في ليلة واحدة، تمكن الحوثيون من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي على طول الساحل اليمني للبحر الأحمر، واستولوا على المنطقة إلى حدود شبه الجزيرة العربية عند مضيق باب المندب، واحتلوا جزيرة ميون الاستراتيجية وسط المضيق.
بحسب المحلل الأمريكي جريج بريدي، كان انهيار القوات الحكومية اليمنية “أسهل مما كان متوقعاً”، مما أتاح للحوثيين الاستيلاء على كميات هائلة من المعدات المقدمة من السعودية، وهو ما أثار مقارنات مع هزيمة الجيش العراقي أمام داعش في الموصل عام 2014، وانهيار قوات بشار الأسد في ديسمبر 2024.
انهيار سريع للقوات الحكومية ومكاسب حوثية
وأشار بريدي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمركز المصلحة الوطنية الأمريكي، في تحليل نُشر في مجلة ناشونال إنتريست، إلى أن الضربات الصاروخية الحوثية التي استهدفت خط الأنابيب السعودي الذي يربط شرق البلاد بغربها، أدت إلى توقف العمل بهذا الشريان الحيوي الذي يتجاوز مضيق هرمز، “على الأقل في الوقت الراهن”.
في تلك الأثناء، كانت أسواق النفط تستوعب تقريراً نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول التراجع الحاد في صادرات المملكة من النفط، حتى قبل توقف خط الأنابيب عن العمل بسبب التهديدات الحوثية للسفن السعودية في البحر الأحمر.
تحذيرات من فشل سياسة الضغط على إيران
في ذات السياق، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 11 سبتمبر أن مستشاري الرئيس دونالد ترامب أبلغوه بالاحتمالية بأن الاستراتيجية الأمريكية الحالية – القائمة على حصار بحري وضغوط اقتصادية شديدة – قد تفشل في إجبار إيران على الاستسلام قبل انتهاء فترة ولايته في يناير 2029.
وعلى الرغم من هذه النظرة القاتمة للحرب، “لم يقترح مساعدو ترامب العودة إلى طاولة المفاوضات مع تعديل الموقف الأمريكي لينعكس هذه الحقيقة”. بالرغم من ذلك، واصل ترامب استخدام كلمة “الاستسلام” لوصف النتيجة التي يتوقعها من الضغوط الممارسة على إيران.
ولم تشير التقارير إلى تكليف ترامب لمسؤولين بارزين بوضع استراتيجية تفاوضية أكثر واقعية، “حيث يبدو أن مساعدي الرئيس يعتقدون أن الوضع الحالي، المتسم بحرب محدودة وضغوط اقتصادية، يمكن أن يستمر لفترة طويلة، حتى لو انتقلت المسؤولية عنه إلى خليفته… كما يبدو أن نائب الرئيس، جيه. دي. فانس، لديه وجهة نظر مختلفة إلى حد ما، لكنه لا يبدو مستعدًا لمواجهة ترامب حول هذه القضية لافتقاره للسلطة”.
يؤكد المحلل بريدي أن هذا الأمر يجب أن يثير القلق في واشنطن، حيث بدأت سوق النفط تستعيد عافيتها بعد حالة من الاطمئنان سادت خلال الصيف، مع ارتفاع أسعار خام برنت بشكل ملحوظ بسبب الأنباء الأخيرة، “ولا يزال لدى الكثير إحساس زائف بالأمان لعدم إدراكهم التحليل الكمي لأسواق النفط”.
وأشار بريدي إلى أنه بعد انحسار الصدمة الأولية للحرب، سادت قناعة تقليدية في السوق خلال أوائل الصيف أن الأزمة مع إيران تتجه نحو تسوية عبر التفاوض، وأن الاحتياطيات الاستراتيجية والمخزونات التجارية ستكون كافية لامتصاص الصدمة.
ولكن، بات واضحًا الآن أنه “لن يكون هناك تسوية سريعة”، وأن أكثر من ستة أشهر من خسائر الإمدادات أدت إلى استنزاف كبير في كل من المخزونات الاستراتيجية والتجارية.
مخاوف من قفزة جديدة في أسعار النفط
إضافةً إلى ذلك، فإن وضع مخزونات المنتجات البترولية أسوأ، بسبب تعرض الطاقة العالمية للتكرير لضربتين جيوسياسيتين كبيرتين: فقدان طاقة التكرير الخليجية الموجهة للتصدير، والتي انقطعت عن وسائل النقل المعتادة، وتعطل ما يقرب من نصف طاقة التكرير الروسية نتيجة هجمات الطائرات المسيرة من أوكرانيا.
كما يُعاني سوق الديزل من نقص في الإمدادات، حيث بلغ متوسط سعره في أمريكا 6 دولارات للجالون في 10 سبتمبر. وقد تبدو أسعار البنزين أكثر وضوحا للمستهلكين، لكن خبراء الاقتصاد يعلمون أن الديزل يساهم أيضًا في التضخم.
ويشير التحليل إلى أن كل ذلك “يُرجح أن يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة في الاجتماع المزمع الأسبوع المقبل، رغم رغبة الرئيس ترامب المعلنة مراراً في انتهاج سياسة نقدية تيسيرية”.
كما أضاف بريدي أن مسؤولي الإدارة الأمريكية لطالما تطرقوا إلى ناقلات النفط التي ترافقها سفن أمريكية ولا تزال تعمل عبر “طريق سلطنة عُمان” من خلال مضيق هرمز.
ومع ذلك، “يسخر معظم العاملين في القطاع الخاص من الأرقام التي أعلنتها الإدارة، نظراً لأن المحللين يستطيعون تتبع الناقلات عبر صور الأقمار الصناعية حتى عندما تكون أجهزة الإرسال الخاصة بها متوقفة عن العمل.
بالإضافة إلى ذلك، حركة الناقلات هذه محدودة بسبب غياب التغطية التأمينية”. كما لفت إلى أن معظم الناقلات التي تنقل النفط الخام عبر مضيق هرمز إلى خليج عُمان حالياً مملوكة لشركات النفط الوطنية في دول الخليج، وبالتالي يمكنها تحمل المخاطر، “بينما لن تفعل ناقلات القطاع الخاص ذلك”.
يعتقد بريدي أنه قد يكون “من قبيل الهرطقة داخل الإدارة الأمريكية الاعتراف بذلك، لكن معظم مراقبي القطاع الخاص لا يتوقعون ارتفاع كميات النفط الخارجة من المضيق كثيراً عن متوسط مستوياتها الحالية”.
كما أن المكاسب الأخيرة التي حققها الحوثيون تفاقم الوضع، “من خلال اختناق حركة النقل عبر البحر الأحمر، فضلاً عن إغلاق خط الأنابيب الذي ينقل النفط الخام السعودي إلى الموانئ هناك، على الأقل في الوقت الراهن. سوف يُعاد إصلاح الخط، لكنه معرض للهجوم مرة أخرى”.
كلفة استراتيجية لواشنطن
من المتوقع أن يؤدي استمرار الوضع الراهن مع إيران إلى ارتفاع أسعار النفط حتى ينخفض الطلب بصورة كافية، وهو ما يُنتظر أن يكون مدفوعاً بشكل كبير بتباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.
بخلاف دوائر النفط، “قد يبدو أن شبح وصول سعر الخام إلى 150 دولاراً للبرميل قد غاب، لكن في ظل هذه الظروف المتغيرة، لم يعد الأمر كذلك”.
أخيرًا، وبعيدًا عن الوضع الاقتصادي الذي قد يصبح غير محتمل في حال استمرار الوضع الراهن لعامين آخرين، فإن ذلك سيضر بموقف الولايات المتحدة في المنطقة بشكل أكبر بكثير”.
باستثناء دولة الإمارات، “التي لا يزال لديها خط أنابيب بديل قيد التشغيل، فإن دول الخليج الأخرى تتحمل الضربة بشكل مباشر. على الرغم من أن العراق قد أعاد توجيه بعض تدفقات النفط وتشغيلها، إلا أنه سيواجه وضعًا ماليًا لا يُمكن تحمله خلال أشهر. كما أن قطر لديها أصول، لكنها تحقق إيرادات محدودة جداً من الغاز الطبيعي المسال أو النفط”.
سوف تتأثر مصر أيضًا بارتفاع أسعار النفط وبنقص إيرادات قناة السويس، “وهي إيرادات مهمة جداً لموازنة الدولة”. وفقًا لبريدي، هذه ليست سوى أمثلة قليلة، وإذا استمرت أمريكا في تجاهل معاناة هذه الدول واصلت الضغط على إيران من خلال الحصار، فإن ذلك سيضع هذه العلاقات أمام اختبار صعب”.
ختامًا، يوضح بريدي أن إدارة ترامب “بحاجة إلى استراتيجية جديدة، بعدما بدا أنها أدركت أن النهج الحالي لن ينجح ضمن إطار زمني مقبول، وأنه يتسبب في أضرار جانبية كبيرة للولايات المتحدة وشركائها”. لا يمكن ترك هذا الأمر “يسير بصورة آلية دون التدخل.
تحرير: حسن زنيند
