
خاص: في منطقة الرأس الأحمر بالأغوار الشمالية، يبدأ الصباح بسؤال يبدو بسيطًا، لكنه صار محيرًا لدى الجميع: من أين يأتي الماء؟
منذ حوالي ثلاثة أشهر، بدأ الحصار المفروض على المنطقة يتزايد تدريجيًا، وفي الأسبوع الماضي، وصل إلى مرحلة أكثر شدة عندما قام الجيش الإسرائيلي بحفر خندق عند آخر منفذ متبقي للمنطقة. منذ ذلك الحين، بات السكان معزولين عن محيطهم، بلا طريق للخروج، ولا إمكانية لإدخال احتياجات العائلات والمواشي.
يشير لطفي بني عودة، أحد سكان المنطقة ومربي الثروة الحيوانية، إلى أن آثار الإغلاق تمتد لتطال كافة جوانب الحياة، بدءًا من حظائر الأغنام وصولًا إلى مدارس الأطفال.
يقول: “نعيش في حصار خانق، لا مدخل ولا مخرج. المياه مقطوعة، ومواد الأعلاف لا تصل إلى الأغنام، والأطفال لم يتمكنوا من الذهاب إلى المدارس، وحتى المواد الغذائية أصبح إدخالها للعائلات أمرًا صعبًا”.
في حظائر المنطقة، تتجمع الأغنام حول ما يتوفر من الماء، بينما ينتظر أصحابها وصول الأعلاف. ويقدر لطفي أن هناك حوالي 15 ألف رأس من الأغنام في الرأس الأحمر، تعيش في ظروف قاسية بسبب انقطاع المياه وصعوبة إدخال الغذاء.
ولا يستطيع المربون، وفقًا لقوله، الاستعانة بالطبيب البيطري عند الحاجة، حيث إن الطريق المغلقة تمنع وصوله إلى المنطقة، وقد ظهرت مشاكل صحية في بعض مواليد الأغنام، مثل حالات الإسهال، من دون أن يتمكن أصحابها من الحصول على الرعاية البيطرية الملائمة.
لكن الحصار لا يقتصر على الماشية فقط. فالطفل الذي اعتاد الذهاب إلى المدرسة صباحًا أصبح عاجزًا عن الوصول إليها، والمريض الذي يحتاج إلى رعاية طبية باتت إمكانية وصوله للعلاج مرتبطة بفتح الطريق.
حتى تأمين الغذاء للعائلات أصبح مهمة شاقة، حيث إن السكان لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى القرى المجاورة لشراء احتياجاتهم، والمركبات لم تعد قادرة على الدخول إليهم كما كانت سابقًا.
أرض بلا مراعي
تأتي هذه الأزمة في منطقة ترتبط حياة سكانها بالأرض بشكل مباشر، حيث يعتمد مربو الماشية على المراعي، ويعتمد المزارعون على المياه لإنجاح محاصيلهم.
وفقًا للبيانات المتوفرة من المنطقة، كانت حوالي 360 ألف دونم تستخدم كمراعي لمربي الثروة الحيوانية، لكن الوصول إلى حوالي 90% منها أصبح محظورًا أو صعبًا. ومع تقلص مساحات الرعي، زادت حاجة المربين إلى الأعلاف، في وقت صار إدخالها إلى المنطقة تحديًا كبيرًا.
بهذا، يتكدس على كاهل المربي عبء فقدان المراعي وصعوبة الحصول على الأعلاف والمياه، مما يهدد مستقبل تربية الأغنام، وهي مصدر رزق أساسي للعائلات في المنطقة.
والزراعة تعاني أيضًا
في المقابل، يراقب المزارعون أراضيهم وهي تفقد قدرتها على الإنتاج. يتحدث لطفي عن الضرر الذي لحق بمحاصيل العنب والطماطم والفلفل بسبب نقص المياه، ويدعو إلى الانتباه للخسائر الفادحة التي لحقت بالمزارعين.
كانت سهول المنطقة جزءًا من النشاط الزراعي الرئيسي الذي تعتمد عليه العديد من المناطق في الضفة، أما اليوم، فيصفها السكان بأنها تتجه نحو الجفاف بسبب استمرار تدني مستوى المياه وصعوبة الوصول إلى الأراضي.
لا يرى لطفي أن الخسائر تقتصر على موسم زراعي أو عدد من رؤوس الأغنام، بل يخشى من آثار طويلة الأمد إذا استمر الوضع على ما هو عليه، حيث قد يؤدي استمرار هذه الظروف إلى تراجع كبير في الزراعة والثروة الحيوانية.
بين الخندق والطريق المغلق، لا يجد سكان الرأس الأحمر مساحة كافية لتدبير حياتهم كما اعتادوا. المياه لا تصل، الأعلاف متعطلة، الأطفال يغيبون عن مدارسهم، والمرضى يواجهون طريقًا مسدودًا، بينما تبقى الأرض والمواشي معلقة بقدرة السكان على الوصول إليهما.
لذلك، يوجه لطفي مناشدته إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية، مطالبًا بالتدخل لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، وفي مقدمتها مياه الشرب، ومياه المواشي والأعلاف، وضمان وصول المرضى والأطفال والإمدادات إلى المنطقة.
في الرأس الأحمر، لا يطلب السكان أكثر من أن يعود الطريق مفتوحًا بما يكفي لكي يصل الماء إلى عطشى الحظائر، والطعام إلى البيوت، والأطفال إلى مدارسهم، والمرضى إلى أطبائهم، قبل أن يتحول الحصار الطويل إلى خسارة تمس الإنسان والأرض معًا.
