
مع اندلاع الحرب على قطاع غزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ظهر التحول في الموقف الهندي تجاه إسرائيل بصورة أكثر وضوحًا. فقد أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تضامنه مع إسرائيل، وأكد أن بلاده تدين الإرهاب، فيما واصلت نيودلهي في الوقت ذاته إعلان دعمها حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وبعد أيام من بدء الحرب، تلقى مودي اتصالًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقال رئيس الحكومة الهندية إن بلاده تقف إلى جانب إسرائيل في تلك المرحلة. وفي وقت لاحق، قال السفير الإسرائيلي لدى الهند إن مودي كان أول زعيم عالمي يتصل بالقيادة الإسرائيلية عقب 7 أكتوبر.
لكن موقف الهند خلال الحرب لا يمكن فصله عن مسار أوسع امتد لعقود، إذ لم تكن نيودلهي تاريخيًا في الموقع السياسي نفسه الذي تقف فيه اليوم تجاه إسرائيل. فعلى مدى سنوات طويلة، ارتبطت السياسة الهندية الخارجية بعلاقات وثيقة مع الدول العربية، وبموقف معلن داعم للقضية الفلسطينية.
وكانت الهند من أوائل الدول التي أقامت علاقة رسمية مع منظمة التحرير الفلسطينية؛ ففي عام 1974 أصبحت أول دولة غير عربية تعترف بالمنظمة ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني، ثم اعترفت بدولة فلسطين عام 1988. كما حافظت على دعمها السياسي للفلسطينيين، وقدمت مساعدات ومشاريع تنموية في الأراضي الفلسطينية.
وفي المقابل، كانت الهند قد اعترفت بإسرائيل رسميًا في أيلول/سبتمبر 1950، لكنها لم تقم معها علاقات دبلوماسية كاملة آنذاك. واستمرت العلاقة لسنوات ضمن إطار محدود، قبل أن تتغير بصورة أساسية مطلع تسعينيات القرن الماضي. وفي عام 1992، افتتحت الهند وإسرائيل سفارتيهما وأقاما علاقات دبلوماسية كاملة، لتدخل العلاقة مرحلة جديدة.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ التعاون بين الجانبين يتوسع في مجالات عدة، وفي مقدمتها الدفاع والأمن والزراعة والمياه والتكنولوجيا. وتطور التعاون العسكري بصورة خاصة، حتى أصبحت إسرائيل موردًا مهمًا للسلاح إلى الهند، فيما توسعت الشراكة لتشمل أنظمة الدفاع والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الأمنية.
وشكلت حرب كارجيل عام 1999 محطة بارزة في هذا المسار، إذ تعزز التعاون العسكري بين البلدين خلال الحرب، قبل أن تتوسع العلاقات الدفاعية في السنوات اللاحقة إلى مجالات وتقنيات متعددة.
ومع وصول مودي إلى رئاسة الحكومة عام 2014، أصبحت العلاقة مع إسرائيل أكثر انفتاحًا على المستوى السياسي. وفي عام 2017، أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل، في خطوة عكست مستوى التحول الذي طرأ على العلاقات بين البلدين. وفي العام التالي، زار نتنياهو الهند، واستمر الطرفان في توسيع التعاون في الدفاع والتكنولوجيا والزراعة والمياه والاقتصاد.
وفي الوقت نفسه، لم تتخلَّ الهند رسميًا عن علاقاتها مع الفلسطينيين. ففي عام 2018، زار مودي رام الله في أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى فلسطين، والتقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأكد دعم بلاده للشعب الفلسطيني ولتنمية الأراضي الفلسطينية.
لكن الفارق كان في مستوى العلاقة مع إسرائيل؛ فبينما حافظت الهند على موقفها الرسمي المؤيد لحل الدولتين، أصبحت شراكتها مع إسرائيل أكثر اتساعًا واستقلالًا عن سياستها التقليدية تجاه القضية الفلسطينية. وتشير بيانات وزارة الخارجية الهندية إلى أن التعاون بين البلدين شمل الدفاع والأمن والمياه والزراعة والتكنولوجيا، فيما ارتفعت قيمة التجارة بينهما خلال العقود التي أعقبت إقامة العلاقات الدبلوماسية.
ومع الحرب على غزة، برزت أوجه جديدة لهذا التقارب، بينها ملف العمالة الهندية في إسرائيل، في ظل النقص الذي أصاب قطاعات من سوق العمل الإسرائيلي بعد القيود التي طالت دخول العمال الفلسطينيين. وبالتوازي، استمرت العلاقات الدفاعية والاقتصادية والسياسية بين الجانبين.
ومن هذا المسار ينطلق كتاب الصحفي آزاد عيسى «هندسة التواطؤ»، المرتقب صدوره العام المقبل، ليفتح نقاشًا حول طبيعة العلاقة الهندية الإسرائيلية خلال الحرب على غزة، والدور الذي أدته نيودلهي سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا، إلى جانب التعاون العسكري واستقدام العمالة الهندية إلى إسرائيل.
ويعيد الكتاب النظر في هذا التحول من زاوية العلاقة التي بدأت باعتراف هندي بإسرائيل، فيما كانت القضية الفلسطينية تحظى بموقع متقدم في سياسة نيودلهي الخارجية، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى علاقات دبلوماسية وشراكة استراتيجية واسعة.
وبينما لا تزال الهند تعلن رسميًا دعمها لإقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين، فإن مسار علاقاتها مع إسرائيل خلال العقود الأخيرة يكشف انتقالًا واضحًا من سياسة اتسمت بالحذر، إلى شراكة أصبحت أكثر حضورًا في السياسة الخارجية الهندية، وبرزت تداعياتها بصورة أكبر منذ اندلاع الحرب على غزة.
