بشكوى في 28 نوفمبر 2025، أثار فيها شبهات تتعلق بأهلية عدد من اللاعبين الكونغوليين، بما فيها مسائل الجنسية وجوازات السفر، من دون أن يذكر مباسي تحديداً. وبعد مراسلات لاحقة، رفض «فيفا» الشكوى لأسباب شكلية تتعلق بالمواعيد والإجراءات، مؤكداً أن القرار أصبح نهائياً لعدم تقديم استئناف مستوفٍ للشروط.
غير أن المادة 19 من لائحة الانضباط لدى الاتحاد الدولي تمنح الجهات القضائية المختصة صلاحية التحرك من تلقاء نفسها عند اكتشاف مشاركة لاعب غير مؤهل، حتى في غياب شكوى رسمية. وتنص القواعد على إمكانية عدّ الفريق خاسراً وفرض غرامة لا تقل عن ستة آلاف فرنك سويسري، إلى جانب العقوبات التي قد تطال اللاعب.
وأوصى قانونيو «فيفا» بفتح إجراءات تأديبية ضد الحارس والاتحاد الكونغولي، وإيقاف مباسي ستة أشهر، وتغريم الاتحاد المحلي، مع طرح خيارين بشأن نتائج المنتخب: إما عدّه خاسراً في المباراة المعنية، أو خصم ست نقاط من رصيده في تصفيات كأس العالم 2030.
وتضمنت التوصيات أيضاً إحالة الملف بصورة عاجلة إلى الجهات المختصة، وحسم هوية المنتخب الذي يحق له مواجهة جامايكا، سواء بمنح نيجيريا بطاقة الملحق العالمي أو تأكيد استمرار الكونغو الديمقراطية إذا تقرر تطبيق عقوبة بديلة.
ولم تكن نيجيريا الطرف الوحيد الذي يمكن أن يتأثر بإعادة النظر في النتائج؛ إذ خلص التحليل القانوني الداخلي إلى أن إعادة احتساب نتائج مباريات الحارس غير المؤهل كانت ستغير ترتيب التصفيات الأفريقية، بما قد يمنح بوركينا فاسو، بدلاً من الكونغو الديمقراطية، فرصة المشاركة في الملحق الأفريقي.
واستند القانونيون إلى سوابق تأديبية واضحة، بينها معاقبة جنوب أفريقيا بعدّها خاسرة أمام ليسوتو في تصفيات مونديال 2026 بسبب إشراك تيبوهو موكوينا وهو غير مؤهل. وأظهرت تلك السوابق أن العقوبات المرتبطة بأهلية اللاعبين لم تكن إجراءً استثنائياً.
ورغم ذلك، لم تصدر عقوبة معلنة بحق مباسي أو الاتحاد الكونغولي، ولم تُعدّل نتائج المباريات السابقة. وفي رد لاحق، أكد «فيفا» أن مشاركة الحارس لم تثر أي مشكلة أهلية خلال مواجهة جامايكا أو نهائيات كأس العالم 2026، وهو ما عدّته الصحيفة مؤشراً إلى تسوية وضعه قبل الملحق العالمي.
ويثير هذا الرد سؤالاً بشأن الأساس القانوني الذي استند إليه الاتحاد الدولي لتصحيح وضع اللاعب دون ترتيب آثار تأديبية على مشاركاته السابقة. ولم يقدم «فيفا» للصحيفة تفسيراً محدداً لطبيعة إجراءات التسوية أو أسباب عدم إبلاغ الاتحادات التي ربما تأثرت بالمخالفة.
وامتدت القضية إلى مستويات إدارية وسياسية داخل الاتحاد الدولي، بعدما كشفت التحقيقات عن احتمال اطلاع رئيسه جياني إنفانتينو وأمينه العام ماتياس غرافستروم على تفاصيل الملف. ونفى «فيفا» بصورة قاطعة أن يكون رئيسه قد تدخل في الإجراءات التأديبية، مؤكداً استقلال الجهات القضائية المختصة.
وتزامنت القضية مع صعود فيرون موسينغو أومبا إلى رئاسة الاتحاد الكونغولي لكرة القدم في مايو (أيار) 2026، وهو المسؤول السابق في الاتحاد الأفريقي الذي تربطه علاقة طويلة بإنفانتينو منذ دراستهما القانون في جامعة فريبورغ السويسرية.
وسبق لموسينغو أومبا العمل في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، والمشاركة في حملة إنفانتينو الانتخابية عام 2016، قبل توليه مناصب في «فيفا» ثم الأمانة العامة للاتحاد الأفريقي. وأثار انتخابه رئيساً للاتحاد الكونغولي، بعد استبعاد أو انسحاب ثمانية منافسين، تساؤلات بشأن طبيعة الدعم الذي تلقاه.
وتناول التحقيق مراسلات عبّر فيها إنفانتينو عن دعمه الشخصي للرئيس الجديد للاتحاد الكونغولي، في حين نفى «فيفا» الاتهامات المتعلقة بوجود تدخل سياسي لترتيب انتخابه. ولا تشكل العلاقة بين المسؤولين، في حد ذاتها، دليلاً على أنها كانت سبباً في القرار المتعلق بأهلية مباسي.
وأعادت القضية إلى الواجهة الجدل الذي أثارته واقعة المهاجم الأميركي فولارين بالوغون خلال مونديال 2026، بعدما خُففت عقوبة إيقافه إثر تدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إنفانتينو، وفق ما أورده التحقيق، في واقعة أثارت بدورها تساؤلات بشأن استقلال القرارات الانضباطية.
وتأتي هذه التطورات قبل انتخابات رئاسة «فيفا» المقررة في مارس 2027، وسط اهتمام متزايد بمواقف الاتحادات الأفريقية، التي تمثل 54 اتحاداً من أصل 211 اتحاداً عضواً في المنظمة الدولية.
في المقابل، لم يُغلق الجانب النيجيري الملف نهائياً؛ إذ أفادت معلومات نقلتها شبكة «إي إس بي إن» بأن الاتحاد النيجيري يدرس خياراته القانونية، بما فيها المطالبة بتعويض مالي من «فيفا» عن الأضرار المرتبطة بالغياب عن كأس العالم.
وتبقى القضية مفتوحة على تساؤلات تتعلق بمدى اتساق القرارات التأديبية مع اللوائح والسوابق القانونية، خصوصاً أن تصحيح أهلية اللاعب للمباريات اللاحقة لا يفسر وحده كيفية معالجة مشاركاته السابقة، ولا يحسم حقوق المنتخبات التي ربما تأثرت بنتائجها.
