
طريقنا طويلة ومتعددة الأحداث، ويتطلب الأمر اجتهادًا راشدًا يتماشى مع ثوابتنا الإسلامية، العربية، والفلسطينية في كل قضية وموقف، خصوصًا من قبل كل مسؤول، بغض النظر عن اسمه أو نوع مسؤوليته أو وزنها أو نطاق تأثيرها. فقد يصيب هذا المسؤول في اجتهاده، وقد يخطئ، وقد ينجح في اجتهاد ويخطئ في عشرة اجتهادات، ولكنه يبقى معذورًا طالما أنه يتبع ثوابتنا الإسلامية، العربية، والفلسطينية حتى لو أخطأ.
لكن إذا اجتهد بعيدًا عن هذه الثوابت مخالفًا لها، فإنه لم يجتهد بل انحرف. وهناك فرق شاسع بين الاجتهاد والانحراف، ومع ذلك، سواء كان هذا التعثر من مسؤول أو آخر، يحق لجماهيرنا في الداخل أن تخبره بأدب أنه أخطأ، دون تكفير أو تجريح، وهو مطالب بأن يستمع لهذه الجماهير في كل مرة تقول له فيها أخطأت، حتى لو كررت ذلك مئة مرة. لذلك، يُعتبر المسؤول مسؤولاً لأنه يُساءل عن كل قول أو عمل أو موقف، وإذا رفض أن يُساءل، فإنه يفقد صفة المسؤولية وأصبح عاديًا كأي فرد من جماهيرنا.
ويجب أن تبقى هذه العلاقة الديناميكية بين جماهيرنا ومسؤوليها قائمة ودائمة، لأنها مصدر قوة، وليست ضعفًا، وهي تهدف إلى النقد الصحيح وليس إلى الحقد، وتصحيح المسار وليس التجريح، والتوجيه وليس التهكم.
وإذا تم إلغاء هذه العلاقة، فإن المجتمع سيخضع لسلطة فرعونية كما قال القرآن الكريم: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” (سورة غافر: 29)، وهذا سيؤدي إلى أن تصبح الجماهير سطحية تساير كل حركة من يتحكم فيها. إذًا، يصبح المجتمع إمعات، يحسن ما حسّن ويقبح ما قبّح ويكذب ما كذّب ويصدق ما صدق.”
فيا ويل هذه الجماهير إذا رضيت لنفسها أن تواصل هتافها للمسؤول دون التفكير في صواب قراراته، فإنها بذلك قد ألغت دورها وكرامتها ورضيت بأن تكون مجرد عدد بلا قيمة، ومظهرًا بلا جوهر، وجعجعة بلا طحن، وهو ما يجب أن يتجنب كل واحد منا في مجتمعنا.
وقد شهد التاريخ مسؤوليات فرعونية تحكمت في الشعب، كما جاء في القرآن الكريم: “فاستخف قومه فأطاعوه” (سورة الزخرف: 54). فهل يُعقل أن يتساهل مجتمعنا أمام توترات تتسبب في تفكيكه وانتزاع هويته؟!
من المسلمات أنه لا يوجد مسؤول معصوم، وكل مسؤول مسؤول عن أعماله، ويجب على الجماهير أن تصيغوا النقد المدروس والمبني على الأسس والمبادئ السليمة.
كما يجب أن نكون صادقين في تقييماتنا، ولا بد من ملاحقة النقد للأداء، فكل مسؤول ليس فوق النقد، ويتوجب استمرارية الحوار والمناقشة البناءة.
إننا نعيش في أوقات حرجة، حيث تتزايد التحديات، لذا يتعين علينا المضي قدمًا في إحترام الرأي وتقبل النقد للوصول إلى حلول فعالة.
