أعلنت أوكرانيا، السبت، استعادة اتصالات «ستارشيلد» اللازمة لتشغيل مسيراتها، بعد أكثر من أسبوع من القيود التي أربكت عملياتها العسكرية وأثارت مواجهة سياسية في واشنطن. لكن انتهاء التعطيل لا يطوي أزمة الثقة التي خلّفها، بعدما كشف عن مدى ارتباط قدرات كييف الدفاعية بقرارات أميركية لا تملك السيطرة عليها، ودفعها إلى تسريع البحث عن بدائل أوروبية تمنحها استقلالاً أكبر.

وتزامن هذا الانفراج مع إعلان هدنة إنسانية محدودة في بلدة أوليشكي في إقليم خيرسون، بوساطة ميلانيا ترمب، والتحضير لاستئناف المفاوضات الثلاثية في نوفمبر (تشرين الثاني).
غير أن التطورات السياسية لم تعكس تهدئة عامة؛ إذ استمرت الضربات المتبادلة والمعارك، فيما بقيت الأسئلة مفتوحة بشأن المسؤول عن القيود على الاتصالات والضمانات التي تحول دون تكرارها.
ورغم ذلك قال مسؤول أميركي، الجمعة، إن الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية بين وفود الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا قد تعقد في غضون أسبوعين في أبوظبي أو سويسرا. وأضاف المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته، أن الهدف هو التوصل في نهاية المطاف إلى عقد اجتماع على مستوى القادة، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين إنجازه قبل أن يحدث ذلك.
عودة بلا ضمانات
ونقلت وكالات أنباء عدة، قول وزير الدفاع الأوكراني يفغيني خمارا إن أنظمة المراقبة سجلت اتصالاً مستقراً عند سرعات تتجاوز 400 كيلومتر في الساعة، في إشارة إلى سرعة حركة المسيرات المزودة بالخدمة، وليس سرعة نقل البيانات. ويستخدم نظام «ستارشيلد» المخصص للاحتياجات الحكومية والعسكرية، البنية الفضائية لشبكة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس» المملوكة لإيلون ماسك.
ويأتي الإعلان بعد يوم واحد من تأكيد الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين عسكريين استمرار القيود، رغم إعلان الرئيس دونالد ترمب أن ماسك أعاد الخدمة. وكانت الاختبارات الأولية قد أظهرت تحسناً متفاوتاً قبل أن تكشف التجربة الميدانية عن استمرار انقطاع الاتصال عند تجاوز سرعة 160 كيلومتراً في الساعة.
وقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام للرئيس الأميركي إن أوكرانيا يجب أن تتمكن من «الوصول بشكل كامل» إلى خدمة «ستارلينك» للدفاع عن نفسها ضد روسيا. وأثار رئيس الوزراء المسألة بشكل مباشر مع ترمب في مكالمة هاتفية، الجمعة، وسط تدهور العلاقات بين البيت الأبيض وحكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد بدأت القيود في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فتسببت بفقدان صور الفيديو والسيطرة على مسيرات في أثناء تنفيذ مهماتها. وتضررت خصوصاً الضربات المتوسطة المدى ضد الإمدادات الروسية داخل الأراضي الأوكرانية المحتلة، وكذلك استخدام المسيرات الاعتراضية لملاحقة الطائرات الروسية الأسرع.
لذلك، تتجاوز أهمية استعادة الخدمة إصلاح خلل تقني؛ لأنها تعيد أداة تساعد كييف على تعطيل التحركات الروسية وحماية المدن. لكن المسؤولية عن تعطيلها بقيت موضع روايات متناقضة؛ فالصحيفة نسبت القرار إلى ماسك، بينما أحال الأخير سلطة تحديد القيود إلى الجيش الأميركي والرئيس، الذي نفى إصدار الأمر. ولا تكفي عودة الاتصال وحدها لحسم هذه الروايات أو إثبات وجود ضمانة بعدم تكرار التعطيل.

البحث عن استقلال
دفعت الأزمة أوكرانيا إلى التعامل مع تنويع اتصالاتها كضرورة دفاعية. ووفق هيئة الإذاعة الفنلندية «يله»، وقَّعت وزارة الدفاع الأوكرانية، الخميس، خطاب نيات للتعاون مع شركتي «آيس آي» و«نوكيا» لتطوير الاتصالات الفضائية، خلال زيارة رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوروبو كييف. وترتكز أهمية المشروع على السعي إلى منظومة آمنة تملك أوكرانيا سيطرة أكبر عليها. وقالت الشركة الفنلندية إن كييف تحتاج إلى اتصالات مستقلة وقوية، فيما ربط زيلينسكي الاتفاق بقدرة البلاد على الدفاع والصمود. لكن خطاب النيات يفتح مساراً للتطوير، ولا يعني أن بديلاً جاهزاً بات متاحاً للقوات الأوكرانية.
وتملك أوروبا بالفعل خيارات، بينها شبكة «يوتلسات وان ويب». لكن توسيع استخدامها يصطدم بفوارق السعة والكلفة وتوافر الأجهزة مقارنة بـ«ستارلينك». كما أن بناء منظومة بديلة يتطلب وقتاً واستثمارات وتكييفاً للمعدات المستخدمة ميدانياً. ولذلك يبدو تقليل الاعتماد على مزود واحد هدفاً أقرب من الاستغناء الكامل عنه. وهنا تكمن الدلالة الأوسع للأزمة، فامتلاك المسيرات وإنتاجها محلياً لا يضمنان استقلال استخدامها إذا ظل اتصالها خاضعاً لقرار خارجي. وقد تكون استعادة الخدمة قد خففت الضغط العاجل، لكنها عززت الحافز الأوكراني والأوروبي لبناء بدائل، بعدما اتضح أن تغييراً في شروط التشغيل يستطيع التأثير سريعاً في التوازن العسكري.

ضغط التعيينات
في واشنطن، انتقل الاعتراض على القيود إلى التهديد باستخدام أدوات إجرائية ضد إدارة ترمب. ونقلت «نيويورك تايمز» عن ثلاثة مطلعين أن أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في مجلس الشيوخ أبلغوا مسؤولين كباراً في البيت الأبيض أنهم سيعرقلون إقرار مرشحي ترمب للمناصب إلى أن تُضمن استعادة قدرات الاتصالات لأوكرانيا.
ويتعلق التهديد بجلسات الكونغرس التي ستعقد بعد الانتخابات النصفية، حين يتوقع أن يسعى الجمهوريون إلى إقرار عشرات الترشيحات قبل انتهاء ولاية الكونغرس الحالي. وليس التحرك مشروطاً بخسارتهم الانتخابات، وإن كانت خسارة الأغلبية ستزيد أهمية تلك الفترة لتمرير التعيينات.

إلى ذلك، ذكرت «واشنطن بوست» أن السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال فتح تحقيقاً بشأن صلاحيات فرض القيود، وطالب مشرعون بقيادة الديمقراطي مارك كيلي والجمهوري توم تيليس بتوسيع العقد الخاص بأوكرانيا لضمان استمرار الخدمة والسماح باستخدامها ضد أهداف مشروعة داخل روسيا. وتمنح عودة الاتصال الإدارة حجة لاحتواء المواجهة، لكنها لا تجيب عن مطالب تحديد المسؤولية. ومع ذلك، تظل قدرة الكونغرس على تغيير سياسة ترمب الأوسع محدودة؛ فتعطيل الترشيحات وسيلة ضغط ملموسة، لكنه لا يساوي امتلاك قرار المساعدات أو المفاوضات، والأرجح أن الاختبار التالي سيكون ضمان استمرارية الخدمة، لا الاكتفاء بالإعلان عن استعادتها.
هدنة تحت الاختبار
على المسار الإنساني، أعلنت كييف وموسكو موافقتهما على وساطة ميلانيا ترمب، لوقف العمليات مؤقتاً في أوليشكي. وتقع البلدة الواقعة تحت السيطرة الروسية في منطقة خيرسون، حيث سيسمح بإدخال المساعدات وإجلاء المدنيين. ويعيش فيها نحو 1700 شخص، بينهم قرابة 50 طفلاً، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه، بحسب الأرقام الأممية التي نقلتها «واشنطن بوست».

وفيما أعلن البيت الأبيض أن موعد بدء الهدنة هو 29 أكتوبر، قال الجانبان الروسي والأوكراني إن ترتيبات وقف النار ستبدأ فجر الـ27 من أكتوبر تمهيداً للعملية الإنسانية. ومع ذلك، قال البيت الأبيض إن نجاح الاتفاق يبقى مرتبطاً بإزالة الألغام وتأمين الممرات وحماية السكان في أثناء خروجهم، لا بمجرد الإعلان السياسي.
ميدانياً، أفادت السلطات الأوكرانية، السبت، بمقتل شخص وإصابة اثنين بضربة صاروخية على لوزوفا بمنطقة خاركيف. وأعلنت كييف استهداف منشأة كيميائية في تولياتي ومصنع إلكترونيات في أوريول قالت إنهما يخدمان الإنتاج العسكري الروسي، وأقرت سلطات روسية بأضرار صناعية في تولياتي وبمقتل 3 أشخاص في أوريول، الجمعة، فيما أبلغت السلطات الموالية لموسكو عن انقطاعات كهربائية في القرم عقب هجمات أوكرانية، بحسب «أسوشييتد برس».
