
متابعة حذّر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية من تصاعد الضغوط على المناهج الفلسطينية، في ظل تداخل الضغوط الأمريكية والأوروبية مع التدخل الإسرائيلي المباشر، وانهيار النظام التعليمي في قطاع غزة، معتبرًا أن إجراء مراجعة وطنية للمناهج بمرجعية اليونسكو بات ضرورة قبل نهاية عام 2026.
جاء ذلك في ورقة بحثية جديدة أصدرها المركز بعنوان «المناهج الفلسطينية تحت الضغط: الشروط الأمريكية–الأوروبية ومجلس السلام ومعركة الرواية والهوية»، أعدّها الباحث إبراهيم الحواجري، وتناولت التحولات التي طرأت على ملف المناهج الفلسطينية، بعدما انتقل من قضية تربوية داخلية إلى أحد ملفات الصراع على التمويل والإصلاح والحكم والرواية الوطنية.
وتطرح الورقة سؤالًا مركزيًا حول الجهة التي تملك حق تحديد معيار تقييم المنهاج الفلسطيني، والجهة التي تتولى تطبيقه، في ظل تزايد الضغوط الخارجية وتعدد مسارات التدخل، بالتزامن مع تدمير واسع للبنية التعليمية في قطاع غزة وفرض المنهاج الإسرائيلي على أعداد متزايدة من الطلبة الفلسطينيين في الالشرقية.
ثلاثة مسارات للضغط
وبناءً على تحليل وثائق ودراسات ومصادر منشورة حتى 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تميز الورقة بين ثلاثة مسارات رئيسية للضغط على التعليم الفلسطيني.
ويتمثل المسار الأول بالضغط الأمريكي–الأوروبي، الذي يتخذ من التمويل والإصلاح وتقارير تقييم المناهج أدوات للضغط، فيما يظهر المسار الثاني بصورة إسرائيلية مباشرة، ولا سيما في الالشرقية، من خلال فرض المنهاج الإسرائيلي وتعديل الكتب الفلسطينية.
أما المسار الثالث، فيتبلور في قطاع غزة، حيث أدى انهيار النظام التعليمي إلى فتح المجال أمام جهات متعددة لتقديم نماذج تعليمية موازية ضمن ترتيبات إعادة الإعمار.
وتشير الورقة إلى أن هذه المسارات لا تستند بالضرورة إلى تنسيق معلن بينها، لكنها تلتقي عند إعادة تعريف مضمون التعليم الفلسطيني وحدود الرواية التي تحملها المناهج.
بين «التحريض» وحق الفلسطيني في روايته
وتقدم الدراسة قراءة نقدية للجدل الدائر حول مضامين المناهج، مستندة إلى مجموعة من الدراسات، من بينها دراسة معهد جورج إيكرت التي كلف بها الاتحاد الأوروبي، وتقارير «IMPACT-se»، ومراجعة مركز «REAL» بجامعة كامبريدج، إلى جانب تقارير أمريكية وأممية.
وتخلص الورقة إلى أن الأدلة المتاحة لا تسند، وفق تقييمها، وصف المنهاج الفلسطيني بأنه «تحريض منهجي شامل»، لكنها لا تسمح في المقابل بالدفاع عنه باعتباره خاليًا تمامًا من المضامين التي تستحق المراجعة.
وتحدد الدراسة مجالات تحتاج إلى معالجة، من بينها بعض أنماط والتعميمات السلبية، وبعض الاستخدامات التعليمية لمواد مرتبطة بالصراع، لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة الفصل بين هذه القضايا وبين عناصر أساسية في الرواية الفلسطينية، مثل فلسطين والنكبة والوحق العودة ونقد الاحتلال والاستيطان وفق القانون الدولي.
وترى الورقة أن المراجعة لا ينبغي أن تعني التخلي عن الرواية الوطنية، بل إخضاع المواد المختلف عليها لمعايير مهنية معلنة ومستقلة، بما يحول دون استخدام أضعف جوانب المناهج الفلسطينية ذريعة لإعادة صياغة هويتها من الخارج.
رسالة أوروبية غير ملزمة.. لكنها ذات كلفة سياسية
وتولي الدراسة أهمية لرسالة النوايا الموقعة بين المفوضية الأوروبية والسلطة الفلسطينية في تموز/يوليو 2024، موضحة أن النص يتحدث عن خطة لإصلاح التعليم تشمل تحديث المنهاج، وأن مؤشر الإنجاز الوارد فيها هو اعتماد خطة عمل، فيما تؤكد الرسالة نفسها أنها بيان نوايا ولا تنشئ التزامات قانونية ملزمة. وتظهر مصادر فلسطينية أن الرسالة تضمنت مسارًا لإصلاح التعليم والكتب المدرسية ضمن إطار الدعم الأوروبي.
وترى الورقة أن هذه النقطة تمثل عنصرًا مهمًا في التفاوض الفلسطيني، خصوصًا مع اقتراب انتهاء الإطار الزمني للبرنامج في كانون الأول/ديسمبر 2026.
لكنها تشير في الوقت ذاته إلى مشكلة فلسطينية داخلية تتمثل في تعدد الخطابات حول ما جرى الالتزام به فعليًا؛ إذ ظهرت مواقف أوروبية تتحدث عن إصلاح الكتب، مقابل تصريحات فلسطينية تؤكد عدم إدخال تغييرات على الكتب المستخدمة.
وبحسب الدراسة، فإن استمرار هذا الغموض يضعف الموقف الفلسطيني أمام المانحين، ويتيح في الوقت نفسه للخصوم تقديم روايات متعارضة حول مدى التزام السلطة بما تعهدت به.
«مجلس السلام».. ما هو مثبت وما هو مجرد ادعاء؟
وتتوقف الورقة عند ما يثار بشأن دور «مجلس السلام» في ملف التعليم الفلسطيني، وتفرق بين ما يمكن إثباته وما لا يزال في دائرة الادعاء.
وتشير إلى أن الخطة الأمريكية ذات البنود العشرين تربط دور السلطة وأفق الدولة ببرنامج إصلاحي، فيما تتحدث مصادر صحفية عن مسار تعليمي داخل ترتيبات غزة يتصل بما يسمى «إزالة التطرف». كما ينص قرار مجلس الأمن رقم 2803 على ربط استعادة السلطة الفلسطينية السيطرة على غزة باستكمال برنامج إصلاحي بصورة مرضية، وفق نص القرار.
أما الرواية التي تحدثت عن مطالبة السلطة باستبدال اسم «فلسطين» بـ«السامرة» في المناهج، فتتعامل معها الدراسة باعتبارها رواية غير مؤكدة، بسبب اعتمادها على مصدر غير مباشر ووجود نفي واضح لها.
وتشدد الورقة على أهمية عدم تحويل الأخبار غير الموثقة إلى حقائق، معتبرة أن قوة الموقف الفلسطيني لا تكمن في تضخيم الادعاءات، وإنما في التمييز بين الواقعة المثبتة والرواية المنسوبة والادعاء غير الموثق.
الوغزة.. وجهان للضغط على التعليم
وتعتبر الدراسة أن الالشرقية تقدم أوضح نموذج للتدخل المباشر، حيث بدأت السنة الدراسية 2026–2027 في ظل فرض المنهاج الإسرائيلي على عشرات الآلاف من الطلبة الفلسطينيين في مدارس البلدية، إلى جانب إجراءات أخرى تمس المدارس والمعلمين والمحتوى التعليمي.
وتلفت إلى أن المفارقة تتمثل في أن النقاش الدولي حول «إصلاح» المناهج الفلسطينية يجري في الوقت الذي يفرض فيه الاحتلال منهاجه على طلبة فلسطينيين في مدينة محتلة.
أما قطاع غزة، فتصفه الورقة بأنه يواجه تفتيتًا تعليميًا فوق أنقاض نظام مدرسي منهار، بعد تدمير أو تضرر غالبية المدارس وحرمان مئات آلاف الطلبة من التعليم الحضوري.
وفي هذا السياق، تستعرض الدراسة نماذج تعليمية متعددة تعمل في غزة، من بينها برامج تنفذها الأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة التربية، إلى جانب مبادرات تعليمية أخرى تتولى جهات خارجية إدارتها أو تطوير محتواها.
وتحذر الورقة من أن استمرار هذا الوضع قد ينتج تدريجيًا تعددًا في المناهج والمعايير التعليمية بين غزة والضفة وال، بما يحول التعليم من أداة لبناء وحدة المجتمع الفلسطيني إلى أحد مظاهر التفكك السياسي والجغرافي.
المشكلة الفلسطينية.. غياب مرجعية وطنية موحدة
ولا تحصر الورقة مسؤولية الأزمة في الأطراف الخارجية، بل ترى أن إحدى أضعف حلقات الموقف الفلسطيني تتمثل في غياب مرجعية وطنية مستقلة وموثوقة لتقييم المناهج، وتعدد الخطابات الرسمية بشأن ما تم تغييره وما لم يتم تغييره.
وترى أن هذه الثغرة تمنح التقارير الخارجية نفوذًا أكبر من حجمها، لأن الفلسطينيين لا يقدمون بديلًا مؤسسيًا قادرًا على مراجعة الأدلة بندًا بندًا، والرد على الادعاءات بمهنية، وتحديد ما يحتاج إلى تعديل وما يمثل جزءًا لا يقبل التفاوض من الهوية والرواية الفلسطينية.
ومن هنا، تقترح الدراسة الانتقال من موقف دفاعي إلى مبادرة فلسطينية للمراجعة، تقوم على مرجعية اليونسكو، ولجنة وطنية مستقلة، وأرشيف مفتوح للطبعات المختلفة، ودليل تحريري واضح للمناهج الجديدة.
أمام الفلسطينيين نافذة حتى نهاية 2026
وتحذر الورقة من أن الفترة المتبقية حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2026 تمثل نافذة زمنية مهمة، إذ يمكن أن يتحول الغموض الحالي إلى ضغط أكبر على التمويل والتعليم إذا لم تبادر السلطة إلى توضيح التزاماتها وإدارة الملف.
وتقترح الدراسة، في هذا السياق، اعتماد مرجعية اليونسكو بشأن التربية من أجل السلام وحقوق الإنسان لتقييم المنهاج، ونشر رسالة النوايا ومصفوفة الإصلاح، وتوحيد الخطاب الرسمي، وإنشاء لجنة مراجعة وطنية مستقلة.
كما تدعو إلى إجراء مراجعة موازية للمناهج الإسرائيلية، وإعداد ملف قانوني بشأن فرض المنهاج الإسرائيلي في ال، ووضع إطار فلسطيني لترخيص مقدمي التعليم في غزة، وتوسيع برامج التعليم الطارئ بالتعاون مع الأمم المتحدة، والعمل تدريجيًا على تنويع مصادر تمويل التعليم.
وتخلص الورقة إلى أن المعركة على المناهج الفلسطينية ليست فقط حول مضمون الكتب، وإنما حول الجهة التي تضع المعيار وتمتلك حق تطبيقه، داعية إلى مراجعة ما يستحق المراجعة بمعايير مهنية مستقلة، مع الحفاظ على عناصر الهوية الوطنية والرواية الفلسطينية، ومنع تحويل المراجعة التعليمية إلى أداة لإعادة تعريف التاريخ الفلسطيني من خارج المجتمع الفلسطيني.
