
الضفة المحتلة – لم تعد المدرسة في الضفة الغربية مساحة آمنة يفصلها سور عن واقع الاحتلال واعتداءاته؛ ففي عدد من المناطق، امتدت الانتهاكات إلى داخل أسوار المدارس ومحيطها، وطالت الطلبة والمعلمين والمباني التعليمية، لتصبح الحصة الدراسية نفسها عرضة للتعطيل والخطر.
ففي المغير شرق رام الله، أطلقت قوات الاحتلال الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت باتجاه مدرسة ذكور المغير أثناء وجود الطلبة، ما أدى إلى إصابة عدد منهم بالاختناق. وفي حوارة جنوب نابلس، تعرضت مدرسة ذكور حوارة الثانوية لاعتداءات طالت مبناها، بالتزامن مع هجوم مستوطنين على الطلبة أثناء توجههم إليها. أما في مسافر يطا، فلم تسلم مدرسة أم الخير من تداعيات الاعتداءات المحيطة بها، بعدما أُغلق الطريق الرئيسي المؤدي إليها بسياج، واضطر الطلبة إلى سلوك طريق بديل للوصول إلى صفوفهم.
وخلال النصف الأول من عام 2026، وثقت مجموعة التعليم التابعة للأمم المتحدة 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية، أثرت في 152 مدرسة، وأكثر من 20 ألف طالب وطالبة، و859 من العاملين في التعليم. وكان من بين هذه الحوادث 122 واقعة مرتبطة بقيود الوصول إلى المدارس، إلى جانب 47 حادثة عنف مستوطنين.
ولا تقف الاعتداءات عند حدود المدرسة، فطريق الوصول إليها بات جزءًا من المخاطر التي يواجهها الطلبة والمعلمون. ففي أم الخير بمسافر يطا، حُرم 51 طالبًا وطالبة من الوصول إلى مدرستهم لعدة أيام بعد إغلاق الطريق المعتاد، فيما تعرض طلبة آخرون خلال محاولات الوصول إلى المدرسة للغاز المسيل للدموع، وسط مخاوف من سلوك طرق بديلة أكثر خطورة.
وفي الأغوار الشمالية، امتدت القيود إلى المعلمين أنفسهم. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، أدى إغلاق حاجزي تياسير وعين شبلي إلى منع 104 معلمين ومعلمات من الوصول إلى مدارسهم، ما أثر في انتظام الدراسة في ست مدارس حكومية وروضة أطفال تضم نحو 1100 طالب وطالبة.
وفي ال، واجه طلبة آخرون المنع على الحواجز، إذ مُنع أطفال من عبور حاجز الشياح للوصول إلى مدارسهم في السواحرة الشرقية، بينما تفرض الحواجز والإغلاقات في مناطق مختلفة من الضفة مسارات أطول على الطلبة والمعلمين، وتزيد الوقت والمخاطر المرتبطة بالوصول إلى المدارس.
وتأتي هذه الحوادث في ظل شبكة واسعة من القيود على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، تشمل الحواجز العسكرية وبوابات الطرق والسواتر والإغلاقات المفاجئة، ما يترك أثرًا مباشرًا على المناطق التي تعتمد مدارسها على وصول الطلبة والمعلمين من تجمعات متفرقة.
ولا يقتصر الاستهداف على تعطيل الوصول أو الاعتداءات المباشرة؛ إذ تواجه مدارس فلسطينية أيضًا خطر الهدم أو أوامر وقف العمل، خصوصًا في المناطق المصنفة “ج”. وبحسب معطيات مجموعة التعليم، كانت عشرات المدارس في الضفة الغربية والالشرقية خاضعة لأوامر هدم أو وقف عمل، ما يهدد حق آلاف الطلبة في الوصول إلى التعليم في مدارسهم.
وفي المناطق التي تتكرر فيها اعتداءات المستوطنين، يصبح الخطر أكثر التصاقًا بالحياة اليومية للطلبة. فالهجمات لا تستهدف أحيانًا المدرسة فقط، بل تمتد إلى الطريق المؤدي إليها، كما حدث في حوارة، حيث تعرض طلبة مدرسة ذكور حوارة الثانوية لهجوم أثناء توجههم إلى المدرسة.
ويترك هذا الواقع أثره على المعلم أيضًا، الذي بات يؤدي مهمته وسط ظروف تتجاوز صعوبة العمل داخل الصف. وقالت وزارة التربية والتعليم العالي إن أكثر من 800 معلّم ومعلمة استشهدوا، وأصيب أكثر من 3300 آخرين، فيما اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من 170 معلماً منذ بدء حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي قطاع غزة، اتخذ استهداف التعليم شكلًا أكثر قسوة مع تدمير المدارس وتحول عدد منها إلى مراكز نزوح، فيما واصل معلمون أداء رسالتهم داخل الخيام ومراكز الإيواء. وفي الضفة الغربية، لجأ معلمون إلى التعليم الافتراضي للمساهمة في استمرار تعليم طلبة غزة، بينما واصل معلمو الالعمل في ظل القيود المفروضة على العملية التعليمية.
ورغم هذا الواقع، لم تتوقف محاولات إبقاء التعليم قائمًا. فقد دفعت القيود والدمار والنزوح المعلمين والمؤسسات التعليمية إلى ابتكار مبادرات وحلول تكنولوجية وبدائل تربوية، بهدف تعويض ما يمكن تعويضه والحفاظ على صلة الطلبة بالتعليم.
لكن خلف كل رقم في تقارير التعليم، قصة طالب تأخر عن مدرسته بسبب حاجز، أو معلم لم يتمكن من الوصول إلى صفه، أو مدرسة تحولت ساحتها إلى مكان للخوف بدل أن تكون مساحة للتعلم.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، تبدو حماية التعليم الفلسطيني أبعد من حماية المبنى المدرسي؛ فهي تعني أن يتمكن الطالب من الوصول إلى مقعده دون خوف، وأن يصل المعلم إلى صفه دون أن يكون الطريق إليه عقبة جديدة، وأن تبقى المدرسة مكانًا للتعلم لا ساحة أخرى للاعتداء.
