
اليوم هو اليوم الثاني من “رأس السنة العبرية”، وأول أيام الاقتحامات في أطول موسم عدوان على الأقصى خلال السنة. ومع ذلك، لا نجد حتى الآن أي صورة واحدة من داخل المسجد منشورة على أي منصة إعلامية مية أو فلسطينية أو عربية أو عالمية؛ رغم اقتحام #المسجد_الأقصى، وفي الغالب يتم النفخ بالبوق أثناء كتابة هذه السطور، ولكن لا يوجد لدينا أي توثيق لذلك. فما السبب وراء ذلك؟
السبب المباشر بسيط، حيث أن اليوم هو يوم صيام وفق التعاليم اليهودية. والمستوطنون الذين يقتحمون الأقصى هم من جمهور الصهيونية الدينية الذين يتبعون هذه التعاليم، مما يجعلهم يمتنعون عن أي عمل دنيوي يتعارض مع هذا الصيام، بما في ذلك استخدام الإنترنت والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما السبب الأهم الذي يعنينا، فهو أن إسرائيل تمكنت تدريجياً من فرض تعتيم إعلامي منهجي يضمن عدم خروج أي صور من داخل الأقصى من المصادر الفلسطينية والعربية. ويشكل هذا اليوم اختبارًا حقيقيًا لفاعلية هذا التعتيم الذي فرضته إسرائيل على مراحل:
المرحلة الأولى: الضغط على الأوقاف الأردنية لمنع حراس المسجد الأقصى من التصوير، ومنعهم من نشر هذه الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، وملاحقتهم بتهم التحريض، والإبعاد عن المسجد الأقصى في حال نشرهم لتلك الصور. وقد صدر تعميم عن مدير أوقاف الفي 28-7-2020 ينص على أنه: “يمنع منعًا باتًا وتحت طائلة المسؤولية لأي مدير أو رئيس قسم أو موظف في دائرة أوقاف الوالمسجد الأقصى المبارك أن يصرح بأي تصريح لأي مصدر صحفي أو لمواقع التواصل الاجتماعي بأي خبر يخص دائرة أوقاف البشكل عام أو أخبار المسجد الأقصى المبارك بشكل خاص إلا بإذن رسمي من مدير عام دائرة أوقاف الوشؤون المسجد الأقصى المبارك. وكل من لم يلتزم بهذا التعميم فسوف يعرض نفسه للعقوبة والمسائلة”. وقد استمر هذا الضغط لاحقًا إلى حد منعه من الإعلان عن عدد المقتحمين بشكل غير رسمي، مع استمرار توقف الإحاطة الرسمية اليومية التي تصدر عن الأوقاف منذ عام 2022.
أما المرحلة الثانية، فقد فُرضت خلال عامي 2022-2023، حيث أجبر المصلون داخل المسجد الأقصى على الدخول إلى داخل مبنى قبة الصخرة أو المسجد القبلي خلال الاقتحام، مما يضمن عدم وجود أي تواصل بصري بينهم وبين المقتحمين، وعدم قدرتهم على التوثيق أو التصوير بأي شكل كان، واعتقال كل من يُضبط وهو يصور، وإجباره على مسح الصور أو مصادرة هاتفه.
ورغم هاتين الطبقتين من التعتيم، كانت المنصات الإعلامية المية تجد حلاً بإرسال مصوريها إلى جبل الزيتون لالتقاط صور للاقتحام من الخارج، وهذا ما شهدناه في عامي 2024 و2025…
لكن المرحلة الثالثة التي بدأت في 23-2-2026، تمثلت في إعلان حكومة إسرائيل حظر المنصات الإعلامية المية الخمس بشكل متزامن: الالبوصلة، شبكة العاصمة، بلس، معراج، ميدان ال، مما أنهى وجود شبكات إعلامية متخصصة في تغطية شؤون #الوالمسجد الأقصى. وقد جاء هذا الحظر ليهيئ لإغلاق المسجد الأقصى خلال الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، وهو الإغلاق الذي دام 40 يومًا بقرار من “الجبهة الداخلية” الإسرائيلية، وشكل سابقة في فرض ما يُزعم أنه سيادة إسرائيلية على المسجد الأقصى.
اليوم، ومع صيام المنصات العبرية عن استعراض عدوانها على #الأقصى، تنكشف عورة عجزنا العربي والإسلامي عن توثيق حال أحد أماتنا، وعن نقل صورة واحدة من داخل الأقصى في أوقات استفراد المقتحمين به.
ويعي النظام الرسمي العربي تمامًا طبيعة هذا العجز، ولذلك جاء قرار “تأسيس منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات بحق الأماكن المة والمصلين” ليكون القرار العملي الوحيد الصادر عن “الاجتماع الوزاري الموسع” لوزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية في عمان في 5-8-2026، وهو القرار الذي لم يُترجم إلى واقع حتى الآن، ولم يحُل دون الانكشاف الفاضح لهذا العجز عن نقل صورة واحدة من أحد أمات الأمة خلال اقتحام المستوطنين له واستفرادهم به.
بعد غروب شمس هذا اليوم، سيتدفق الصور عن اقتحام المستوطنين للأقصى، وسيكون من المحتمل أن تحمل تلك الصور توثيقًا لنفخ البوق في أقصانا، وربما لعدة مرات. ولن يأتي تدفق الصور هذا لأننا نجحنا في كسر عجزنا، أو لأن 14 دولة عربية وإسلامية اجتمعت في عمان وتمكنت من نقل صورة واحدة من داخل الأقصى، بل سيتدفق لأن الصيام اليهودي قد انتهى، ولأن منظمات الهيكل ستبدأ من بعده في استعراض عدوانها على الأقصى دون أي تحفظ بعد أن كشف صيامها عن قاعٍ جديد من عجزنا الفاضح…
فإلى متى نقبل مثل هذا العجز؟ ومتى نتحرك لكسره؟
