
مع اقتراب كل دورة انتخابية للكنيست الإسرائيلي، يتجدد الجدل حول الخطاب السياسي العربي وأولوياته. لكن لفهم هذا الخطاب، يجب العودة إلى جذوره التاريخية منذ نكبة عام 1948 وأول انتخابات للكنيست عام 1949، مرورًا بسنوات الحكم العسكري وحرب 1967، وصولًا إلى صعود حزب الليكود إلى السلطة عام 1977. لم يكن خطاب الأحزاب العربية ثابتًا، بل شهد تغيرات في الشِعارات والأدوات وفقًا للمتغيرات السياسية، مع بقاء بعض الثيمات حاضرة على مر العُقَد، مثل استخدام “اليمين” كأداة لحشد الأصوات العربية. ومع ذلك، لم تكن هذه المعادلة قائمة دائمًا، إذ إن المرحلة السابقة لهيمنة الليكود شهدت سيطرة الصهيونية العُمّالية التي أسست الدولة ومؤسساتها، ويُقدم هذا التيار اليوم تحت عنوان “اليسار الإسرائيلي”. ومع مرور الزمن، انتقل جزء من الخطاب العربي من التعامل مع الصهيونية كمنظومة واحدة إلى الاختيار بين تياراتها، حيث تم تقديم “اليسار” باعتباره خيارًا أقل سوءًا في مواجهة اليمين، مما جعل التخويف من اليمين أحد أكثر عناصر الخطاب الانتخابي العربي حضورا واستمرارية حتى اليوم.
قبل التطرق إلى هذه التحولات، يجدر بالذكر أن الكنيست هو البرلمان الإسرائيلي والسلطة التشريعية العليا في الدولة، وهو أحد أعمدة المشروع الذي قام على السيطرة على الأرض الفلسطينية وتهجير شعبها وإقامة مؤسساته فوق أنقاضها. ومن داخل هذه المؤسسة، تشكلت وتطورت مختلف التيارات والخطابات السياسية العربية منذ عام 1949، مما يجعل دراسة هذه الخطابات مدخلًا لفهم التحولات التي طرأت على علاقة الفلسطينيين داخل حدود إسرائيل بالدولة وأدوات عملهم السياسي على مر السنين.
مرحلة ما قبل عام 1967 (عهد الحكم العسكري والمواطنة المشروطة)
قبل عام 1967، لم تكن الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سيطرة إسرائيل، إذ خضعت الضفة الغربية للإدارة الأردنية، بينما خضعت غزة للإدارة المصرية. أما الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود الدولة الجديدة، فقد عاشوا تحت نظام الحكم العسكري بين عامي 1948 و1966، وهو نظام فرض قيودًا واسعة على الحركة والتنظيم السياسي والعمل الجماهيري.
في هذا السياق السياسي والجغرافي المجزأ، تبلورت داخل الكنيست عدة اتجاهات سياسية عربية، كان أبرزها التيار المرتبط بحزب “مباي” الحاكم، أو ما يمكن تسميته بـ”عرب الائتلاف”، وهو التيار الذي سيركز هذا المقال على خطابه ومواقفه. وفي مقابل ذلك، برز الحزب الشيوعي كتيار معارض يحمل خطابًا مختلفًا في الشكل والأدوات، وإن ظل يتحرك داخل الإطار السياسي الذي تمثله مؤسسة الكنيست. وسنتناول تجربته في موضع لاحق. بالإضافة إلى هذين الاتجاهين، شهدت أواخر الخمسينيات ظهور “حركة الأرض” التي تبنت خطابًا قوميًّا عربيًّا متأثرًا بالمد الناصري، حيث رفضت سياسة الأسرلة وأصرت على انتماء الفلسطينيين في الداخل إلى شعبهم وقضيتهم الوطنية، مما أدى إلى حظرها وملاحقة ناشطيها عام 1964.
تيار الموالاة والاندماج
تمثل هذا التيار في القوائم العربية المرتبطة بحزب “مباي” الحاكم، والتي شكلت ما يمكن وصفه بـ”عرب الائتلاف الحكومي” في تلك المرحلة، ومن أبرزها قوائم “الديمقراطية لمهنيي الناصرة” و”الزراعة والتطوير” و”التقدم والتطوير”. تمحور خطابها حول ما يمكن تسميته بـ”المواطنة المشروطة”، حيث تم التركيز على المطالب الخدمية والمعيشية وتحسين الأوضاع اليومية، مع تجنب الخوض في القضايا القومية الكبرى وملفات الصراع العربي الإسرائيلي واللاجئين والحكم العسكري.
يُعتبر سيف الدين الزعبي أحد أبرز رموز هذا الاتجاه، حيث عكس خطابه البرلماني طبيعة العلاقة التي سعت هذه القوائم إلى تكريسها مع السلطة، عندما قال: “إن المجتمع العربي في إسرائيل يتطلع إلى الاندماج الكامل والعيش المشترك. نحن نشكر الحكومة على مد خطوط المياه وفتح المدارس في قرانا، ولكننا نرجو من وزير الزراعة ووزير الداخلية تسهيل منح تراخيص البناء وتوسيع المسطحات القروية ليتسنى لشبابنا العيش بكرامة. إن ولاءنا للدولة يدفعنا للمطالبة بإنصافنا في الميزانيات لنكون جزءًا من حركة التطوير والبناء”.
لم يقتصر هذا النهج على الزعبي، فقد ركز فارس حمدان، أحد أبرز وجوه قائمة “الزراعة والتطوير”، على البعد الاقتصادي والخدماتي بعيدًا عن القضايا السياسية، حيث قال: “إن الفلاح العربي لا يطلب سوى العيش بسلام وتطوير أرضه… ونطالب بزيادة حصص المياه المخصصة للقرى العربية وتسهيل تسويق محاصيلنا، فاستقرار المزارع العربي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المنطقة”.
أما مسعد قسيس، من قائمة “الديمقراطية لمهنيي الناصرة”، فقد عبّر بوضوح عن فلسفة التعاون مع حزب السلطة عندما قال: “إن واجبنا كمواطنين هو إظهار الإخلاص التام لقوانين الدولة… ومن خلال تعاوننا المخلص مع حزب السلطة سنتمكن من تحسين ظروف المعيشة وفتح آفاق جديدة لشبابنا”.
في السياق ذاته، دعا دياب عبيد إلى ما وصفه بالواقعية السياسية، قائلًا: “علينا كمواطنين عرب أن نثبت بالدليل القاطع أننا لا نشكل خطرًا على أمن الدولة… فالحصول على الحقوق لا يأتي بالمواجهة والشعارات، بل بالتعاون البناء وإثبات حسن النوايا”.
كما سعى إلياس نخلة إلى الفصل بين أوضاع العرب داخل إسرائيل وبين الصراع الدائر في المنطقة، حيث قال عقب حرب 1967: “دورنا هنا داخل إسرائيل هو الحفاظ على الهدوء والسلام الداخلي… إن أمن الدولة مصلحة مشتركة، ورفاهية المواطن العربي جزء من قوة الاقتصاد الإسرائيلي”.
لم يكن هذا الخطاب مجرد مواقف لفظية، بل انعكس أحيانًا في السلوك السياسي داخل الكنيست. ففي عام 1959 سقط اقتراح يهدف إلى تخفيف بعض إجراءات الحكم العسكري المفروضة على العرب الفلسطينيين بسبب تصويت أعضاء كنيست عرب من الائتلاف الحكومي، مثل جبر معدي ودياب عبيد، إلى جانب حكومة دافيد بن غوريون، رغم أن الاقتراح كان يصب في مصلحة المجتمع العربي الذي كان يعيش تحت الحكم العسكري آنذاك.
تكشف هذه النماذج عن السمات الأساسية لخطاب الموالاة في تلك المرحلة، والذي قام على ثلاث ركائز رئيسية: أولها لغة الاستجداء والمناشدة أكثر من لغة الحقوق، عبر استخدام مفردات متكررة مثل “نرجو” و”نأمل” و”نشكر الحكومة”. وثانيها الفصل بين المشكلات المعيشية وأسبابها السياسية، من خلال التعامل مع قضايا الأرض والسكن والمياه والخدمات باعتبارها مطالب إدارية منفصلة عن سياسات المصادرة والتمييز والحكم العسكري. أما الركيزة الثالثة فتمثلت في دور الوسيط بين السلطة والمجتمع العربي، حيث تحولت بعض هذه القوائم إلى قناة لتمرير مطالب السكان مقابل ضمان الولاء السياسي وحشد الأصوات الانتخابية لصالح حزب “مباي”. وبالتالي، انشغل هذا الخطاب بتحصيل المكاسب الجزئية والخدماتية ضمن السقف الذي فرضته السلطة، بعيدًا عن طرح مطالب سياسية جماعية أو تحدي السياسات التي أنتجت مظاهر التهميش والتمييز التي كان يطالب بمعالجتها.
(يتبع…)
