
متابعة إخبارية: أثار قرار وزارتي المالية والتربية والتعليم العالي في رام الله، القاضي بإتاحة تسديد الأقساط والرسوم الجامعية لأبناء الموظفين العموميين من مستحقاتهم المالية المتراكمة، موجة من الاعتراضات، حيث وصفته جهات سياسية وحقوقية وشخصيات عامة بأنه “تمييز” ضد موظفي قطاع غزة.
وحسب البيانات والمواقف الصادرة، فإن الاستفادة من هذا الترتيب متاحة لموظفي السلطة المدنيين والعسكريين والمتقاعدين في المحافظات الشمالية، بينما تم استثناء موظفي ومتقاعدي السلطة في قطاع غزة، مما أثار انتقادات حادة ودعوات للتراجع عن القرار وطلب توضيح أساسه القانوني.
تأتي هذه الانتقادات في وقت يواجه فيه قطاع غزة ظروفًا كارثية نتيجة الصراع والأعمال العدائية، وما نتج عنها من نزوح وفقر وتدهور في الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، حيث يعاني موظفو السلطة في القطاع منذ سنوات من أوضاع مالية ووظيفية صعبة تتضمن تراكم مستحقاتهم وحرمانهم من العديد من الحقوق الوظيفية.
اعتراضات سياسية وحقوقية
رأت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن استثناء موظفي غزة من الاستفادة من مستحقاتهم يعد “تمييزًا واضحًا” بين الموظفين في الضفة وغزة، مؤكدة أن الحقوق غير قابلة للتجزئة ولا يصح التعامل معها بمعايير مزدوجة.
وأوضحت الجبهة أن موظفي غزة يواجهون بالفعل حرمانًا من حقوق وظيفية، بما في ذلك الترقيات وفرص العمل، معتبرةً أن الظروف الاستثنائية التي يعاني منها القطاع تتطلب تعزيز صمود الموظفين وأسرهم، وعدم فرض مزيد من القيود عليهم.
ودعت قيادة السلطة ووزارة المالية إلى التراجع عن هذا القرار ومراجعة الإجراءات التي تؤثر على حقوق موظفي غزة، وتمكينهم من الاستفادة من مستحقاتهم المتراكمة كما هو الحال بالنسبة لموظفي الضفة، مشددة على أن “غزة ليست خارج الوطن، وموظفوها ليسوا مواطنين من درجة ثانية”.
من جانبها، اعتبرت الهيئة الوطنية للمتقاعدين العسكريين في المحافظات الجنوبية أن القرار يميز بين أبناء السلطة الواحدة، وطالبت بإلغائه وتمكين موظفي ومتقاعدي غزة من تسديد الرسوم الجامعية لأبنائهم من مستحقاتهم المحتجزة.
وقد حمّلت الهيئة حكومة محمد مصطفى مسؤولية استمرار سياسة التمييز، معتبرة أن عدم قدرة الحكومة على ضمان المساواة بين موظفي ومتقاعدي السلطة في الضفة وغزة من شأنه أن يفقدها أحد أسس شرعيتها السياسية والأخلاقية، وطالبت باستقالة الحكومة إذا استمر هذا النهج.
“مساواة”: أين السند القانوني لاستثناء غزة؟
طالب المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء “مساواة” وزارة التربية والتعليم العالي بتوضيح مدى شمول موظفي المحافظات الجنوبية بالترتيب الخاص بتسديد الأقساط الجامعية من المستحقات المالية، وضمان عدم حرمانهم منه بصورة مباشرة أو من خلال ترتيبات إجرائية.
وأكد المركز أن المستحقات المالية للموظف العام حق مالي يجب أن يكون الانتفاع به متاحًا regardless of the employee’s location. كما أشار إلى أنه لا يوجد نص قانوني صريح يقرر خلاف ذلك.
وأشار إلى أن القانون الأساسي المعدل ينص في مادته التاسعة على المساواة أمام القانون والقضاء وعدم التمييز بين الفلسطينيين، مما يعني أن أي اختلاف في المعاملة بين موظفي المحافظات الشمالية والجنوبية يتطلب “مبرر قانوني وموضوعي ومعلن”.
وتساءل المركز بصورة مباشرة: إذا كان موظف المحافظات الجنوبية لديه نفس الصفة الوظيفية ويمتلك مستحقات مالية لدى الخزينة العامة، فما الأساس القانوني لاستبعاده من الاستفادة من تسديد الأقساط الجامعية من تلك المستحقات؟
كما دعا إلى وضع آلية إجرائية بديلة تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية في قطاع غزة، بما يمنع تحول الإجراءات الإدارية إلى وسيلة حرمان الموظفين من حق يُفترض أن يكون متاحًا لهم.
انتقادات من شخصيات فتحاوية
توسعت الانتقادات وردود الأفعال عبر منصات التواصل، حيث اعتبر رمزي عطية مزهر أن موظفي القطاع العام في غزة يواجهون واقعًا من “التمييز والتهميش”، منتقدًا حرمان أبنائهم من الاستفادة من مستحقات آبائهم لتسديد الرسوم الجامعية في ظل ظروف الحرب والدمار وتخفيض الرواتب.
وأشار إلى أن خصومات القروض من رواتب الموظفين، بالإضافة إلى ظروف النزوح وانعدام مقومات الحياة، تزيد من أعباء الأسر في القطاع، معتبرًا أن حرمان أبنائهم من استكمال تعليمهم الجامعي يمثل ضربة إضافية لصمودهم.
بدوره، اعتبر رامي مصلح أن استثناء موظفي غزة، إذا ثبت بهذه الصورة، يمثل “تمييزًا واضحًا ومرفوضًا”، متسائلًا عن موقف قيادة حركة فتح في القطاع من القرار.
وانتقد مصلح ما وصفه بالتعامل مع غزة كـ “خزان انتخابي وجماهيري”، داعيًا إلى الدفاع عن حقوق سكان القطاع كمواطنين فلسطينيين كاملَي الحقوق، مؤكدًا أن غزة “تستحق العدالة، لا الاستثناء”.
كما وصف جمال عبيد موقف وزارتي التربية والتعليم والمالية بأنه تعبير عن “تمييز غير مبرر”، مؤكدًا أن مستحقات موظفي غزة هي حقوق متراكمة وليست امتيازًا، ودعا إلى تمكينهم من استخدامها في تسديد الرسوم الجامعية كما يُفعل مع موظفي المحافظات الشمالية.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد المصري أن عدم شمول موظفي غزة بالقرار “مرفوض” ويجب التراجع عنه، مطالبًا بتطبيقه على موظفي السلطة في جميع مناطق الوطن دون استثناء.
أشار محمد دياب إلى أن إصرار وزارتي التربية والتعليم والمالية على استثناء موظفي القطاع من الاستفادة من مستحقاتهم “لا يمكن تبريره أو قبوله”، معتبرًا أن مثل هذه الإجراءات تعمق الانقسام وتفاقم شعور المواطنين بالتمييز.
تضع هذه المواقف الحكومة أمام تساؤلات تتجاوز قيمة الأقساط الجامعية وتتناول معايير التعامل مع موظفي السلطة في الضفة وغزة، وحدود المساواة في الحقوق المالية والوظيفية بين شطري الوطن.
في وقت يُتحدث فيه عن التعافي المبكر في قطاع غزة والحفاظ على وحدة الجغرافيا والمؤسسات الفلسطينية، يرى معارضو القرار أن استثناء موظفي القطاع من الاستفادة من مستحقاتهم ينبئ برسالة مغايرة، ويعمق الفجوة بين الموظفين، ويحوّل الظروف الجغرافية التي فرضتها الحرب إلى عامل إضافي في حرمانهم من حقوقهم.
