تجذب الألوان الدافئة للعاصمة المالطية فاليتا، المحاطة بأسوار مهيبة، الزوار منذ زمن طويل لعبور بوابات المدينة والتجول في شوارعها الضيقة والمنحدرة، التي تتخللها درجات حجرية في كثير من الأحيان. وتكشف أحجار الرصف اللامعة والزلقة عن آثار قرون من الخطوات التي مرّت فوقها. وعلى الرغم من أن مساحة فاليتا لا تتجاوز 0.3 ميل مربع، فإنها تُعدّ أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، وقد تكون أصغر عاصمة في الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه من أكثر مدن العالم كثافةً بالمعالم التاريخية.
تأسست فاليتا عام 1566 على يد جان باريسو دو فاليت، المعلم الأكبر لفرسان القديس يوحنا، وسُمّيت تيمّناً به؛ تكريماً لدوره المحوري في الدفاع عن الجزيرة خلال الحصار العثماني الكبير عام 1565.
شُيّدت المدينة على امتداد شبه جزيرة شيبيراس المتموجة، بين الميناء الكبير جنوباً وميناء مرسامكسيت شمالاً، ما جعل موقعها خياراً إستراتيجياً بامتياز. وأصبحت فاليتا عاصمة الجزيرة عام 1571. وعلى الرغم من فقدان جزء كبير من عمارتها الأصلية خلال الحرب العالمية الثانية، أو إعادة بنائه بعدها، لا تزال المدينة تحتفظ بالكثير من اللمسات المعمارية الباروكية.
اليوم، لا يمكن فصل حاضر فاليتا عن ماضيها؛ فهذه المدينة الصغيرة، التي تفوح منها أجواء التاريخ وأسراره، تَعِد زوارها أيضاً بتجارب مبتكرة، ومقاهٍ عصرية رائجة، ومجموعة متنوعة من الأنشطة التي تجعلهم يستمتعون بكل لحظة فيها من دون الحاجة إلى الابتعاد كثيراً. اكتشفوا فيما يلي كيفية الاستمتاع بأفضل تجربة خلال عطلة قصيرة في هذه المدينة الساحرة، التي تجمع بين روعة المدن الصغيرة وغنى المعالم التاريخية.
اليوم الأول

الساعة 10:00 صباحاً: اكتشفوا تاريخ فاليتا
قبل تأسيس فاليتا، كان هناك حصن سانت إلمو، الذي شُيّد عام 1552 عقب تكرار التهديدات بشنّ هجمات عثمانية، واتخذ موقعاً إستراتيجياً يتيح الإشراف على مدخلي الميناءيْن عند طرف شبه جزيرة شيبيراس. يتميّز حصن سانت إلمو بتصميمه النجمي، وينقسم إلى قسمين؛ علوي وسفلي. وقد شهد بعضاً من أعنف المعارك خلال الحصار الكبير عام 1565، حين أخفق العثمانيون في نهاية المطاف في السيطرة على الجزيرة. وخضع الحصن لتعديلات خلال القرن السابع عشر، ثم أدخل البريطانيون تعديلات إضافية عليه في القرن التاسع عشر، قبل أن يتعرّض لقصف عنيف خلال الحرب العالمية الثانية.
حصلت مالطا على استقلالها عن بريطانيا عام 1964، وفي عام 1972، غادرت وحدة المدفعية الملكية المالطية التابعة للجيش البريطاني الحصن للمرة الأخيرة. وبعد ذلك، أُهمل الحصن إلى حدّ ما، وبدأت معالم التدهور تظهر على بنيته.
بدأت أعمال ترميم واسعة النطاق للحصن عام 2009. واليوم، تحتضن جدرانه الضخمة، المشيّدة من الحجر الجيري، متحف الحرب الوطني، الذي يستعرض تاريخ مالطا عبر سبع قاعات مختلفة، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بفرسان الإسبتارية والغزوات العثمانية والنابليونية، وصولاً إلى الحكم البريطاني والحرب العالمية الثانية.
تجوّلوا بين متاريس الحصن وممراته المحصّنة، واستمتعوا بالإطلالات البانورامية من مختلف الجهات. لكن استعدّوا لسماع صفارة الإنذار من الغارات الجوية، وهي قطعة أصلية تعود إلى الحرب العالمية الثانية، تنطلق فجأة كل يوم عند الظهر؛ تعبيراً عن الاحترام لذكرى تلك الحقبة.
الساعة 12:30 ظهراً: تناولوا الغداء
استمتعوا بوجبة شهية تستحقونها بعد رحلة غنية بالتاريخ في مالطا.

الساعة 2:00 بعد الظهر: توجهوا إلى سليما للسباحة
استقلّوا العبّارة في رحلة تستغرق 15 دقيقة إلى سليما، حيث ستجدون، على بُعد مسافة قصيرة سيراً على الأقدام شرق المحطة، منطقة مخصصة للسباحة ومحاطة بحبال، تحظى بشعبية كبيرة بين السكان المحليين.
السباحة هنا مجانية، والأجواء مريحة وبسيطة، كل ما عليكم فعله هو إحضار منشفة، واختيار مكان مناسب على الصخور، ثم الانغماس في المياه الصافية المنعشة. سواء كنتم تفضلون السباحة لمسافات طويلة أو الاسترخاء طافين فوق الأمواج المالحة، فإن أفق فاليتا المنخفض، بمبانيه الرملية اللون وقبته الكبيرة التي تعلو بازيليك سيدة جبل الكرمل، يشكّل خلفية رائعة لهذه التجربة.
الساعة 4:30 عصراً: استكشفوا الميناء الكبير بقوارب الكاياك
استبدلوا السباحة بتجربة التجديف بقوارب الكاياك في وقت متأخر من بعد الظهر. احجزوا مقاعدكم مع إحدى الشركات المتخصصة في الأنشطة الخارجية في مختلف أنحاء مالطا، لتجدوا أنفسكم، قبل غروب الشمس، تجدفون في مياه الميناء الكبير، متجاوزين العبّارات وقوارب الصيد وقوارب الأجرة المائية التقليدية المعروفة باسم «دغايْسا».
الساعة 7:00 مساءً: تناولوا العشاء
تناولوا العشاء ضمن أجواء مرحبة في أحد مطاعم فاليتا.
اليوم الثاني

الساعة 10:00 صباحاً: انزلوا إلى أعماق فاليتا
تجاوزوا الطاولات الخارجية المنتشرة على شرفة أحد المقاهي، وصولاً إلى المدخل المتواضع وغير اللافت لموقع «أندرغراوند فاليتا» حيث تبدأ رحلة استكشاف العالم الخفي تحت شوارع العاصمة المالطية.
بعد مقدمة موجزة يقدمها المرشد السياحي، وارتداء أغطية الشعر والخوذات والمصابيح الأمامية اللازمة، ستنطلقون في جولة داخل شبكة الأنفاق الممتدة تحت سطح الأرض، والتي تتبع مسارات شوارع فاليتا.
شُيّدت هذه الأنفاق في الأصل خلال القرن السادس عشر، بوصفها وسيلة دفاعية إستراتيجية تساعد على تحريك الجنود وتخزين الحبوب والمياه. ثم توسّعت في أربعينيات القرن العشرين، لتتحول إلى ما يشبه مدينة متكاملة تحت الأرض، لجأ إليها سكان فاليتا خلال الغارات الجوية.
أُعيد افتتاح الموقع عام 2022، وأصبح يتيح للزوار التجول في «شوارعه» والتعرف إلى الأماكن التي عاش فيها السكان فترات طويلة خلال الحرب العالمية الثانية. إنه عالم مظلم ورطب، كان سكانه يحصلون فيه على المياه الجارية، لكنهم نادراً ما كانوا يتمتعون بالكهرباء.
انتبهوا إلى التفاصيل اللافتة التي تكشف كيف زيّن السكان «منازلهم» ببلاط استُخرج من البيوت المجاورة التي دمرتها القنابل، فضلاً عن خزان المياه الضخم الذي يعود إلى العصور الوسطى.
الساعة 11:15 صباحاً: استراحة لتناول القهوة
توجّهوا إلى أحد المقاهي الصغيرة للاستمتاع بفنجان قهوة مُحضّر باحترافية. وإذا كنتم تبحثون عن الانتعاش في الأجواء الدافئة، فاختاروا القهوة المثلجة.

الساعة 1:00 بعد الظهر: رحلة بحرية إلى المدن الثلاث
استقلّوا العبّارة التي تعبر الميناء الكبير في رحلة تستغرق نحو عشر دقائق، لتصلوا إلى المدن الثلاث، وهي فيتوريوزا وسينغليا وكوسبيكوا. وتضم هذه المناطق، التي تشبه الأحياء التاريخية أكثر من كونها مدناً منفصلة، الكثير من المعالم التي تستحق الاستكشاف، من المتاحف إلى القصور.
يستحق التوقف عند المتحف البحري في فيتوريوزا نظراً إلى الارتباط الوثيق بين الأرخبيل المالطي والبحر. يضم المتحف معرضاً صغيراً يستعرض هذه الرحلة التاريخية، ويمنح الزوار لمحة عن مجموعة القطع الأثرية. ويمكنكم شراء تذكرة مشتركة تتيح لكم أيضاً زيارة حصن سانت أنجيلو، الذي يتمتع بتاريخ حافل وجذور تعود إلى القرن الثالث عشر.
وللتعرف إلى المدن الثلاث بطريقة مختلفة، استأجروا عربة كهربائية صغيرة وانطلقوا في جولة ذاتية القيادة.
تجمع هذه التجربة بين المتعة والتفاعل والطابع غير التقليدي؛ إذ ستتنقلون بين المباني ذات النوافذ الملونة والمصاريع الزاهية، وتمرون تحت الشرفات المثقلة بالنباتات، وتكتشفون الساحات المخفية، وصولاً إلى حدائق غاردجولا الواقعة فوق أسوار التحصينات، إلى جانب معالم أخرى.
الساعة 7:00 مساءً: عشاء شهي
ادخلوا إلى السوق القديم في المدينة، إيس سوق تال بيلت، الذي يتميز بعناصره الحديدية المشغولة، لاكتشاف مساحة عصرية تضم مجموعة متنوعة من منافذ الطعام، يصل عددها إلى 15 منفذاً على الأقل. تقدم هذه الوجهة خيارات ترضي مختلف الأذواق، بدءاً من المعكرونة المحضّرة طازجة والبرغر، وصولاً إلى أطباق البوكي الشهية، ما يجعلها مكاناً مناسباً لاختيار العشاء وفقاً لما تشتهونه.
