يرى أنتوني غوردون أنه لم يتغير على مستوى اللعب أو على المستوى الشخصي، فهو بالفعل في رحلة مستمرة نحو تطوير الذات، ويمتلك دوافع هائلة للوصول إلى مستويات جديدة.
ومع ذلك، فإن نظرة الناس إليه – وخاصة في المملكة المتحدة – بدأت تتغير بشكل متزايد، ولا يمكن هنا إغفال دور تجربته مع برشلونة في هذا التحول الكبير.
قدّم الجناح الشاب أداءً رائعاً مع المنتخب الإنجليزي في كأس العالم رغم بدايته المتعثرة، وتوّج مجهوده بإحرازه هدف التقدم في مباراة الدور نصف النهائي ضد الأرجنتين.
لكن تلك اللحظة كانت مقدمة لكابوس لاحق، إذ تم استبداله عندما قرّر المدير الفني توماس توخيل التحول إلى خط دفاع مكون من 5 لاعبين، ليتلقى المنتخب الإنجليزي هدفين ويخسر المباراة بنتيجة هدفين مقابل هدف وحيد، تاركاً وراءه شعوراً أبدياً بالحسرة.
وعندما يستعرض اللاعب، البالغ من العمر 25 عاماً، أحداث ذلك الصيف، يصفه بأنه «أفضل تجربة» في حياته لسبب وجيه، فقد كان له دور حاسم أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية في دور الـ32، حيث شارك بديلاً عندما كان فريقه متأخراً بهدف دون ردّ، وساهم في صناعة هدفي هاري كين اللذين قادا إنجلترا للفوز بهدفين مقابل هدف وحيد. كما قدّم غوردون أداءً رائعاً في المواجهة الملحمية بدور الـ16 ضد المكسيك على ملعب أزتيكا.
كانت جماهير إنجلترا قد ودّعت غوردون مؤقتاً لحظة خروجه من الملعب أمام الأرجنتين، لكن عودته للمشاركة في بداية مشوار دوري الأمم الأوروبية كشفت عن تطور لافت، إذ بات من الصعب تجاهل حقيقة أن غوردون – الذي انضم إلى برشلونة قادماً من نيوكاسل في صفقة بلغت قيمتها 69.3 مليون جنيه إسترليني أواخر شهر مايو (أيار) الماضي – قد ارتقى بمستواه إلى آفاق جديدة. فقد كان أفضل لاعب في صفوف إنجلترا خلال الفوز بهدفين دون ردّ على التشيك في براغ، كما قدّم أداءً مبهراً رغم الخسارة بـ3 أهداف مقابل هدفين أمام إسبانيا على ملعب ويمبلي.
لطالما اعتمد غوردون في لعبه على السرعة، والركض المتواصل، والقدرة العالية على الضغط على الخصم. وشهد يوم الأربعاء الماضي حواراً كاشفاً بينه وبين وسائل الإعلام في «سانت جورج بارك»، حيث تحدث عن ارتباطه الوثيق بأسلوب إيدي هاو في نيوكاسل، الذي يعتمد على الإيقاع السريع والركض المتواصل للقيام بالواجبات الدفاعية والهجومية على حد سواء.
كانت وجهة نظر غوردون تتمثل في أن الناس لم يروا منه سوى ذلك الأسلوب مع نيوكاسل، بينما تطلب منه وضعه الحالي في برشلونة – الفريق الذي يسيطر على الكرة بشكل أكبر – إظهار وعي تكتيكي أكبر، ونضج في الأداء، ودقة في التحركات، إذ أصبح الأمر يتمحور حول إيجاد المساحات المناسبة وزيادة التفاهم والترابط مع زملائه. هذه السمات كانت موجودة لديه دائماً، لكنها أصبحت الآن أكثر وضوحاً.
وقال غوردون: «أفتخر بامتلاكي ذكاءً كروياً عالياً وقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة. لذا، أعتقد أن الانتقال إلى فريق مثل برشلونة كان ملائماً جداً بالنسبة لي، وربما سلّط الضوء على نقاط قوة لم يكن الناس يدركون وجودها لديّ – أو ربما تغاضوا عنها – بسبب تركيزهم الدائم على سرعتي وقدرتي على الضغط العالي، فهذه هي الأمور الوحيدة التي يتحدث عنها الناس عادةً، رغم أن أسلوب لعبي يتضمن جوانب أخرى كثيرة».
وهناك أمر آخر لافت، ففي المباراتين ضد إسبانيا والتشيك، برزت قدرة غوردون على فرض حضوره وتأثيره في أوقات عانى فيها المنتخب الإنجليزي، إذ حدث ذلك في الدقائق الخمس والثلاثين الأولى أمام إسبانيا، وطوال الشوط الأول تقريباً أمام التشيك. لقد أظهر شخصية قوية ورغبة في لعب دور القائد، وهو ما يعكس الثقة التي اكتسبها بفضل بدايته المميزة مع برشلونة، حيث صنع 5 أهداف في 7 مشاركات، وإن لم يسجل أي هدف بنفسه. كما يعكس ذلك مكانته الجديدة، إذ بات بإمكانه القول إنه يشكل شراكة هجومية استثنائية إلى جانب لامين يامال ورافينيا.

وفي مباراة إنجلترا ضد إسبانيا، كان غوردون وجود بيلينغهام هما من قادا الهجمات المرتدة خلال تلك البداية الصعبة، حيث سجل غوردون هدف التعادل (1-1) من تمريرة حاسمة لبيلينغهام.
أما في مواجهة التشيك، فقد كان غوردون هو المحرك الذي يبحث عن الثغرات ويصنع الفرص ويسدد على المرمى، بل إنه منح إنجلترا التقدم بضربة رأسية في مطلع الشوط الثاني. وقد أنهى غوردون المباراة كأكثر اللاعبين صناعةً للفرص (4 فرص)، كما كان الأكثر لمساً للكرة داخل منطقة جزاء الخصم.
فهل هي محض صدفة أن أفضل 3 لاعبين إنجليز في الوقت الراهن يلعبون خارج الدوري الإنجليزي الممتاز؟ (هاري كين مع بايرن ميونيخ، وجود بيلينغهام مع ريال مدريد، وأنتوني غوردون مع برشلونة).
إن انتقال اللاعب الإنجليزي إلى الخارج، خصوصاً إلى نادٍ أوروبي عملاق، يعني الخروج من منطقة الراحة، إذ يواجه اللاعب لغة جديدة، وثقافة مختلفة، وأسلوباً كروياً مغايراً، وضغوطاً جديدة.
قد يكون كل ذلك عبئاً ثقيلاً، لكنه في المقابل قد يدفع اللاعبين نحو آفاق جديدة من التألق، وهو ما حدث بوضوح مع كين وبيلينغهام، بينما تبدو المؤشرات الأولية بالنسبة لغوردون واعدة للغاية.
من المفيد العودة إلى نقطة التحول في مسيرة غوردون خلال كأس العالم، وتحديداً في مباراة إنجلترا ضد جمهورية الكونغو الديمقراطية. لم يلمس الكرة كثيراً في مباراة إنجلترا الافتتاحية في دور المجموعات ضد كرواتيا، وقدم أداءً متواضعاً في المباراة التالية ضد غانا، ليتم استبعاده من التشكيلة الأساسية ضد بنما.
وعندما شارك بديلاً أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، كان كل ما يريده هو التعبير عن قدراته وإظهار إمكاناته، دون اللجوء إلى الحلول الآمنة أو الحذرة، إذ قال في نفسه: «لن أفعل ذلك، بل سأقوم بالأشياء التي أوصلتني إلى هنا (ساعدته على الانضمام إلى قائمة إنجلترا في كأس العالم في المقام الأول)».
من المؤكد أن تطبيق هذه المقولة على أرض الواقع أصعب من قولها، لكن غوردون يجسّدها تماماً. فعندما سُئل كين عما إذا كان مستوى غوردون قد تحسّن منذ كأس العالم، أجاب: «أعتقد ذلك. لقد ساعده الانتقال إلى برشلونة، فالانضمام إلى نادٍ كبير كهذا يمنحك مزيداً من الإيمان بالذات والثقة بالنفس. تشعر بأنك تنتمي إلى المستوى الأعلى، وقد انعكس ذلك على أدائه مع المنتخب الإنجليزي، إذ قدّم أداءً متميزاً أمام إسبانيا، وكان هو صانع الفارق في المباراة ضد التشيك».
* خدمة «الغارديان»
