
متابعة مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يتصدر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار»، المشهد الانتخابي، في مواجهة تعكس انقساما داخل المجتمع السياسي للاحتلال بشأن القيادة والأمن والحرب والعلاقة مع المجتمع الدولي.
ورغم تقديم آيزنكوت نفسه بديلاً لنتنياهو، فإن مواقفهما من القضية الفلسطينية تكشف عن مساحات اتفاق مهمة، أبرزها رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الظروف الحالية، والإصرار على استمرار السيطرة الأمنية للاحتلال، مع اختلافات في التعامل مع الاستيطان وإدارة قطاع غزة وطبيعة التحالفات الحكومية.
نتنياهو.. ثلاثة عقود من النفوذ السياسي
ولد بنيامين نتنياهو في 21 أكتوبر/تشرين الأول 1949، ونشأ في الالمحتلة، قبل أن يقضي جانباً من شبابه في الولايات المتحدة، حيث عمل والده المؤرخ بن تسيون نتنياهو.
التحق بوحدة «سييرت متكال» الخاصة في جيش الاحتلال عام 1967، ثم درس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، وعمل في القطاع الخاص قبل انتقاله إلى العمل الدبلوماسي والسياسي.
وتولى منصب سفير الاحتلال لدى الأمم المتحدة بين عامي 1984 و1988، ثم انتخب عضواً في الكنيست عن حزب الليكود، وصولاً إلى رئاسة الحزب عام 1993.
وصل نتنياهو إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، واستمر حتى عام 1999، قبل عودته إلى المنصب بين عامي 2009 و2021، ثم مجدداً منذ نهاية عام 2022.
وخلال هذه العقود، رسخ نتنياهو موقعه بوصفه أحد أبرز رموز اليمين لدى الاحتلال، مستنداً إلى خطاب يضع الأمن والقوة العسكرية ومواجهة إيران والفصائل الفلسطينية في مقدمة أولوياته.
وشهدت فترات حكمه توسعا استيطانيا في الضفة الغربية، إلى جانب حروب وعمليات عسكرية متكررة على قطاع غزة، وصولاً إلى حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
من مؤلفاته إلى رؤيته للصراع
لم يقتصر نشاط نتنياهو على السياسة، بل أصدر وحرر كتباً تناولت الأمن والصراع والهوية والعلاقات الدولية.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «مكان بين الأمم» الصادر عام 1992، الذي عرض فيه رؤيته لمكانة الاحتلال في المنطقة والعالم، وكتاب «محاربة الإرهاب» الصادر عام 1996، الذي ركز فيه على مواجهة التنظيمات المسلحة، إضافة إلى مذكراته «بيبي: قصتي» الصادرة عام 2022.
وتعكس هذه المؤلفات مركزية الاعتبارات الأمنية في خطابه السياسي، وربطه التسويات الإقليمية بموازين القوة والقدرة على الردع.
وعلى مستوى القضية الفلسطينية، اتسم موقف نتنياهو بتغيرات في الخطاب دون التخلي عن اشتراط السيطرة الأمنية للاحتلال.
ففي خطاب بار إيلان عام 2009، أعلن قبولا مشروطا بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لكنه عاد خلال السنوات اللاحقة إلى رفض إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر 2023.
وفي انتخابات الكنيست 2026، يواصل نتنياهو تقديم نفسه بوصفه صاحب الخبرة الأمنية والسياسية، فيما يواجه انتقادات داخلية بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، وإدارته للحرب، وعلاقته بحلفائه من اليمين المتطرف.
آيزنكوت.. من قيادة الجيش إلى المنافسة على الحكومة
ولد غادي آيزنكوت في 19 مايو/أيار 1960 بمدينة طبريا، ونشأ في “إيلات”، والتحق بجيش الاحتلال عام 1978 ضمن لواء «غولاني».
وتدرج في مناصب عسكرية متعددة، من بينها قيادة لواء «غولاني» وفرقة الضفة الغربية والمنطقة الشمالية، كما شغل منصب نائب رئيس الأركان، قبل تعيينه رئيساً لأركان جيش الاحتلال عام 2015، واستمر في المنصب حتى عام 2019.
وبعد انتهاء خدمته العسكرية، انتقل آيزنكوت إلى العمل السياسي، ثم برز في صفوف المعارضة، قبل أن يتولى قيادة حزب «يشار» الذي يخوض به انتخابات الكنيست الحالية.
وشارك آيزنكوت في حكومة الطوارئ ومجلس الحرب الذي تشكل بعد السابع من أكتوبر 2023، قبل أن يغادره عام 2024 على خلفية خلافات بشأن إدارة الحرب وغياب استراتيجية واضحة لمرحلة ما بعدها.
وتعرض آيزنكوت لخسارة نجله خلال الحرب، بعد مقتله في معارك قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، وهي واقعة حضرت في خطابه السياسي خلال حملته الانتخابية.
«عقيدة الضاحية».. أبرز ما ارتبط باسم آيزنكوت
على خلاف نتنياهو، الذي قدم رؤيته من خلال الكتب والخطابات السياسية، ارتبط اسم آيزنكوت بوثائق عسكرية ومفاهيم عملياتية أثرت في عقيدة جيش الاحتلال.
ومن أبرزها «عقيدة الضاحية»، التي ارتبطت بتصريحاته خلال توليه قيادة المنطقة الشمالية بعد حرب لبنان عام 2006، وتقوم على التهديد باستخدام قوة نارية واسعة ضد مناطق وبنى تحتية يقول الاحتلال إن جماعات مسلحة تستخدمها.
وتستند هذه المقاربة إلى إيقاع أضرار كبيرة بهدف تحقيق الردع، وهي من أكثر المفاهيم العسكرية المرتبطة باسم آيزنكوت إثارةً للجدل، لما تطرحه من تساؤلات بشأن حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
وفي عام 2015، أصدر آيزنكوت وثيقة «استراتيجية جيش الاحتلال»، التي تناولت طبيعة التهديدات وسبل استخدام القوة العسكرية، وركزت على مواجهة التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها حركتا حماس وحزب الله.
وجرى تحديث الوثيقة عام 2018، مع توسيع الاهتمام بالعمليات العسكرية بين الحروب، والقدرات الاستخباراتية والسيبرانية، والعمليات البرية المشتركة.
وتظهر هذه الوثائق أن آيزنكوت ينطلق من خلفية عسكرية ترى في الردع والعمليات الاستباقية واستخدام القوة أدوات رئيسية لإدارة الصراع.
ماذا يقول آيزنكوت عن الدولة الفلسطينية؟
رغم تصنيفه ضمن التيار الوسطي في المشهد السياسي للاحتلال، لا يتبنى آيزنكوت إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المرحلة الحالية.
وفي مقابلة نشرتها صحيفة «يسرائيل هيوم» في أغسطس/آب 2026، وصف الاعتقاد بإمكان تطبيق حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر 2023 بأنه تصور غير واقعي.
وفي المقابل، انتقد آيزنكوت مشروع الاستيطان في المنطقة المعروفة باسم «E1» شرقي الالمحتلة، محذراً من تداعياته، كما انتقد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين والبؤر الاستيطانية غير المرخصة وفق قوانين الاحتلال.
ويكشف هذا الموقف عن اختلافه مع نتنياهو وحلفائه بشأن حدود التوسع الاستيطاني وأساليب إدارته، لكنه لا يمثل تبنياً للحقوق السياسية الفلسطينية أو قبولاً بإقامة دولة مستقلة.
الموقف من غزة والضفة
في قطاع غزة، يتفق نتنياهو وآيزنكوت على المطالبة بنزع سلاح حركة حماس، ورفض عودتها إلى حكم القطاع، مع التمسك بالدور الأمني للاحتلال.
لكن آيزنكوت ينتقد طريقة نتنياهو في إدارة الحرب، ويطرح تغيير إدارة القطاع ضمن إطار زمني محدد، باستخدام الترتيبات السياسية أو القوة العسكرية، بينما يتمسك نتنياهو بشروطه الأمنية ويربط الانسحاب وترتيبات إعادة الإعمار بنزع سلاح الحركة.
وفي الضفة الغربية، يظهر التباين بصورة أوضح في ملف الاستيطان.
فقد شهدت حكومات نتنياهو توسعاً في البناء الاستيطاني ودعماً سياسياً لخطط تعزز سيطرة الاحتلال على الأرض، في ظل مشاركة أحزاب تدعو إلى الضم في ائتلافه الحكومي.
أما آيزنكوت، فيؤيد استمرار المستوطنات التي تعدها سلطات الاحتلال قانونية، لكنه يعارض البؤر الاستيطانية غير المرخصة وبعض مشاريع التوسع، ويرفض اعتداءات المستوطنين.
ولا يغير هذا التمييز من الوضع القانوني الدولي للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي يعدها القانون الدولي غير قانونية.
وتزامناً مع انتخابات الكنيست، يفرض الاحتلال إغلاقاً شاملاً على الضفة وغزة يوم الانتخابات ويجري مناورات عسكرية واسعة، في مؤشر على حساسية الاستحقاق. الاحتلال يفرض إغلاقا شاملا على الضفة وغزة يوم الانتخابات ويجري مناورات عسكرية واسعة.
