
تدخل الانتخابات الإسرائيلية مراحلها الأخيرة، فيما لا تزال الخريطة الحزبية عاجزة عن إنتاج أغلبية واضحة لأي من المعسكرين. وتتأرجح استطلاعات الرأي بين تقارب الكتل وتقدم محدود لهذا الطرف أو ذاك، من دون أن يظهر حتى الآن مسار ثابت نحو أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
لكن هذه الأرقام لا تحسم الانتخابات ولا تسمح بالتنبؤ بنتيجتها، بقدر ما تكشف طبيعة المعركة المقبلة: ليس السؤال فقط من سيحصل على مقاعد أكثر، بل من سيتمكن بعد الاقتراع من تحويل هذه المقاعد إلى ائتلاف حكومي.
وتتركز الحملة الانتخابية في جانب منها على مسؤولية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الإخفاق الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، وعلى مستقبل التمثيل العربي في الكنيست ودوره المحتمل في تشكيل الحكومة. وتحاول قوى المعارضة إبقاء قضية الإخفاق الأمني في مركز النقاش، بينما يركز نتنياهو على اعتماد خصومه المحتمل على الأحزاب العربية، محاولًا تقديم ذلك بوصفه جزءًا من المعركة على هوية الحكومة المقبلة.
غير أن خلف هذا السجال الانتخابي قضية أكبر تكاد تغيب عن مركز المنافسة: الحرب التي دخلت عامها الرابع، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
فالحرب لم تعد حدثًا منفصلًا عن الحياة السياسية الإسرائيلية، بل أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، مع استمرار التوتر على أكثر من جبهة. ومع ذلك، لا تبدو مسألة إنهاء الحرب مطروحة بوصفها عنوانًا انتخابيًا رئيسيًا، في ظل استمرار الخطاب الأمني والشعارات المرتبطة بمواصلة مواجهة حركة حماس والتهديدات الإقليمية.
ومن هذه الزاوية، لا يخوض نتنياهو الانتخابات فقط دفاعًا عن نفسه أمام مسؤولية الإخفاق في 7 أكتوبر، بل يسعى إلى إعادة تعريف السؤال السياسي نفسه. فبدل أن يبقى النقاش محصورًا في مسؤولية الماضي، يحاول تقديم السنوات الثلاث الماضية باعتبارها سنوات مواجهة أمنية مع إيران وحماس وحزب الله، وخبرة في إدارة تهديدات متعددة.
أي إن السؤال الذي يريد نتنياهو طرحه أمام الناخب الإسرائيلي هو: من يستطيع إدارة إسرائيل في مواجهة هذه التهديدات؟
وقد اكتسب هذا الخطاب حضورًا إضافيًا خلال الأيام الأخيرة، خصوصًا بعد تصريحات نتنياهو من قاعدة نوف الجوية بشأن مؤشرات على هجوم محتمل قبيل الانتخابات، بالتزامن مع الجدل الذي أثارته حادثة طائرة «فلاي دبي». وقد دخلت الحادثة سريعًا في السجال السياسي، وسط اتهامات من خصوم نتنياهو بمحاولة توظيفها لتعزيز صورته الأمنية.
وفي المقابل، تبقى الأسئلة المتعلقة بمسؤولية نتنياهو عن إخفاق 7 أكتوبر حاضرة، بما في ذلك رفضه الاستقالة وتحمل المسؤولية السياسية الكاملة، إضافة إلى موقفه من تشكيل لجنة تحقيق رسمية. وبينما غادر عدد من المسؤولين الأمنيين الذين تحملوا مسؤولية الإخفاق مواقعهم، بقي نتنياهو في منصبه، ويخوض الآن الانتخابات من موقع سياسي مختلف عن السنوات الأولى التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر.
الحرب والضفة خارج مركز المنافسة
لا تقتصر تداعيات الحرب على غزة. فالضفة الغربية بقيت جبهة أمنية وسياسية رئيسية في الحسابات الإسرائيلية، في ظل انتشار أعداد كبيرة من القوات الإسرائيلية، واستمرار العمليات العسكرية، إلى جانب حماية المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وهنا تظهر مفارقة أساسية في المشهد: فالسياسة الإسرائيلية في الضفة تجمع بين الحديث عن منع تصعيد أمني واسع وبين استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ويواصل نتنياهو هذه السياسة، فيما لا يعني وجوده في مواجهة مع قوى معارضة له أن الخلاف بينها وبينه يمتد بالضرورة إلى كل الملفات المتعلقة بالفلسطينيين. فغادي أيزنكوت، الذي وصف عنف الميليشيات اليهودية المتطرفة في الضفة بأنه «إرهاب إجرامي»، يعارض في الوقت نفسه إقامة دولة فلسطينية.
ويكشف ذلك أن الخلاف داخل المعسكر المنافس لنتنياهو لا يتعلق فقط بتغيير رئيس الحكومة، وإنما يمتد إلى حدود التغيير الممكن في السياسة تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية والاستيطان.
ومن هنا، فإن الحرب والاحتلال ليسا ملفين منفصلين عن الانتخابات، بل جزء من الأسئلة التي سيضطر أي ائتلاف مقبل إلى التعامل معها، حتى وإن لم يحتلا المساحة ذاتها في الخطاب الانتخابي.
المعارضة وسؤال ما بعد نتنياهو
تواجه المعارضة الإسرائيلية اختبارًا أكثر تعقيدًا من مجرد حشد الأصوات ضد نتنياهو. فقد أمضت جزءًا كبيرًا من حملتها في التركيز على مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وضرورة استبداله، وهي قضايا ستبقى حاضرة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الحكم.
وقد وقعت أحزاب غادي أيزنكوت، نفتالي بينيت، يائير غولان وأفيغدور ليبرمان اتفاقات فائض أصوات، في خطوة هدفت إلى تعظيم تمثيل القوى المعارضة لنتنياهو. لكن الاتفاقات الانتخابية لا تعني بالضرورة وجود برنامج سياسي موحد بينها.
فالخلافات لا تزال قائمة حول شكل الحكومة المقبلة ومن يقودها، والعلاقة مع الأحزاب العربية، والحرب في غزة، والسياسة تجاه الضفة الغربية والاستيطان، فضلًا عن قضايا الأمن والاقتصاد والتجنيد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان تغيير نتنياهو هو نقطة الاتفاق بين هذه القوى، فما الذي سيأتي بعده؟
كيف ستتعامل الحكومة المقبلة مع غزة؟ هل ستتجه إلى إنهاء الحرب أم ستواصل أهدافها بصيغ مختلفة؟ ماذا سيكون موقفها من إيران وحزب الله؟ وكيف ستتعامل مع الجيش بعد سنوات من الحرب والاستنزاف؟ وما سياستها تجاه الفلسطينيين والضفة الغربية والاستيطان؟
وفي الداخل الإسرائيلي، تنتظر الحكومة المقبلة ملفات أخرى لا تقل تعقيدًا، من تجنيد الحريديين إلى كلفة الحرب والاقتصاد وارتفاع كلفة المعيشة، وصولًا إلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة بعد سنوات من الصراع والاستقطاب.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل بشأن الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. كما أن استمرار الحرب يفرض كلفة اقتصادية واجتماعية وعسكرية تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة.
في هذا السياق، تبدو المعارضة عالقة جزئيًا داخل الأجندة التي فرضها نتنياهو: مسؤولية 7 أكتوبر، والأمن، ومن يستطيع إدارة الحرب ومواجهة التهديدات. لكن التحدي أمامها لا يتعلق فقط بإقناع الناخبين بضرورة استبدال رئيس الحكومة، بل بتقديم إجابات عن المرحلة التي ستبدأ بعد ذلك.
فشعار «حكومة تغيير» لا يكفي وحده لتحديد شكل المرحلة المقبلة. فالتغيير السياسي، إذا حدث، سيجد أمامه ملفات الحرب وغزة والضفة الغربية والاستيطان والعلاقة مع الفلسطينيين، إلى جانب أزمات داخلية تراكمت خلال سنوات.
وبذلك، لا يكشف تقارب استطلاعات الرأي فقط عن صعوبة حسم المعركة الانتخابية، بل يكشف أيضًا عن أزمة أوسع تتعلق بصورة المستقبل الإسرائيلي بعد ثلاثة أعوام من الحرب.
فالسؤال الذي سيبقى مفتوحًا حتى ما بعد صناديق الاقتراع ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟
بل: هل يعني تغيير الحكومة تغيير رئيسها فقط، أم تغيير السياسات التي أوصلت إسرائيل إلى هذا الواقع؟
