
الالمحتلة-خاص متابعات في الجهة الشرقية من المسجد الأقصى، لا تبدو الإجراءات المتصاعدة حول باب الرحمة مجرد اقتحامات متفرقة، بل مساراً يمتد من المصلين إلى المصلى والمعالم المحيطة به. الباحث في شؤون الأقصى والزياد بحيص، في حديثه لـ«»، يضع هذه التطورات ضمن سياق أوسع يرى أنه يستهدف إعادة تشكيل واقع المنطقة الشرقية من المسجد.
ومنذ إعادة فتح الأقصى في 9 نيسان/أبريل 2026، بعد إغلاق استمر 40 يوماً، بدأت شرطة الاحتلال بتكثيف إجراءاتها في باب الرحمة، وكان الإبعاد من أبرز أدواتها. وقال بحيص لـ«» إن قرارات الإبعاد تصاعدت بحق مرابطين اعتادوا الصلاة في المصلى وخدمته وتنظيفه وإعماره، بعدما أصبح وجود بعضهم فيه جزءاً ثابتاً من حياتهم اليومية.
ولم تتوقف الإجراءات عند الإبعاد، إذ تكررت اقتحامات الشرطة للمصلى في الأيام العادية وأيام الجمعة، مع طلب هويات المصلين وترهيبهم ثم إخراجهم، ولا سيما بعد صلاتي العصر والمغرب. ووفق قراءة الباحث، فإن تكرار هذه الممارسات يدفع باتجاه إبقاء باب الرحمة خالياً من المصلين، وتحويل الحضور فيه إلى استثناء بدلاً من كونه مشهداً طبيعياً من مشاهد العبادة في الأقصى.
وفي 18 أيلول/سبتمبر الجاري، أخذ المشهد شكلاً أكثر مباشرة، بعدما اقتحمت شرطة الاحتلال باب الرحمة أثناء خطبة الجمعة بالأحذية. وصرّح بحيص لـ«» بأن هذه الممارسات تتصل أيضاً بمحاولة فرض تعريف مختلف للمكان، من خلال عدم الاعتراف به مسجداً والترويج له باعتباره «مسجداً مستحدثاً في جبل الهيكل».
لكن الإجراءات، بحسب الباحث، لا تقتصر على باب الرحمة نفسه.
فوق المصلى تقع قبة الإمام الغزالي، التي يشير بحيص إلى أنها مفرغة منذ عام 2022، فيما أُفرغت دار الحديث الشريف الواقعة إلى شماله منذ 3 شباط/فبراير 2026. أما الساحة المزروعة جنوب المصلى، فتأتي أيضاً ضمن المساحات التي يقول إن إجراءات تفريغ تطالها.
قبل 7 أكتوبر.. تضييق ومحاولات متكررة للسيطرة
وقبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان باب الرحمة قد مرّ بسنوات من الإغلاق والملاحقة ومحاولات فرض السيطرة عليه. ويستعيد بحيص في هذا السياق قرار المحكمة الإسرائيلية بإغلاق المصلى عام 2003، ثم مشروع «البحث في أتربة الهيكل» الذي ظهر عام 2012، وتناول الردم الموجود في الساحة الشرقية وربطه بفترة الهيكل الثاني وفق الرواية التوراتية.
وأوضح الباحث لـ«» أن التعامل مع الردم لم يكن منفصلاً، في قراءته، عن محاولة بناء رواية تاريخية ودينية تمنح الساحة الشرقية ارتباطاً يهودياً.
وفي 2018، عادت المواجهة إلى المكان بصورة مباشرة، بعدما وضعت شرطة الاحتلال نقطة لـ«حرس الحدود» فوق باب الرحمة، عقب أعمال إعمار نفذها المصلون في الساحة الشرقية خلال رمضان.
ثم جاءت محاولة السيطرة على المصلى في شباط/فبراير 2019، والتي تحولت إلى هبة شعبية انتهت بإعادة فتح باب الرحمة وعودة الصلاة إليه، وتثبيت حضوره جزءاً من المسجد الأقصى.
ويشير بحيص كذلك إلى أن مؤسسة الأقصى للوقف والتراث كانت قد كشفت عام 2013، قبل حظرها، عن مخطط نوقش داخل حزب الليكود لتخصيص المنطقة المحيطة بباب الرحمة للمستوطنين.
بعد الحرب.. إجراءات داخل الأقصى وأثناء الصلاة
لكن المشهد، وفق قراءة بحيص، اتخذ منحى أكثر اتساعاً بعد 7 أكتوبر. ويحدد 13 آذار/مارس 2024 كنقطة تحول، قائلاً لـ«» إن الدوريات المسلحة بدأت حينها بالتحرك داخل المسجد الأقصى أثناء الصلاة، وهي ممارسة لم تكن قائمة قبل ذلك التاريخ.
ومع الوقت، تحولت هذه الدوريات إلى نقاط تمركز داخل المسجد، قبل أن تتوسع مهامها، وفق معطيات الباحث، لتشمل إجراءات تفتيش للمصلين خلال رمضان 2025. وبذلك أصبح الوجود الأمني حاضراً داخل ساحات الأقصى وأثناء العبادة، لا عند مداخله فقط.
وفي الجهة الشرقية، تزامن ذلك مع تصاعد اقتحامات المستوطنين. وخلال أسبوع واحد في أيلول/سبتمبر 2026، بلغ عدد المقتحمين 1236 مستوطناً، وفق معطيات أوردها بحيص لـ«»، فيما اقتحم 195 مستوطناً المسجد في 17 أيلول وحده.
ولم تقتصر التطورات على أعداد المقتحمين، إذ شهد محيط باب الرحمة ومقبرته طقوساً دينية يهودية متكررة، بينها نفخ «الشوفار»، إلى جانب تجمعات ودعوات لإقامة صلوات أسبوعية في الموقع.
ولفت بحيص إلى أن تزامن هذه المظاهر مع تراجع الحضور الإسلامي في بعض المساحات المحيطة بباب الرحمة يضع المنطقة، وفق قراءته، أمام مرحلة مختلفة عما كان سائداً قبل الحرب.
من استهداف المصلى إلى تفريغ محيطه
الفارق الذي يلفت إليه الباحث بين المرحلتين أن الضغط قبل الحرب كان يظهر بصورة أكبر في الإغلاق والملاحقة ومحاولات السيطرة على المصلى، بينما يتخذ اليوم أشكالاً متزامنة تبدأ بالإبعادات ولا تنتهي عندها.
مصلٍّ يُبعد، وآخر يُخرج، ومصلى يُقتحم أثناء الصلاة، ومعلم يُفرغ، ودورية مسلحة تتحرك بين المصلين، وطقوس دينية يهودية تتكرر في محيط المنطقة.
وقال بحيص لـ«» إن اجتماع هذه الإجراءات في المساحة نفسها يمنحها دلالة تتجاوز كل واقعة منفردة، وقد يقود استمرار تفريغ باب الرحمة والمعالم المحيطة به إلى تغيير تدريجي في طبيعة الجهة الشرقية من الأقصى.
فالمصلى الذي شكّل عام 2019 عنواناً لمواجهة انتهت بإعادة فتحه، يواجه اليوم مساراً مختلفاً؛ مساراً يبدأ بالإبعادات ويمتد إلى تفريغ محيطه وتغيير طبيعة الحضور في المكان، بما يجعل باب الرحمة، وفق قراءة بحيص، نقطة مركزية في أي محاولة لإعادة تشكيل واقع الجهة الشرقية من المسجد الأقصى.
