
البداية: اقتلاع الضريح من قلب الجامعة
قامت قوات الاحتلال الصهيوني فجر اليوم باقتحام حَرم جامعة بيرزيت واقِتلاع ضريح الشُهداء من وسط الجامعة ومصادرته؛ ويأتي هذا الفعل بعد الاقتحام السابق لحَرم الجامعة حيث قاموا بتصوير الضريح وأخذ قياساته، إلا أن توقيت الفِعل الصهيوني اليوم بالخامس من تشرين الأول\2026 يأتي تزامناً مع بداية العام الدراسي الجديد واستقبال الطَلبة الجُدد للجامعة. ولا يُمكن عزل هذا الاقتلاع لإرث الجامعة عن حملة الاحتلال الصهيوني المُمنهجة لنُصب الشُهداء وأي أثر لتخليد ذِكراهم في مختلف المواقع والمناطق بالضفة الغربية منذ بداية الحملة العسكرية بالضفة الغربية عُقب بداية طوفان الأقصى وحرب الإبادة على قطاع غزة بالسابع من تشرين الأول\ 2023.
فقبل ضريح شُهداء جامعة بيرزيت استهدفت قوات الاحتلال الصهيوني خلال اقتحاماتها المتكررة لمدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية نُصباً وصروحاً تذكارية للشهداء، ودوارات ومعالم تحمل أسماءهم، إلى جانب مقابر وأضرحة ومواقع مرتبطة بذكراهم. وتوزعت الحالات الموثقة في كُل مِن: جنين وطولكرم ونابلس وطوباس وأريحا ورام الله والبيرة وبيت لحم والخليل.
– ما وراء الضريح: حملة ممنهجة ضد شواهد الشهداء
جنين ومخيم جنين
في مخيم جنين ومحيطه، استهدفت الجرافات النصب التذكاري للصحفية شيرين أبو عاقلة عند مدخل المخيم، وجرّفت الشارع الذي يحمل اسمها. وفي استهداف لاحق، طالت أعمال التجريف موقع استشهادها في حي الهدف، بما فيه المعالم التي خلدت ذكراها في الموقع. كما اقتلعت القوات من مدخل المخيم مجسم “حصان جنين”، المصنوع من بقايا مركبات وممتلكات دُمرت خلال اجتياح المخيم عام 2002، واستهدفت معالم أخرى عند مداخل المخيم وداخله، بينها دوار العودة ومجسم خريطة فلسطين، وأقواس العودة، وصروح ونُصب تذكارية لشهداء المخيم.
وفي مدينة جنين، طالت عمليات الهدم والتجريف دوار الأسير الشهيد كمال أبو وعر في حي الجابريات، ودوار الشهيد في حي البساتين، ودوار الشهداء في حي المراح. كما جرفت القوات نصب الشهداء ودوار الشهيد جميل العموري ودوار الشهيد الطبيب عبد الله أبو التين، وهدمت النصب التذكاري للشهيد زياد الزرعيني عند المدخل الجنوبي للمدينة في منطقة دوار على عصفور. وتعرض نصب الشهيد متين ضبايا في مخيم جنين لإطلاق النار ومحاولة التدمير.
ووصل الاستهداف إلى مقبرة الشهداء في مخيم جنين، حيث دمرت الجرافات أجزاءً من جدران المقبرة خلال عمليات التجريف داخل المخيم. وفي بلدات المحافظة، حطمت القوات في بلدة يعبد جنوب غرب جنين صرحاً تذكارياً يحمل أسماء الشهداء ضياء حمارشة وياسر حمدوني وداوود زبيدي وزياد العامر. وفي بلدة اليامون غرب جنين دمرت نصباً تذكارياً لأحد شهداء البلدة عند مدخلها. أما في قباطية جنوب جنين، فقد دمرت الجرافات دوار الشهداء عند مدخل البلدة، وهدمت جزءاً من جدران مقبرة شهداء الجيش العراقي وجرّفت أجزاءً منها؛ وهي المقبرة التي تضم رفات جنود وضباط عراقيين استشهدوا في معارك فلسطين عام 1948.
طولكرم ومخيما طولكرم ونور شمس
في مخيم طولكرم، هدمت الجرافات في منطقة مربعة حنون النصب التذكاري للشهيد حمزة خريوش والنصب التذكاري للشهيد سامر الشافعي، كما هدمت قوس ومفتاح العودة داخل المخيم. وفي شارع نابلس المحاذي لمخيم طولكرم، دمرت جرافة عسكرية صرح الرئيس الراحل ياسر عرفات. كما هدمت القوات نصب تذكار الشهداء في حارة النادي داخل المخيم.
وفي مخيم نور شمس شرق طولكرم، استهدفت الجرافات دوار الشهيد سيف أبو لبدة عند المدخل الغربي للمخيم، وجرّفت الدوار ومحيطه، قبل أن تتكرر عمليات التجريف والتدمير في المنطقة خلال اقتحامات لاحقة. كما طالت أعمال التجريف المناطق المحيطة بمقبرة المخيم.
وفي ضاحية ذنابة شرق مدينة طولكرم، دمرت الجرافات نصب الشهداء قرب المسجد القديم، وجرفت الطرق والمنطقة المحيطة بمقبرة الشهداء. كما تعرض صرح الشهداء وسط بلدة رامين شرق طولكرم للتحطيم خلال إحدى عمليات الاقتحام.
نابلس ومخيم بلاطة وقرى المحافظة
في مخيم بلاطة شرق مدينة نابلس، خربت القوات صرح الشهداء وسط المخيم خلال عمليات التجريف التي طالت الشوارع والأزقة والبنية التحتية. وفي منطقة المخفية بمدينة نابلس، حطمت القوات صرح الشهداء خلال اقتحام المنطقة. كما خربت القوات صرح الشهيد محمد أبو بكر في منطقة الجنيد غرب المدينة.
وفي قرية مادما جنوب نابلس، تعرض صرح الشهداء للاعتداء خلال اقتحام للقرية، ثم تعرض لاحقاً لاعتداء آخر على يد مستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، شمل تحطيم وهدم أجزاء واسعة منه. وفي بلدة برقة شمال غرب نابلس، خُرّب صرح الشهداء، وشمل الاعتداء قطع مجسم حنظلة الموجود فيه وكتابة شعارات فوق أسماء الشهداء.
طوباس
في بلدة طمون جنوب طوباس، طالت أعمال التجريف دوار الشهيد وسط البلدة وألحقت به دماراً. وفي بلدة عقابا شمال مدينة طوباس، هدمت القوات صرح الشهيد خالد الشاويش، ثم استهدفت في اقتحام لاحق صروحاً للشهداء خالد الشاويش وعبد الرؤوف راجح المصري وأحمد وليد أبو عرة، خلال عمليات الاقتحام والتجريف التي شهدتها البلدة.
أريحا
في مخيم عقبة جبر جنوب غرب مدينة أريحا، جرفت القوات صرح الشهداء الواقع وسط المخيم خلال اقتحام عسكري.
رام الله والبيرة
في بلدة عبوين شمال غرب رام الله، هدمت القوات النصب التذكاري للشهيد موفق مزاحم خلال اقتحام البلدة. وفي مدينة البيرة، هدمت الجرافات النصب التذكاري للشهيدين عماد عوض الله وعادل عوض الله. وفي مخيم الجلزون شمال مدينة رام الله، حطمت القوات صرح الشهداء وسط المخيم. كما طال الهدم صرح الشهداء عند المدخل الرئيسي لمخيم قلنديا، الواقع إلى الجنوب من رام الله وعلى الطريق بين رام الله وال.
سلفيت
وفي بلدة قراوة بني حسان غرب سلفيت، حطمت قوات الاحتلال النصب التذكاري للشهيد أحمد عاصي في منطقة الرأس غرب البلدة، بعد ساعات من تشييده في كانون الأول/ديسمبر 2023.
بيت لحم والخليل
في بلدة الخضر جنوب مدينة بيت لحم، حطمت القوات صرح الشهيد حسين مسالمة خلال اقتحام البلدة، قبل أن يتعرض الصرح للاستهداف والتحطيم مجدداً بعد أيام. وفي بلدة بيت أمر شمال مدينة الخليل، استهدفت القوات صرح الشهداء وحطمت أجزاءً منه خلال اقتحام البلدة، ثم عادت في اليوم التالي واستهدفت الصرح نفسه وحطمته مجدداً.
– العودة إلى جامعة بيرزيت: ضريح الشُهداء ليس خارج الحَملة
لم يكن الضريح مجرد بناء مادي، بل موضعاً لذاكرة حية داخل الجامعة، يصل ماضيها بحاضرها ويضع هذا الماضي أمام الأجيال التي تدخل المكان للمرة الأولى. ومن هنا، فإن دلالة اقتلاعه لا تتعلق بالفعل وحده، وإنما بتوقيته وطريقته أيضاً.
فإزالة الضريح ومصادرته من دون تدمير واسع للمحيط ومن دون ترك مشهد للخراب ليست تفصيلاً ثانوياً، إذ إن الهدم الذي يترك ركاماً يترك معه شاهداً على فعل الهدم، وقد يصبح الخراب نفسه بداية لذاكرة جديدة وشعور جديد تجاه المكان. أما اقتلاع الضريح بأقل أثر مادي وبصري، فيعني إزالة الشاهد ومحاولة تقليل أثر غيابه في الوقت ذاته، بحيث يدخل الطالب الجديد إلى المكان وكأن شيئاً لم يكن هنا أصلاً.
وهنا تتصل طريقة الإزالة مباشرة بالجيل الجديد الذي يبدأ علاقته بالجامعة؛ فالمستهدف ليس ذاكرة من عرفوا الضريح فقط، وإنما أيضاً الذاكرة التي لم تتشكل بعد لدى من لم يروه: محاولة قطع أحد الخيوط التي تصلهم بالتاريخ السياسي والاجتماعي للمكان، لتبدأ علاقتهم بالجامعة باعتبارها مكاناً للدراسة والمهنة والمستقبل، لا حيزاً أيضاً للحياة الاجتماعية والسياسية والدور الوطني وذاكرة من سبقهم.
وتكمن أهمية الضريح تحديداً في هذه العلاقة بين الحجر والذاكرة؛ فهو شكلها المادي في المكان، والشاهد الذي يجعلها مرئية وحاضرة وقابلة للانتقال بين الأجيال. ولهذا يحمل اقتلاعه دلالته وهدفه: إزالة هذا الحضور ومحاولة قطع ما يصنعه من اتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ولكن مفارقة محو الذاكرة أن الواقع الذي أنتجها لم ينتهِ. فنحن لم ننتهِ من الاحتلال حتى تصبح هذه الذاكرة أثراً من ماضٍ انقضى، وما بدا في مراحل سابقة وكأنه ابتعاد عنه لم يكن سوى أوهام أشاحت النظر عن استمرار الحكم العسكري وامتداده. لذلك يمكن اقتلاع الشاهد، لكن اقتلاعه لا يعني انتهاء ما يشهد عليه؛ فالضريح يمكن هدمه والحجر يمكن إعادة تشكيله، فيما بقيت الذاكرة الفلسطينية حية لأن فاعِليها مارسوا الرفض والمقاومة والمواجهة، والبقاء والاستمرار.
ومن هنا تصبح مسؤولية المعرفة والخطاب جزءاً من مواجهة المحو، ففعل الإزالة لا يُحسم عند غياب الضريح مادياً، بل فيما إذا كان هذا الغياب سيمتد إلى المعرفة والوعي، أم ستتحول محاولة محوه نفسها إلى مادة جديدة للذاكرة واستمرارها. وهذه مسؤولية جماعية في فهم الفعل وتسميته ونقله والحكم عليه؛ لأن أثره لا يتوقف عند ما أُزيل اليوم، بل يمتد إلى ما سيبقى غداً. ولا تنفصل بيرزيت عن استهداف الجامعة الفلسطينية في هذه المرحلة، فبعد تدمير جامعات غزة واغتيال أكاديميين وطلبة واستهداف الحياة الجامعية فيها، تظهر في الضفة أدوات وصور أخرى للاستهداف، تطال ذاكرة الجامعة ورموزها وامتدادها الاجتماعي والسياسي والوطني.
وهنا تظهر دلالة أخرى للضريح تتجاوز وجوده المادي نفسه: الأسماء التي حملها. أسماء لم تجتمع في زمن واحد، ولم تنتمِ إلى مرحلة واحدة، وإنما أضيفت إليه تباعاً مع تعاقب أجيال الجامعة وتحولات القضية الفلسطينية. ولذلك، فإن العودة إلى هذه الأسماء ليست استعادةً لسِيَر منفصلة، بل قراءة للخط الذي جمعها، وللكيفية التي تحوّل بها الضريح، مع كل اسم أضيف إليه، إلى سجلّ ظل مفتوحاً على ما سيأتي.
– الضريح كسجل مفتوح
لم يكن الضريح توثيقاً لجيل مضى بقدر ما كان سجلّاً مفتوحاً لذاكرة لم تَمُت؛ فأسماء الشهداء المنقوشة عليه امتدت عبر أجيال متعاقبة من طلبة جامعة بيرزيت وأبنائها. من شرف الطيبي، مروراً بعيسى شماسنة، وجواد أبو سلمية، وصائب ذهب، وموسى الحنفي، وناصر عريقات، وعبد الله علاونة، وإبراهيم قاسم، وجمال غانم، وحازم عيد، وعماد كلاب، وعبد المنعم أبو حميد، ومحمد أبو شقرة، وفتحي الشقاقي، ويحيى عياش، وياسر عبد الغني، وعبد الله صلاح، وخليل الشريف، وضياء الطويل، وأيمن حلاوة، وإيهاب أبو سليم، وجمال الفقيه، وصالح تلاحمة، وعمر أبو ظافر، وعبد اللطيف حروب، وساجي درويش، ومحمد حسن أبو غنام، وفادي صدقي وشحة، وعامر حسام بدر، وجواد ريماوي، وظافر ريماوي، ومحمد أبو كافية، ويزن الخصيب، وخضر عدنان، ومحمد عوض جربوع، ومصطفى الكرد، وأحمد حمدي الصالحي، وأيسر صافي، وصولاً إلى عمر محمد نعسان، وبراء خيري معالي، ومثنى عمرو، تراكمت الأسماء كما تراكمت أزمنة مختلفة من تاريخ الجامعة والقضية الفلسطينية.
ولم يكن هذا التراكم مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة سبقته؛ فكل اسم جاء من لحظته وظروفها التاريخية، وحمل معه أثر مرحلته وشكلها من الرفض والمقاومة والمواجهة، لكنه دخل في الوقت نفسه إلى ذاكرة كانت قائمة قبله، وأصبح بدوره جزءاً مما سيصل إلى من بعده. بهذا المعنى، لم تبدأ كل مرحلة من فراغ، ولم تمحُ ما سبقها، بل بُنيت عليه وراكمته؛ من جيل إلى جيل، ومن تجربة إلى أخرى، فيما بقيت الجامعة أحد الأمكنة التي يظهر فيها هذا الامتداد ويتجسّد مادياً.
وبهذا كان الضريح يجمع في مكان واحد ما تفرّق في الزمن: أسماءً وتجارب ومراحل لم تعش اللحظة التاريخية ذاتها، لكنها اجتمعت لتشكّل خطاً متصلاً للذاكرة. وكل اسم جديد لم يكن يوسّع قائمة الشهداء فحسب، بل كان يعيد استحضار الأسماء التي سبقته ويضعها معه في الحاضر. لذلك لم يكن الماضي على الضريح محفوظاً باعتباره زمناً انتهى، وإنما ظل حاضراً أمام كل جيل جديد يدخل الجامعة؛ يرى من سبقه، ويتعرّف إلى تاريخ المكان من خلال أسمائه، ثم يصبح حاضره نفسه امتداداً لذاكرة الأجيال السابقة.
ولهذا حملت العبارة المنقوشة في أسفل الضريح معناها الأبعد” وما زالت التضحية مستمرة”. لم تكن خاتمة لقائمة مكتملة، بل إعلاناً عن طبيعة سجل ظل مفتوحاً، فكلما بدا أن أسماءه أصبحت تنتمي إلى الماضي، جاء الحاضر ليضيف اسماً جديداً ويعيد وصل ما بدا متباعداً في الزمن. ومن شرف الطيبي وما مثّله زمنه، مروراً بالأجيال التي تلته وصولاً إلى الأسماء الأحدث، ظل كل اسم يراكم ما سبقه ويحمله معه إلى ما بعده. وهكذا لا يعود الماضي حاضراً لأن الضريح يستذكره فحسب، بل لأن الواقع نفسه ظل يعيد إنتاج أسباب حضوره، فيبقى السجل مفتوحاً، وتبقى الذاكرة التي يحملها حَية لا تُغلق باقتلاع الحجر الذي كُتبت عليه.
– الدائرة المفتوحة: من اقتلاع الضريح إلى سؤال استعادته
اقتلاع الضريح لا يقتلع ما حمله من ذاكرة، لكنه لا يجعل وجوده المادي أمراً ثانوياً. فالضريح كان موضعاً لهذه الذاكرة داخل الجامعة، ومصادرته تعني انتزاع هذا الموضع منها ومحاولة فرض غيابه كأمر واقع. لذلك، فإن الحفاظ على ذاكرته لا يكتمل بمجرد توثيق ما جرى أو استعادة أسماء الشهداء في الخطاب، بل يطرح أيضاً مسألة الضريح المصادَر نفسه.
وهنا يبقى سؤال لم يُحسم بعد: هل ستتعامل جامعة بيرزيت مع اقتلاع الضريح ومصادرته باعتبارهما واقعة تستوجب المتابعة والمساءلة، بما في ذلك بحث المسارات القانونية والمؤسساتية الممكنة للمطالبة باستعادته وإعادته إلى الحرم الجامعي؟ وهو سؤال لا يفترض مسبقاً جدوى هذه المسارات أو نتائجها، بقدر ما يضع مسؤولية التعامل مع المصادرة نفسها على الطاولة.
فإذا كان اقتلاع الضريح محاولة لإخراجه من المكان، فإن ما يلي الاقتلاع هو ما سيحدد إن كان غيابه سيتحول إلى أمر واقع، أم ستبقى مصادرته موضع رفض ومطالبة باستعادته. وهنا لا تكون استعادة الضريح نقيضاً لبقاء الذاكرة من دونه، بل تأكيداً لما سَبق: أن الذاكرة لا تنفصل عن حقها في أن يكون لها أثر ومكان.
