
خاص: لم تبدأ علاقة «الحركة الزراعية في لبنان» مع الجنوب اللبناني عند العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023. بل سبقتها سنوات من العمل مع مزارعين في القرى الحدودية، حيث لا تزال الأراضي تحمل آثار السيطرة العسكرية السابقة، وما تبع ذلك من ألغام وذخائر غير منفجرة، مما جعل الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية والعودة إلى استخدامها أكثر تعقيدًا.
لكن الحرب الأخيرة أعادت طرح القضايا التي تأسست عليها الحركة في سياق أكثر إلحاحًا. فمع استهداف المناطق الزراعية، ونزوح المزارعين، وتعذر الوصول إلى الحقول في بعض مناطق الجنوب، لم تعد الخسارة تُقاس فقط بمحصول مفقود أو موسم غير موفق، بل بقدرة المزارع على الإبقاء على وجوده في أرضه ومواصلة إنتاجه. وهنا تبرز الأسئلة التي تطرحها الحركة في صلب عملها: ما معنى السيادة على الغذاء عندما يُجبر المزارع على ترك أرضه؟ كيف يمكن الحفاظ على البذور المحلية إذا انقطعت صلتها بالحقول التي تزرع فيها؟ وماذا يتبقى من قدرة المجتمع على إنتاج غذائه عندما تصبح الأرض والمياه والبذور ومقومات الإنتاج نفسها عرضة للاستهداف؟
في هذا السياق، تعرف سارة سلوم الحركة التي ترأسها وكانت من مؤسسيها. حيث تُعرّف نفسها بأنها «فلاحة» وتصف «الحركة الزراعية» بأنها «مجموعة سياسية زراعية»، فهي ليست جمعية بيئية ولا مشروعًا تقنيًا لتحسين الإنتاج.
فالزراعة، وفق هذا التصور، ليست قطاعًا منفصلًا عن السياسة، بل مدخل لأسئلة تتعلق بمن يملك الموارد ويديرها، وبعلاقة المزارع بالأرض والمياه والبذور، والسياسات التي تحدد ماذا يُزرع ولمن، ومدى قدرة المجتمع على إنتاج غذائه بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.
تزداد هذه الرؤية وضوحًا في الجنوب اللبناني، حيث وضعت الحرب العلاقة بين المزارع وأرضه وإنتاجه أمام تحديات تتجاوز الخسارة الاقتصادية. في هذا الحوار، تتحدث سلوم عن نشأة الحركة ومفهومها للسيادة على الغذاء، وعن البذور المحلية، وتجربتها في الجنوب قبل الحرب وخلالها، ومحاولات استعادة الإنتاج الزراعي في القرى المتضررة.
وفي قراءة الحركة، لا تنفصل هذه المسارات عن بعضها؛ فالبذور ليست منفصلة عن الأرض، والأرض ليست منفصلة عن المياه، والقدرة على إنتاج الغذاء ليست منفصلة عن الحرب والسيطرة على الموارد. وهي العلاقة التي تختصرها سلوم بقولها: «هي حرب أرض ومي وبذور. كل شيء».
«الحركة الزراعية».. مجموعة سياسية زراعية
كيف تعرفون «الحركة الزراعية» التي تعتبرونها حركة سياسية زراعية؟ أين تكمن السياسة في عملكم الزراعي، وكيف تشكل هذا التوجه منذ البداية؟
لم ندخل إلى الزراعة لمجرد محبتنا للزراعة. «الحركة الزراعية»، إذا أردتِ توصيفها، هي مجموعة سياسية زراعية، وليست مجرد مجموعة زراعية أو بيئية. نحن نزرع بالطبع ونعمل على البذور المحلية، لكن هدفنا الأساسي هو تحقيق العدالة في المنظومة الغذائية؛ بحيث لا تكون الموارد الطبيعية وعرق الناس عرضة للاستغلال.
ومن هنا تأتي أهمية مسألة الموارد ومن يسيطر عليها، سواء كان رأس المال الكبير أو العدو، الذي يتمثل بالنسبة إلينا في الكيان الإسرائيلي. نحن نتابع ما جرى لبنوك البذور في فلسطين والعراق وسوريا، ومن هنا ننظر إلى البذور كمشكلة تتجاوز الزراعة بمعناها التقليدي. «البذور هي أمن قومي، والمياه هي أمن قومي، والأرض كذلك». وهناك بالنسبة إلينا عدو داخلي يتماهى مع رأس المال الجشع، والعدو الخارجي.
لقد بدأ هذا التوجه يتبلور عمليًا منذ حوالي عام 2016، عندما بدأنا نرى مشكلة ديون المزارعين وهشاشة القطاع الزراعي، وحجم الظلم الذي يعاني منه المزارعون، فضلًا عن الظلم الأكبر الذي يتعرض له العاملون لديهم.
ومن هنا جاءت مسألة البذور والاعتماد على البذور المهجنة، وبدأنا نفكر في هذه القضية ونتواصل مع مجموعات وتجارب أخرى، من بينها تجارب فلسطينية. ومع تطور هذا المسار، أعلننا عن أنفسنا عام 2018 باسم «الحركة الزراعية».
تضعون «السيادة على الغذاء» في صلب عمل الحركة، وتصفونها بأنها مفهوم سياسي. ما الفرق بينها وبين «الأمن الغذائي» بالنسبة لكم؟
المنطلق الأساسي في عملنا هو السيادة على الغذاء، وهي بالنسبة إلينا مفهوم سياسي. هناك فرق بينها وبين الأمن الغذائي، حيث يمكن أن يعني الأمن الغذائي الحصول على «الكرتونة» وتحديد الدول غذاءك وعدد السعرات التي تحتاجين إليها.
أما في السيادة على الغذاء، فأنت تأكلين من أرضك ومن إنتاجك، وتكون هناك خطط وسياسات تحميك، بدل أن تتحولي إلى «حديقة خلفية» تنتج للخارج.
وهذا ما نراه في النموذج الزراعي الموجود لدينا: جزء من إنتاجنا الجيد، مثل الأفوكادو، يُباع للتصدير، فيما تُستخدم أراضٍ خصبة لتوفير غذاء موجّه نحو الخارج. وفي المقابل، نستورد جزءًا من الغذاء الذي نستهلكه.
خذ مثلاً الفول؛ نحن «بلاد الفول»، ورغم ذلك نستورد الفول. هنا يظهر الفرق بين توفر الغذاء وبين أن تكون لدينا سيادة فعلية على غذائنا وإنتاجنا.
تحتل البذور المحلية مساحةً أساسيةً في عمل الحركة. كيف بدأتم العمل عليها، ولماذا تصرون على إكثارها مع المزارعين بدلاً من الاكتفاء بحفظها؟
في البداية، بدأنا نبحث عن البذور المحلية لدى المزارعين. كنا نتجول في القرى ونسأل عنها، واكتشفنا أن المزارعين الذين ما زالوا يستخدمون هذه البذور أصبحوا قليلين.
فبدأنا نأخذ منهم البذور ونقوم بإكثارها، وكان لدينا كذلك إنتاج محدود من المزرعة التجريبية. ومن هناك، بدأنا نعقد لقاءات مع المزارعين، ونوزع عليهم البذور، ونعمل معًا على إكثارها.
لم نضع شروطًا على المزارعين عند توزيع البذور. نقول للمزارع: إذا استطعت في الموسم التالي أن تعيد لنا الكمية نفسها، كان بها، وإذا لم تستطع فلا مشكلة.
فإذا كان لدينا، مثلاً، عشرون كيلوغرامًا من الحمص، نُعطيها لمزارع، وإذا نجحت موسمه وتمكن في السنة التالية من إعادتها، نأخذها ونعطيها لمزارع آخر. بهذه الطريقة تستمر البذور في الانتقال والتكاثر بين المزارعين، بدل أن تبقى محصورة في مكان واحد.
نحن نؤمن بأنه لا يمكن جمع البذور ووضعها في خزانة أو براد والاكتفاء بذلك. «البذور يجب أن تعيش كل سنة»، يجب أن تبقى حية، وأن تُزرع من سنة إلى أخرى، حتى تحفظ في ذاكرتها التغيرات التي تمر بها.
لذا، بالنسبة إلينا، الحفاظ على البذور لا يعني تخزينها فحسب، بل إبقاءها في دورة الزراعة والإكثار مع المزارعين.
عملكم في الجنوب سبق الحرب الأخيرة. كيف كانت طبيعة عملكم في القرى الحدودية، وتحديدًا في البستان، قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
في عام 2023، عملنا لمدة أربعة أشهر في بلدة البستان الحدودية، ضمن عمل متعلق بالأراضي المتأثرة بالألغام ومخلفات الحروب السابقة. وكان بعض المزارعين يتحدثون عن مخاوفهم من وجود ألغام في أراضيهم.
البستان منطقة حدودية كانت مُحتلة سابقًا، وهي من المناطق الفقيرة. ولم يكن عملنا في هذا الملف محصورًا في البستان فقط؛ بل عملنا في مناطق أخرى أيضًا، بما فيها بلدتان في جبل لبنان.
تضع تجربة البستان جانبًا من أثر الحروب السابقة على الأرض في الجنوب أمام واقع الحرب الأخيرة. فقبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان المزارعون في المناطق الحدودية يعانون من آثار متراكمة، بما في ذلك إرث الألغام. ومع الحرب الأخيرة، اتسع الضرر الذي أصاب القطاع الزراعي، بالتوازي مع النزوح وتعطل الإنتاج وصعوبة الوصول إلى الحقول.
تكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» ووزارة الزراعة اللبنانية حجم هذه الضربة. ففي تقييم أجرته «الفاو» بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، حول آثار الحرب بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، قُدّرت الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي بنحو 118 مليون دولار، بينما تجاوزت الخسائر 586 مليون دولار، وكان جنوب لبنان ووادي البقاع الأكثر تضررًا.
مع بداية الحرب، طالبتم المزارعين بزيادة الزراعة وتوسيع المساحات المزروعة. ما الذي دفعكم إلى ذلك في وقت أصبحت فيه الزراعة أكثر صعوبة وخطورة؟
منذ بداية الحرب، بدأنا نقول للمزارعين: ازرعوا أكثر. وبعد ما رأيناه في غزة، ازداد إصرارنا على هذا الأمر، وطلبنا من المزارعين زيادة زراعتهم، وبدأنا نفكر في البحث عن أراضٍ إضافية يمكن زراعتها.
كنا نقوم بمحاولات لتوسيع المساحات المزروعة قدر الإمكان، ونشجع المزارعين على زراعة ما يستطيعون زراعته. بالنسبة إلينا، ما يحدث في غزة كان سببًا إضافيًا للدفع نحو زيادة الزراعة والحفاظ على الإنتاج قدر الإمكان.
لكن الدعوة إلى زيادة الزراعة اصطدمت بواقع آخر: مزارعون ومزارعات أُجبروا على النزوح وترك أراضيهم. كيف حاولتم الحفاظ على الإنتاج في ظل هذا الواقع؟
عندما نزح المزارعون، حاولنا الوصول إليهم في الأماكن التي نزحوا إليها. في صور، مثلًا، كانت هناك مزارعات نازحات يقمن في المدارس، وكان الغذاء يصل إليهن من بيروت.
بدأنا نبحث في كيفية العمل معهن في تلك المناطق، ومن خلال التواصل مع اتحاد البلديات وصلنا إلى أرض بدأنا العمل عليها مع المزارعات النازحات. تمت زراعة الأرض في يوليو/تموز 2024، وما زالت هذه المساحة بالنسبة إلينا «نقطة صمود» تُنتج فيها بذور محلية.
وخلال الحرب، حاولنا أيضًا دعم المزارعين من خلال شراء منتجاتهم، خاصّةً مع محدودية المساعدات المتاحة. وللمرة الأولى بدأنا نجمع تبرعات ونرسلها إلى الذين صمدوا في الجنوب، ومن بينهم المزارعون.
مع استمرار الحرب والاستهداف الإسرائيلي للجنوب، بدأتم تطرحون سؤال ما يمكن أن تتركه الحرب من آثار على الأرض. كيف تعاملتم مع هذا الجانب؟
عندما بدأ استخدام الفوسفور الأبيض في الجنوب، توجهنا إلى الجامعة الأميركية في بيروت وطرحنا المسألة: ماذا يمكن أن نفعل؟
وجدنا ضرورة وجود إطار منظم يسمح بأخذ عينات من المناطق المتضررة وفحصها رسميًا، لأننا كنا نتعامل مع ما نرى أنه مشكلة حقيقية قد تترك آثارًا. لكننا لم نتمكن من الوصول إلى إطار يسمح بإجراء هذا العمل كما كنا نريد.
بالتوازي مع ذلك، نعمل على تحسين التربة من خلال تجهيز مخصبات وتوزيعها على المزارعين، وحلول تعتمد على الكائنات الحية الدقيقة، بحيث يكون لدى المزارعين بدائل عن المواد الكيميائية.
في ظل استمرار الحرب، ومع بدء مسار العودة إلى القرى المتضررة في الجنوب خلال فترة وقف إطلاق النار، أطلقتم «للأرض… للجنوب: حملة لدعم الصمود». كيف تعاملتم مع إعادة الزراعة، وما الذي حدد خياراتكم فيما يجب زراعته؟
عندما بدأنا العمل في «للأرض… للجنوب: حملة لدعم الصمود»، كان أحد الأسئلة الرئيسية بالنسبة لنا: ماذا نزرع في الجنوب؟
لم يكن العمل بالنسبة إلينا مجرد توزيع غراس على المزارعين، بل كنا نفكر أيضًا في ما نزرعه، ونتحدث مع المزارعين عن الزراعة والسياسات والأرض. ومن هنا كان اختيار الزيتون جزءًا أساسيًا من عملنا.
الزيتون يعتبر بالنسبة إلينا «شجرة المستقبل فعليًا». إنه شجر بعلي، وهذا عنصر مهم جدًا مع التغيرات المناخية، وله أيضًا عائد اقتصادي، فضلًا عن ارتباطه العميق بالمنطقة. لذلك كان الزيتون جزءًا محوريًا في عملنا في الجنوب، وبدأنا توزيعه وزراعته مع المزارعين.
وطريقة عملنا ليست أنه نعطي المزارع الغرسة ونتوكل. نحن ننزل إلى الأرض ونزرع مع المزارعين، ونجلس معهم ونتحدث إليهم. هذا بالنسبة إلينا جزء من العمل نفسه، لأن علاقتنا بالمزارع لا تقتصر على تقديم الدعم، بل تقوم على العمل معه في أرضه.
في موازاة العمل على الأرض في الجنوب، طرحتم أيضًا «الزراعة كمقاومة». ماذا تعنون بهذا الطرح، ولماذا أصبح له أهمية أكبر خلال الحرب؟
«الزراعة كمقاومة» مبنية على دراسة عملنا عليها سابقًا، ثم وضعناها في إطار مبسط بثلاث لغات. الفكرة الأساسية بالنسبة إلينا هي أن الناس يجب أن تزرع.
ما رأيناه في غزة جعل هذا الأمر أكثر إلحاحًا، فنحن لا نريد أن يحدث لنا ما حدث هناك، ولذلك أصبح استمرار الناس في الزراعة بالنسبة إلينا مسألة أساسية.
عندنا في لبنان نعتمد بشكل كبير على استيراد غذائنا، وفي الوقت نفسه نعيش غلاءً وتراجعًا في القدرة الشرائية. لذلك يجب أن يزرع الناس، وألا يكون تأمين الغذاء معتمدًا فقط على الاستيراد والمساعدات.
