
خاص – شبكة قُدس: من شرفة منزله في قُصرة جنوب نابلس، يستطيع أبو إسماعيل فرح أن يرى أرضًا كانت يومًا جزءًا من موسم الزيتون الذي يعتمد عليه. الأرض التي كانت تمتد أمامه وتعود عليه بمحصول وفير، أصبحت اليوم في الجهة الأخرى من المشهد؛ أراضٍ صودرت، وأخرى طالها التجريف، فيما يرى المستوطنين يتحركون فيها بينما لا يستطيع هو الوصول إليها.
يستعيد أبو إسماعيل مواسم كان فيها الزيتون مصدر رزق حقيقي لعائلته. كانت أراضيه موزعة بين قُصرة وجالود وطريق فصايل ومناطق أخرى، وكان الموسم الجيد يخرج منه نحو 100 تنكة من الزيت، أما اليوم، فيقول إن ما تبقى من الأراضي التي يستطيع الوصول إليها بالكاد يعطي نحو 20 تنكة.
يقول أبو إسماعيل إن المساحات لم تختفِ دفعة واحدة، بل أخذت تتراجع مع توسع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي، حتى صار جزء من أرضه التي كان يزرعها ويقطف ثمارها بعيدًا عنه، رغم أنه يستطيع رؤيتها من منزله.
“كنت أرى الموسم أمامي وأعرف كم ستعطيني الأرض، أما اليوم فأرى أرضي من بعيد ولا أستطيع الوصول إليها”، يقول أبو إسماعيل، واصفًا التحول الذي أصاب موسم الزيتون في قُصرة.
ومن قُصرة، تبدو حكاية الزيتون أكبر من محصول يتراجع. ففي مناطق أخرى من الضفة، لا ينتظر المزارعون حتى موعد القطاف لمعرفة ما إذا كانت أشجارهم ستبقى.
في جنين، كان أحمد يستعد للموسم، لكن الطريق إلى الأرض لم يعد كما عرفه؛ بوابات حديدية جديدة ظهرت عند مداخل قرى وبلدات ومفترقات في المحافظة، بينها قباطية والجلمة وعرانة ودير أبو ضعيف وأم التوت. أما الأرض القريبة من حداد وقباطية، فدخلت ضمن أوامر عسكرية تستهدف إزالة النباتات واقتلاع أشجار الزيتون من أكثر من 300 دونم.
يقول أحمد إن المزارع لا يحتاج إلى الكثير كي يعرف أن الموسم تغيّر؛ يكفي أن ينظر إلى الطريق الذي كان يسلكه كل عام، ثم يبحث عن الطريقة التي سيتمكن بها من الوصول إلى أرضه وقطف محصوله.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استهدفت الأوامر العسكرية في جنين وقباطية نحو 307 دونمات، ونصت على إزالة الغطاء النباتي واقتلاع أشجار الزيتون.
ثم يصل المشهد إلى رام الله؛ في دير نظام، وجد ناصر التميمي أشجارًا يعرفها منذ سنوات أمام الجرافات قبل أن يحين موعد قطافها. لم تقتصر الخسارة على الأشجار التي اقتُلعت؛ فقد مُنع أصحاب الأراضي من الوصول إلى أجزاء منها، بينما استهدفت أوامر عسكرية جديدة مساحات أخرى من القرية.
وفي بيت ريما، تحولت المخاوف إلى واقع على الأرض؛ أكثر من 400 شجرة زيتون اقتُلعت وجُرّف نحو 31 دونمًا.
وتوثق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إصدار 51 أمرًا منذ بداية العام لإزالة الأشجار والغطاء النباتي، استهدفت نحو 2093 دونمًا، في مؤشر على اتساع نطاق استهداف الأراضي الزراعية والأشجار.
ومع اقتراب موسم القطاف، ظهرت قضية أخرى قد تحدد من يستطيع الوصول إلى شجرته. فقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن منع الفلسطينيين من قطف الزيتون في الأراضي التي تصنفها سلطات الاحتلال «أراضي دولة»، مع ربط دخول الأراضي الخاصة بالقطاف بالحصول على تنسيق مسبق.
لكن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان قالت إنها لم تجد في المواقع الرسمية الإسرائيلية تعليمات منشورة تثبت بصورة رسمية هذا التغيير في سياسة القطف، ما يجعل التمييز ضروريًا بين ما ورد في التقارير الإعلامية وما صدر رسميًا.
وفي المقابل، تستعد وزارة الزراعة الفلسطينية للموسم، الذي يبدأ تدريجيًا خلال الخريف، وتعمل الجهات الرسمية على مساندة المزارعين وتنظيم الوصول إلى الأراضي التي تواجه قيودًا خاصة.
من شرفة أبو إسماعيل في قُصرة، إلى طريق أحمد في جنين، ثم أرض ناصر التميمي في دير نظام، تتغير التفاصيل، لكن موسم الزيتون يحمل السؤال نفسه.
هناك من بقيت أشجاره لكنه يخشى الطريق إليها، ومن اقتُلعت أشجاره قبل القطاف، ومن يرى أرضه المصادرة كل صباح ولا يستطيع الوصول إليها.
ومع ذلك، تستعد العائلات للموسم، فحين يحين موعد الزيتون، لا تُقاس الحكاية فقط بعدد التنكات التي تخرج من المعصرة، بل بعدد الأشجار التي بقيت، وبالمسافة التي يستطيع صاحب الأرض أن يقطعها ليصل إليها.
