
رام الله – تعرّض وفد دبلوماسي أوروبي لاعتداء نفّذه مستوطنون ملثمون قرب بلدة الطيبة شرق رام الله، في الضفة الغربية المحتلة، في حادثة أثارت إدانات فلسطينية وانتقادات دولية، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب والصحفيين خلال موسم قطف الزيتون.
وأظهر مقطع فيديو متداول مستوطنين ملثمين يحملون العصي والحجارة، وهم يهددون أشخاصًا داخل مركبات، قبل تحطيم نافذة إحدى المركبات الدبلوماسية.
وذكرت إذاعة جيش الاحتلال أن سبعة مستوطنين وصلوا إلى المكان بمركبات مخصصة للسير في الطرق الوعرة، وحاصروا مركبة دبلوماسية وطالبوا الموجودين فيها بإبراز هوياتهم، قبل تحطيم نافذة مركبة تابعة للقنصلية البلجيكية.
الخارجية الفلسطينية: إرهاب استيطاني منظّم
وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية الاعتداء، معتبرةً أنه دليل إضافي على الإرهاب الاستيطاني المنظّم، الذي يستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، إلى جانب المتضامنين الدوليين والدبلوماسيين والصحفيين ورجال الدين.
وأوضحت الوزارة أن الوفد كان يضم القنصلين العامين الفرنسي والبلجيكي، وممثلًا عن بولندا، ودبلوماسيين آخرين، إلى جانب ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية. كما أشارت إلى الاعتداء على رئيس بلدية فرنسي وإلحاق أضرار بمركبة بلجيكية.
وحملت الوزارة حكومة الاحتلال المسؤولية عن تصاعد اعتداءات المستوطنين، في ظل توفير الحماية لهم وإفلاتهم من العقاب، داعيةً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية الدبلوماسيين والمدنيين والصحفيين والمتضامنين الدوليين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
كما أشادت بالمواقف البلجيكية الرافضة للاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير القسري، وبالدعوات الأوروبية إلى فرض عقوبات على منفذي الاعتداءات والجهات الداعمة لهم.
من جهته، أدان نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ الاعتداء على الوفد الدبلوماسي، داعيًا إلى اتخاذ موقف دولي حازم وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني.
ثلاث ساعات دون استجابة
وفي تفاصيل الاعتداء، ذكرت إذاعة جيش الاحتلال أن أحد أعضاء الوفد أرسل موقع الحادث والأدلة إلى غرفة عمليات اللواء العسكري بعد نحو دقيقتين من بدء الهجوم، إلا أن القوات والشرطة لم تصل إلى المكان خلال الساعات الثلاث التالية، وفقًا لما أوردته الإذاعة.
وأضافت أن الدبلوماسيين غادروا الموقع بعدما اعتقدوا أن أحدًا لن يأتي لمساعدتهم، فيما لم تصل القوات لجمع الأدلة أو الاستماع إلى إفاداتهم خلال تلك الفترة.
وقال جيش الاحتلال إن زيارة الوفد القنصلي لم تُنسّق مسبقًا معه، مشيرًا إلى أن التحقيق الأولي أظهر عدم وجود قوات في الموقع لحظة الاعتداء، ومؤكدًا أن الحادث سيخضع للتحقيق.
وأوضح أن البلاغ أُرسل إلى حساب عمليات اللواء المخصص للتقارير الأمنية الواردة من الجهات المخوّلة، وليس إلى قناة مخصّصة لاستقبال شكاوى المدنيين، لافتًا إلى أن غرفة العمليات تتلقى يوميًا عشرات التقارير العملياتية.
بدورها، أعلنت شرطة الاحتلال فتح تحقيق في الاعتداء على المركبات الدبلوماسية الأوروبية، وقالت إنها تعمل على جمع الأدلة وتحديد هوية المتورطين تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
انتقادات أمريكية وفرنسية لعنف المستوطنين
وتزامن الاعتداء مع تصاعد الانتقادات الأمريكية والفرنسية لاعتداءات المستوطنين المتواصلة في الضفة الغربية المحتلة، وسط تزايد استهداف الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب والصحفيين، وصولًا إلى الوفود الدبلوماسية، بالتزامن مع موسم قطف الزيتون.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فجر الأحد، أن واشنطن طالبت دولة الاحتلال باتخاذ إجراءات صارمة ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وفي السياق، أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأنها وثّقت، السبت، 40 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون بحق المزارعين والأراضي والمحاصيل والمساندين لموسم قطف الزيتون.
عيسى صوف لالاعتداء ليس حادثًا عابرًا
وقال المحلل السياسي عيسى صوف لشبكة إن اعتداء المستوطنين على البعثات الدبلوماسية لم يكن صدفة أو حادثًا اعتباطيًا نفذته مجموعة من المستوطنين، بل يأتي ضمن سياق استهداف كل ما هو فلسطيني، في ظل تعبئة دينية وقومية مدعومة بفتاوى حاخامية تبيح، وفق قوله، الاستيلاء على ممتلكات غير اليهود، بما يشمل الأراضي والمنازل والمزارع والحيوانات والينابيع وغيرها.
وأضاف صوف لشبكة أن الاعتداء بقي موضع تحليل واجتهاد إلى حين صدور بيان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن الحادثة، معتبرًا أن البيان خلا من الاعتذار أو الاعتراف بالمسؤولية، بل ذهب إلى تشتيت الانتباه والتشكيك في الأدلة التي تثبت تورط المستوطنين.
وأوضح صوف أن نتنياهو قال إن وجوه المعتدين لم تكن واضحة، وإن ما ظهر في المشاهد لا يتجاوز مركبة دبلوماسية وشخصًا يستند إليها، مضيفًا أن نتنياهو حمّل الضحايا مسؤولية وجودهم في المكان دون تنسيق مسبق مع جيش الاحتلال.
وأشار صوف لشبكة إلى أن هذا الموقف يحمل رسالة إلى الدبلوماسيين الراغبين في التحرك داخل الضفة الغربية المحتلة، مفادها ضرورة التنسيق مع جيش الاحتلال للحفاظ على سلامتهم.
وقال إن هذه الرسالة تعكس، وفق قراءته السياسية، واقع السيطرة الفعلية للاحتلال على الأراضي الفلسطينية، بحيث يصبح جيش الاحتلال صاحب الولاية والوصاية على الأرض، في ظل فرض سلطته وقوانينه على الأراضي المحتلة.
وأضاف صوف لشبكة أن تداعيات الاعتداء لن تتوقف عند حدود الحادثة، متوقعًا أن تترتب عليه مواقف سياسية أكثر حدة تجاه دولة الاحتلال خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى الدعوات الأوروبية لوقف توسيع المستوطنات وملاحقة المستوطنين المسؤولين عن الاعتداءات، معتبرًا أن الحادثة قد تزيد الضغوط السياسية على دولة الاحتلال في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الفلسطينيين والجهات الدولية.
اعتداءات متصاعدة خلال موسم الزيتون
ويأتي الاعتداء على الوفد الدبلوماسي في ظل تصاعد هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، بالتزامن مع موسم قطف الزيتون، الذي يشهد استهداف المزارعين وأراضيهم ومحاصيلهم، فضلًا عن الاعتداء على المتضامنين والصحفيين الذين يرافقونهم ويوثّقون الانتهاكات.
وتشير أرقام رسمية فلسطينية إلى وجود نحو 750 ألف مستوطن في الضفة الغربية، بما فيها الالمحتلة، موزعين على 194 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية.
ويعيد الاعتداء على الوفد الأوروبي تسليط الضوء على مخاطر تصاعد عنف المستوطنين، في وقت تتواصل فيه الإدانات الدولية والمطالبات بمحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات، وسط تساؤلات بشأن مدى استعداد دولة الاحتلال لاتخاذ إجراءات فعلية لوقفها.
