تشهد مصر جدلًا متزايدًا وانتقادات بشأن إزالة الأشجار القديمة من عدة مناطق، وسط دعوات لوقف هذه الإجراءات ودراسة نقل الأشجار بدلاً من إزالتها. وقد أدت هذه القضية إلى تحركات برلمانية وانتقادات حادة من نشطاء وصحفيين يرون أن فقدان الأشجار يؤثر سلبًا على الحياة والبيئة بتفاقم آثار الحرارة والتلوث. كما طرحت أسئلة حول مصير الأخشاب الناتجة عن عمليات القطع وضرورة وجود مزيد من الشفافية حول هذه الأمور.
بينما يشير المنتقدون إلى أن هذه الأعمال تؤدي إلى تقليص المساحات الخضراء وزيادة الحرارة، تؤكد الحكومة أنها تنفذ في الوقت نفسه خططًا للتشجير وزيادة المساحات الخضراء ضمن مبادرة “100 مليون شجرة”. وقد وصف المنتقدون إزالة الأشجار القديمة في بعض المناطق المصرية بأنها “مذابح للأشجار”، في إشارة إلى العدد الكبير من الأشجار التي تم قطعها في مشروعات تطوير الطرق والتوسعات العمرانية.
انتقادات شعبية ومنشورات على مواقع التواصل
سلطت المنشورات على منصة “إكس” الضوء على عمليات إزالة الأشجار في مناطق متفرقة. حيث نشرت شبكة “رصد” في أغسطس/آب 2026 تعليقًا تحدثت فيه عن رصد أهالي الدقي والعجوزة في محافظة الجيزة “عملية قطع ممنهجة للأشجار القديمة” في عدة شوارع رئيسية، متسائلين عن دوافع تلك الحملة.
كما أثارت القضية تفاعلًا واسعًا بين الكتّاب والصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين اعتبر العديد منهم أن الأشجار تعد عنصرًا أساسيًا في تحسين جودة الحياة وتخفيف آثار الحرارة داخل المدن.
مخاوف بيئية وبرلمانية
دخل مجلس النواب في الجدل من خلال تحركات برلمانية متعددة. ففي يوم الأحد السادس من سبتمبر/أيلول 2026، قامت النائبة مها عبد الناصر، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بتقديم سؤال برلماني حول استمرار قطع الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في عدد من المناطق.
وأوضحت عبد الناصر أن بعض الأشجار التي أزيلت في شارع جامعة الدول العربية بالجيزة كان عمرها يتجاوز 50 عامًا، مشيرة إلى أن الأشجار القديمة تشكل جزءًا من الهوية البصرية والتاريخية للمناطق المعنية. كما تساءلت عن سبب عدم دراسة إمكانية نقل الأشجار قبل اللجوء لعملية قطعها.
وفي اليوم الاثنين السابع من سبتمبر/أيلول 2026، قدم النائب محمد عبد الحفيظ، عضو لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، سؤالًا برلمانيًا للحكومة حول أسباب استمرار ما وصفه بـ”القطع الجائر” للأشجار، مطالبًا بالكشف عن الدراسات البيئية التي سبقت تنفيذ مشروعات التطوير وتوسيع الطرق.
أصوات تحذر من آثار إزالة الأشجار
في مقال نشرته صحيفة “الأهرام” بتاريخ اليوم الاثنين السابع من سبتمبر/أيلول 2026، اعتبر الكاتب فوزي عبد الحليم أن مشاهد إزالة الأشجار في شارع جامعة الدول العربية كانت محزنة، مشيراً إلى أن نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر يبلغ نحو 1.2 متر مربع وفق بيانات وزارة البيئة، وهو ما يعد أقل بكثير من المعدلات العالمية.
ورأى الكاتب أن الأشجار لا تمثل مجرد عنصر جمالي، بل تسهم بشكل كبير في إنتاج الأكسجين وتخفيف الحرارة وتحسين البيئة الحضرية، داعيًا إلى تفعيل القوانين الخاصة بحماية الأشجار والمساحات الخضراء.
كما كتب الباحث والكاتب سامح عسكر على منصة “إكس” أن ظاهرة قطع الأشجار كانت “من أكبر أخطاء العصر”، مؤكدًا أن الأشجار تؤثر بشكل مباشر على جودة الهواء ودرجات الحرارة والبيئة المعيشية للمواطنين.
تساؤلات بشأن مصير الأخشاب
وعلى الجانب الآخر، أثارت الصحفية رانيا بدوي تساؤلات حول مصير الأخشاب الناتجة عن عمليات قطع الأشجار. وفي منشور لها على منصة “إكس”، أشارت إلى بيانات التجارة الدولية الخاصة بصادرات الفحم الخشبي المصري بين عامي 2022 و2024.
وفي الوقت نفسه، أكدت بدوي أن هذه البيانات لا تثبت أن الأشجار التي تم قطعها من شوارع القاهرة أو الجيزة قد تحولت إلى فحم تم تصديره، لكنها طالبت بضرورة توضيح الجهات المختصة لمصير الأخشاب الناتجة عن عمليات القطع وآليات التصرف فيها.
الحكومة تؤكد التوسع في التشجير
في المقابل، أكدت الجهات الحكومية على الأهمية المتزايدة لزيادة المساحات الخضراء. وفق بيان لمجلس الوزراء المصري بتاريخ 23 يوليو/تموز 2024، كلف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بتشجير المحاور المرورية في القاهرة الكبرى وعواصم المحافظات ضمن المبادرة الرئاسية “100 مليون شجرة”.
ذكرت وزيرة البيئة ياسمين فؤاد خلال الاجتماع أن عدد الأشجار المزروعة ضمن المبادرة منذ عام 2022 وحتى 2024 وصلت إلى 12.4 مليون شجرة. كما أكدت وزارة البيئة، بحسب تصريحات نقلتها صحيفة “الشرق الأوسط” في يونيو/تموز 2024، استمرار تنفيذ مبادرة “100 مليون شجرة”، التي تستهدف زراعة 100 مليون شجرة خلال سبع سنوات.
دعوات للتوازن بين التطوير والبيئة
يعتبر منتقدو إزالة الأشجار أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الأشجار المعمرة خلال تنفيذ مشروعات الطرق والتطوير العمراني، مع دراسة بدائل مثل نقل الأشجار بدلاً من قطعها. وفي المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أن هناك خططًا مستمرة للتنمية والتشجير، وأن الدولة تستهدف زيادة الرقعة الخضراء وتحسين جودة الحياة.
بين هذه المواقف المختلفة، تتواصل المطالب بضرورة وجود مزيد من الشفافية حول أسباب قطع الأشجار وأعدادها ومصير الأخشاب الناتجة عنها، بهدف تحقيق توازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على البيئة.
تحرير: طارق أنكاي
