أثار فوز حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت جدلاً يتجاوز موضوع تشكيل الحكومة والتحالفات المحتملة. فالحزب، الذي يهدف إلى قيادة حكومة الولاية، يخضع في الوقت نفسه لمراقبة جهاز حماية الدستور المحلي، والذي يتولى متابعة الحركات المتطرفة.
وقد أثار تقرير لموقع “تاغيسشاو” الأخبار الألماني (Tagesschau) النقاش حول معضلة مؤسسية في حال تشكيل الحزب المصنف في الولاية كحزب يميني متطرف حكومة الولاية: هل يمكن لحزب يخضع للمراقبة، إذا تولى وزارة الداخلية، أن يؤثر في الجهة التي تراقبه أو الوصول إلى معلومات أمنية حساسة؟
ما هو جهاز حماية الدستور؟
على عكس المحكمة الدستورية، لا يصدر الجهاز أحكاماً ولا يحظر الأحزاب، بل يعمل كجهاز استخبارات داخلي، حيث يجمع المعلومات ويحللها للكشف عن التهديدات الموجهة للنظام الديمقراطي. أنشئ هذا النظام بعد الحرب العالمية الثانية في إطار مفهوم “الديمقراطية القادرة على الدفاع عن نفسها”، بهدف منع القوى المعادية للديمقراطية من استخدام المؤسسات الديمقراطية لتقويضها من الداخل.
يوجد في ألمانيا جهاز اتحادي، له فرع في كل ولاية. وتقوم الأجهزة المحلية بمتابعة الجماعات المتطرفة داخل ولاياتها، بينما ينسق المكتب الاتحادي أعمالها ويتابع القضايا ذات الأهمية على مستوى البلاد. وتشمل مهام هذه الأجهزة مراقبة اليمين المتطرف واليسار المتطرف والتطرف الإسلاموي، بالإضافة إلى مكافحة التجسس والهجمات الإلكترونية.
لماذا يراقب الجهاز حزب البديل؟
يُصنف جهاز حماية الدستور فرع حزب البديل في ساكسونيا أنهالت، منذ عام 2023، كتيار يميني متطرف ويشير الجهاز إلى أن مواقف صدرت عن الفرع الحزبي تنتهك مبادئ أساسية في النظام الديمقراطي، بما في ذلك كرامة الإنسان والمساواة، وتنتقص من حقوق الأشخاص بناءً على أصولهم العرقية أو هويتهم الدينية.
يرفض الحزب هذا التصنيف ويتحدى في القضاء، بينما لا تزال الإجراءات القانونية المتعلقة بالقضية بانتظار الحسم.
تختلف صلاحيات المراقبة بناءً على تصنيف الجهة المعنية. يمكن لجهاز حماية الدستور الاعتماد على المصادر العامة لجمع المعلومات، كما بإمكانه، وفقًا لشروط قانونية صارمة، مراقبة الأفراد بصورة سرية أو من خلال مصادر بشرية.
لكن مراقبة أعضاء البرلمانات تتطلب قيودًا أكثر صرامة وضعها القضاء. كما أن إجراءات الجهاز تخضع للمراجعة القضائية والرقابة البرلمانية، مما يعني أن وزارة الداخلية لا يمكن أن تتصرف خارج القانون أو تلغي الضوابط المؤسسية بقرار سياسي بسيط.
ماذا يستطيع وزير داخلية من حزب البديل أن يفعل؟
يخضع جهاز حماية الدستور في الولاية لإشراف وزارة الداخلية، ولدى الوزير صلاحية إصدار توجيهات إدارية. وبالتالي، قد يسعى وزير من حزب البديل إلى التأثير في أولويات المراقبة أو المطالبة بإعادة تقييم تصنيف فرع الحزب.
وفقًا لتحليل من القسم القانوني في شبكة “ARD” الألمانية العامة، قد يسعى الوزير أيضًا إلى وقف مراقبة الحزب على مستوى الولاية. لكن مثل هذه القرارات لن تكون بمنأى عن المحاكم أو رقابة برلمان الولاية، كما أنها لا تلزم تلقائياً المكتب الاتحادي لحماية الدستور أو أجهزة الولايات الأخرى.
يستطيع وزير الداخلية أيضًا تغيير رئيس الجهاز المحلي في الولاية، لأن رئيس جهاز حماية الدستور في ساكسونيا-أنهالت يعد موظفًا سياسيًا؛ بينما بقية موظفي الجهاز على الرغم من أنهم محميون بقوانين الخدمة العامة وقوانين العمل، فلا يمكن فصلهم بسهولة. وهذا يُحد من قدرة أي وزير جديد على استبدال الجهاز بالكامل أو إعادة تشكيله خلال فترة قصيرة.
هل يستطيع الجهاز الاتحادي التدخل؟
إذا توقف مكتب الولاية عن أداء إحدى مهامه، يمكن للمكتب الاتحادي لحماية الدستور أن يتولى متابعة الملف. فإذا قرر المكتب المحلي في ولاية على سبيل المثال إنهاء مراقبة أنشطة اليمين المتطرف، يمكن للمكتب الاتحادي مواصلة العمل في هذا المجال ضمن صلاحياته. لكن هذا الحل لا يلغي المشكلة تماماً. فالنظام الأمني الألماني يعتمد على التعاون وتبادل المعلومات بين المستوى الاتحادي والولايات، وليس على عمل كل جهاز بمعزل عن الآخرين.
كما أثار النقاش حول المادة 37 من القانون الأساسي الألماني، التي تمنح الحكومة الاتحادية، بموافقة مجلس الولايات، القدرة على اتخاذ إجراءات لإجبار ولاية على الوفاء بالتزاماتها الدستورية.
ووصف رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي، تورستن فراي، هذا الخيار بأنه “ملاذ أخير” إذا تصرفت حكومة ولاية بطريقة معادية للدستور.
لم تُستخدم هذه المادة في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، ووجود حكومة يقودها حزب البديل بمفرده لا يكفي لتفعيلها. فهي ترتبط بوجود إخلال فعلي بالتزامات دستورية أو اتحادية، وليس بالهوية السياسية للحكومة فقط.
المعلومات السرية.. الخطر الأكبر
يكمن مصدر القلق الرئيس في إمكانية وصول جهاز الولاية إلى المعلومات التي تتبادلها الأجهزة الأمنية الألمانية. ويتم ذلك عبر اتصالات مباشرة بين الأجهزة.
وفي حديثه لموقع “تاغيسشاو”، أشار لوكا مانس، المدير التنفيذي لمركز أبحاث أجهزة الاستخبارات في جامعة كولونيا، إلى أن الخطر قد يشمل تسرب معلومات تصب في مراقبة متطرفين يمينيين أو جواسيس روس، مع الإشارة إلى العلاقات المعروفة لبعض سياسيي حزب البديل مع تلك الأوساط.
وربما تلجأ الأجهزة الأخرى، في حال وجود مخاوف جدية، إلى مشاركة معلومات أقل حساسية مع ولاية ساكسونيا-أنهالت أو الاعتماد بصورة أكبر على الاتصالات الثنائية. ومع ذلك، سيكون من الصعب قانونياً استبعاد جهاز الولاية تمامًا من قواعد البيانات ومراكز التنسيق.
اختبار جديد للنظام الديمقراطي
تكمن حساسية القضية في أن النظام الاتحادي الألماني بُني على الثقة والتعاون بين مؤسسات الأمن في الولايات والحكومة الاتحادية. وإذا تولى حزب خاضع للمراقبة مسؤولية الجهاز الذي يتابعه، فقد تتضرر هذه الثقة حتى قبل إثبات وقوع أي تسريب أو تدخل سياسي.
بالمقابل، توجد قيود قانونية ومؤسسية تمنع وزيرًا واحدًا من التحكم الكامل في عمل الاستخبارات الداخلية. تبقى المحاكم والبرلمانات والمكتب الاتحادي وأجهزة الولايات الأخرى أطرافًا فعالة قادرة على الرقابة أو التدخل.
ومع ذلك، لا يقدم القانون حلاً فورياً لجميع المخاطر. لذا لا يتوقف النقاش فقط عند ما قد يفعله حزب البديل إذا وصل إلى وزارة الداخلية، بل يمتد إلى قدرة مؤسسات “الديمقراطية المدافعة عن نفسها” على العمل عندما يصبح الطرف الذي يتم مراقبته جزءًا من السلطة المشرفة عليها.
