تتجول شاحنات صهريجية محملة بالنفط على مدار الساعة على الطريق الصحراوي الذي يمر عبر الأراضي السورية، مما يعكس الجهود المتزايدة لإيجاد مسارات بديلة لنقل النفط العراقي بعيدًا عن مضيق هرمز، في ظل الأزمات التي أثرت على حركة الملاحة عبره.
تحمل العديد من هذه الشاحنات لوحات تسجيل عراقية، بينما تتحرك ببطء على طرق تعاني من الشقوق والحفر، وأحيانًا تتجاوز طوابير من المركبات تمتد لعشرات الكيلومترات.
بحسب ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست”، يشارك نحو 5 آلاف شاحنة في نقل مستمر بين مصافي النفط في جنوب العراق وسواحل البحر المتوسط. تصل الشاحنات في نهاية رحلتها إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، حيث يتم تفريغ النفط في خزانات التخزين، قبل ضخه إلى منشآت بحرية وتحميله على سفن تتجه إلى أوروبا وأفريقيا.
يأتي هذا المسار كجزء من البحث عن بدائل لطرق تصدير النفط التقليدية، بعد أن أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى تعقيد حركة السفن، مما دفع منتجي النفط العراقيين للبحث عن خيارات برية لنقل الخام إلى الأسواق الخارجية.
من حل مؤقت إلى مشروع أكبر
بدأ استخدام المسار السوري في أبريل/نيسان كتجربة لنقل صادرات النفط العراقية، بعد تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن الفكرة سرعان ما تطورت لتصبح بحثًا في إنشاء ممر بري للطاقة يربط حقول النفط في جنوب العراق بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية.
يُعتبر العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ولكن الجزء الأكبر من النفط المصدر للأسواق العالمية يخرج من المحطات الجنوبية القريبة من البصرة، ومن ثم يمر عبر مضيق هرمز.
قبل اندلاع الأزمة، كان العراق يصدر نحو 3.6 مليون برميل من النفط يوميًا، منها حوالي 3.4 مليون برميل تمر عبر المسار الجنوبي. ومع الاضطرابات في حركة الملاحة في هرمز، لم يكن لدى بغداد مسار بديل يكفي لتلبية هذه الطاقة التصديرية.
من هنا جاءت فكرة تطوير مسار بري عبر سوريا، ليس فقط كحل مؤقت، ولكن كجزء من شبكة أوسع يمكن استخدامها في حال تعرض طرق التصدير البحرية الرئيسية للاضطراب.
خط أنابيب يربط جنوب العراق بالبحر المتوسط
لا يُنظر إلى الشاحنات الحالية كحل دائم لنقل كميات كبيرة من النفط، إذ إن النقل البري أكثر بطءًا وتكلفة، كما أن حالة الطرق السورية تزيد من المخاطر والتكاليف.
في هذا السياق، وقعت العراق وسوريا مذكرات تفاهم مع ائتلاف يضم شركة الطاقة الأميركية “شيفرون”، وشركة الاستثمار “TA كابيتال”، وشركة “UCC” القطرية، لاستكشاف إمكانية تطوير المشروع.
لا تزال الخطة في مرحلة الدراسات الفنية والاقتصادية، ولم يتم إصدار قرار نهائي بشأن الاستثمار في إنشاء خط الأنابيب.
تناولت بعض التقارير المشروع كخطوة لإحياء خط أنابيب كركوك-بانياس التاريخي، الذي افتتح عام 1952 وتوقف عن العمل منذ عام 2003. ومع ذلك، فإن الخطة الحالية المطروحة تعتبر أوسع من مجرد إعادة تشغيل الخط القديم، حيث من المفترض أن ترتبط بحقول النفط في جنوب العراق، مثل غرب القرنة 2 والناصرية، وأن تنقل الخام شمالًا وغربًا إلى البحر المتوسط.
يقول الدكتور أمِيت مور، المدير العام لشركة “إيكو إنرجي” للاستشارات الاقتصادية والاستراتيجية والمحاضر في جامعة رايخمان، إن خط الأنابيب يمكن أن يساعد في نقل النفط في حال تعطل مضيق هرمز، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الوصول إلى البحر المتوسط لا يحل المشكلة بالكامل.
فالجزء الأكبر من النفط العراقي مخصص للأسواق الآسيوية، مما يعني أن النفط الذي يصل إلى بانياس ثم يُراد نقله إلى شرق آسيا سيحتاج إلى السفر عبر مسافات بحرية طويلة باتجاه الشرق، سواء عبر قناة السويس وباب المندب أو عبر مسار أطول يحيط بالقارة الأفريقية.
وهذا يطرح سؤالاً جوهريًا حول جدوى المشروع: هل يمكن أن يتحول إلى بديل استراتيجي فعلي يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة، أم سيتحول إلى شبكة أمان مكلفة تستخدم فقط عندما يكون المسار عبر هرمز غير متاح؟
مخاطر أمنية على طول الطريق
المسار المقترح غير خالٍ من التحديات الأمنية الكبيرة.
فالخط يُفترض أن يمر عبر غرب العراق، حيث تنشط ميليشيات شيعية مدعومة من إيران، ثم يسير عبر المناطق الصحراوية في شرق سوريا، حيث لا تزال خلايا لتنظيم “داعش” نشطة.
تعرضت بعض محطات الضخ القديمة للتدمير خلال الغارات الأميركية بعد سيطرة التنظيم عليها، بينما تواصل القوات السورية عمليات إزالة الألغام بالقرب من الحدود.
ويشير مور إلى أن إنشاء خط الأنابيب قد يكلف مليارات الدولارات، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحماية تدفق النفط من عمليات تخريب محتملة قد تنفذها جماعات مسلحة.
تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن البنية التحتية النفطية في سوريا أصبحت خلال سنوات الحرب أهدافًا ومصادر دخل للجماعات المسلحة، مما يجعل أي خط أنابيب جديد، في حال إنشائه، بنية تحتية اقتصادية واستراتيجية تمتد لمئات الكيلومترات.
كل ذلك يعني أن تجاوز خطر الملاحة في مضيق هرمز قد ينقل بعض المخاطر من البحر إلى البر، بدلاً من القضاء عليها.
إذ سيكون خط أنابيب يمتد من جنوب العراق إلى البحر المتوسط معرضًا لتهديدات مختلفة على طول مساره، بما في ذلك العبوات الناسفة والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى السيطرة على أجزاء من الطريق أو استهداف محطات الضخ.
قال مور إن إنشاء مثل هذا الخط سيتطلب جهودًا أمنية واسعة في العراق وسوريا، وهو ما قد يرفع تكلفة نقل النفط بشكل كبير، حيث يمكن أن ترتفع تكاليف التأمين إذا اعتبرت شركات الطاقة أن الخط مهدد بالهجمات.
إيران حاضرة في حسابات المشروع
ولا تقتصر المخاطر على تنظيم داعش أو الجماعات المسلحة الأخرى، إذ تشكل الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران عاملاً آخر في حسابات أمن المسار.
أفاد التقرير أن إيران، حتى من دون تدخل مباشر، لها نفوذ على المجموعات العراقية التي يمكنها التأثير على المسار المقترح أو تهديد بنيته التحتية.
يشير مور إلى أن إيران استهدفت خلال الأشهر الستة الأخيرة منشآت لتكرير النفط وخطوط أنابيب في السعودية ودول أخرى، محذرًا من أن البنية التحتية البديلة لنقل النفط العراقي قد تواجه مخاطر إضافية في حال تصاعد التوترات الأمنية.
وعلى هذا النحو، فإن إنشاء خط يهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز قد ينقل جزءًا من المخاطر إلى منطقة أخرى تتمتع فيها طهران، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأدوات ضغط وتأثير.
بدائل أخرى تتنافس على دور هرمز
المسار السوري ليس الخيار الوحيد المتاح لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
فالسعودية يمكنها نقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تشغل الإمارات خط أنابيب يصل إلى الفجيرة، التي تقع خارج نطاق المضيق. كما يستخدم العراق خط أنابيب يصل إلى ميناء جيهان في تركيا.
بالتوازي، يتم دراسة خيارات أخرى لإنشاء خطوط أنابيب باتجاه العقبة وخليج عُمان.
ومن بين الأفكار المطروحة، إنشاء مسار يربط جنوب العراق والكويت بخليج عُمان مرورًا بالسعودية وسلطنة عُمان. ومن المتوقع أن يكون هذا المسار أطول وأعلى تكلفة من المسار السوري، لكنه قد يوفر طريقًا أقصر نحو الأسواق الآسيوية.
لكن حتى المسارات البديلة لا تتمتع بحصانة كاملة.
يشير مور إلى أن أي تهديد محتمل لحركة الملاحة في البحر الأحمر، بما في ذلك هجمات جماعة الحوثيين، يمكن أن يجبر ناقلات النفط المتجهة إلى آسيا على اتخاذ طرق أطول.
وفي حال نقل النفط إلى بانياس ثم إعادة شحنه باتجاه الأسواق الآسيوية، فقد يُضطر جزء من هذه الشحنات إلى الاتجاه غربًا عبر مضيق جبل طارق، ثم الالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، قبل العودة شرقًا، مما يعني إضافة كبيرة إلى تكاليف الوقت والوقود والتأمين.
بناءً على ذلك، لا يبدو أن هناك خط أنابيب واحدًا قادرًا بمفرده على استبدال مضيق هرمز، بل إن الاتجاه المطروح هو إنشاء شبكة من المسارات الاحتياطية تشمل البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج عُمان، بحيث يتجاوز كل مسار خطرًا معينًا، لكنه يبقى معرضًا لمخاطر أخرى.
سوريا تراهن على موقعها الجغرافي
بالنسبة لدمشق، ليس الأمر مقتصرًا على نقل النفط العراقي.
يمكن أن يمنح المشروع سوريا دورًا أكبر في حركة التجارة والطاقة الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين العراق ودول الخليج وتركيا وأوروبا والبحر المتوسط.
وفقًا للتصور المطروح، من المتوقع أن تحصل سوريا على رسوم عبور مقابل مرور النفط عبر أراضيها، بالإضافة إلى عوائد مرتبطة بتأمين عمليات النقل، فضلاً عن إمكانية الحصول على النفط الخام العراقي لتكريره داخل الأراضى السورية، مما قد يوفر موردًا إضافيًا للاقتصاد السوري.
تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن مسؤولين سوريين قد أجروا بالفعل محادثات مع مستثمرين قطريين بشأن إمكانية توسيع منظومة الطاقة مستقبلاً باتجاه قطر، ونقل الغاز عبر الأراضي السورية.
على الصعيد الجغرافي، يمكن أن ترتبط الكويت والبحرين بالممر المقترح، لكن هذه الأفكار لا تزال في مراحلها الأولى، ولا توجد التزامات رسمية معلنة من هذه الدول بشأنها.
لا يقتصر التصور على الطاقة فقط. فقد وقعت سوريا تفاهمات مع تركيا والسعودية بشأن إعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية التي يمكن أن تربط مستقبلاً أوروبا بشبه الجزيرة العربية، كما تهدف تفاهمات أخرى مع العراق إلى تسهيل حركة الشاحنات والبضائع بين منطقة الخليج وأوروبا.
بحسب مور، قد تشمل عملية إعادة بناء سوريا مستقبلًا إنشاء خطوط لنقل النفط والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى تطوير شبكات السكك الحديدية التي تمتد من تركيا إلى السعودية ومنطقة الخليج، مما قد يدعم التعافي الاقتصادي السوري ويزيد من أهميتها الجيوسياسية.
إحياء لفكرة “البحار الأربعة”
هذا التصور يعيد إلى الواجهة فكرة قديمة طرحتها دمشق في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد، والتي تهدف إلى تحويل سوريا إلى نقطة ربط بين البحر المتوسط والخليج العربي والبحر الأسود وبحر قزوين.
لكن الوضع الحالي يأتي في سياق سياسي مختلف، إذ يجري الحديث عن بنية تحتية تعتمد على استثمارات أميركية وخليجية، وعلاقات مع تركيا والسعودية، بدلاً من ارتباطها السابق بشبكة النفوذ الروسية والإيرانية.
بهذا المعنى، يتجاوز المشروع كونه مجرد خط أنابيب، بل هو محاولة أوسع لإعادة توظيف الموقع الجغرافي السوري في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية.
تجربة تاريخية تدعو إلى الحذر
ومع ذلك، يقدم تاريخ خطوط الطاقة العابرة لسوريا والعراق أسبابًا للحذر.
فخط كركوك-بانياس، الذي يربط مدينة كركوك النفطية في شمال العراق بميناء بانياس السوري، تعرض لأضرار خلال حرب سيناء، ثم توقف عام 1982 بعد دعم سوريا لإيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية.
عاد الخط لاحقًا إلى العمل بموجب ترتيب سري بين الرئيس السوري السابق بشار الأسد والرئيس العراقي الراحل صدام حسين، قبل أن يتعرض لأضرار جديدة خلال الغزو الأميركي للعراق.
وخلال الحرب الأهلية السورية، أصبحت خطوط الأنابيب والآبار ومحطات الضخ أهدافًا ومصادر تمويل للجماعات المسلحة، مما يسلط الضوء على التحديات أمام أي مشروع جديد لنقل النفط عبر الأراضي السورية.
مشروع مكلف ومخاطر ممتدة
حتى في حال نجاح بناء خط الأنابيب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن المشروع سيكون مجديًا اقتصاديًا.
يشير مور إلى أن شركات النفط العراقية ومنتجي الخام قد يجدون في بعض الظروف أن دفع رسوم المرور عبر مضيق هرمز أقل تكلفة من إنشاء خط أنابيب إلى البحر المتوسط، خصوصًا عند احتساب تكاليف الإنشاء والتأمين والحماية والمخاطر الأمنية.
تُقدَّر تكلفة إنشاء الخط المقترح بمليارات الدولارات، بينما ستكون حماية مساره في العراق وسوريا مهمة معقدة ومكلفة.
أيضًا، تختلف طبيعة التهديدات بين النقل بالشاحنات وخطوط الأنابيب؛ فالشاحنة تستطيع تغيير مسارها في حال وجود خطر، بينما يمكن لاستهداف محطة ضخ واحدة أن يؤدي إلى توقف تدفق النفط في جزء من الخط.
بهذا الشكل، فإن إنشاء خط أنابيب لا يلغي المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة، بل يعيد توزيعها جغرافيًا ونوعيًا.
واشنطن تبحث عن تقليل الاعتماد على هرمز
من زاوية المصالح الأميركية، يمكن لمسارات نقل النفط البديلة أن تقلل من قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي.
وأشار المبعوث الأميركي توم باراك إلى إمكانية أن تطوير مسارات بديلة يمكن أن يقلل من الأهمية الاستراتيجية للمضيق في المستقبل.
لكن هذه المعادلة تحمل مفارقة، إذ إن تراجع أهمية هرمز بالنسبة إلى حركة النفط قد يدفع الجهات الراغبة في الضغط على حركة الطاقة لتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل المسارات البديلة نفسها.
وهذا يعني أن بناء شبكة جديدة من خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البرية لن يكون كافيًا وحده لضمان أمن إمدادات الطاقة، ما لم ترافقه ترتيبات أمنية وسياسية واسعة بين الدول التي تمر عبرها هذه المسارات.
لا بديل واحد عن هرمز
في الوقت الراهن، تواصل شاحنات النفط رحلاتها عبر الطرق الصحراوية السورية، لكنها لا تزال بعيدة عن تشكيل بديل حقيقي لمضيق هرمز من حيث الحجم والكفاءة.
أما خط الأنابيب المقترح، فلو تم المضي به، فلا يزال أمامه سنوات قبل أن يصبح مشروعًا مكتملاً وقادرًا على نقل كميات كبيرة من النفط.
ومع ذلك، فإن بدء استخدام الأراضي السورية لنقل النفط العراقي يدل على تحول في كيفية تفكير الدول المنتجة والمستوردة للطاقة بشأن أمن الإمدادات، مع زيادة الاهتمام ببناء طرق متعددة بدلاً من الاعتماد على ممر واحد.
بالنسبة لسوريا، قد يوفر هذا التحول فرصة لإعادة استثمار موقعها الجغرافي كحلقة وصل بين العراق والخليج وتركيا والبحر المتوسط وأوروبا، ولكن تحقيق ذلك يعتمد على قدرة دمشق وبغداد وشركائهما المحتملين على تأمين البنية التحتية، وتوفير التمويل، وضمان الاستقرار السياسي والأمني على طول المسارات المقترحة.
لذا، فإن الأمر لا يتعلق باستبدال مضيق هرمز بممر سوري واحد، بل يتعلق بإعادة تشكيل شبكة طرق الطاقة في المنطقة، بحيث تصبح هناك مسارات متعددة يمكن اللجوء إليها عند تعطل أحدها.
في هذا السياق، قد يكون المسار السوري إحدى مكونات شبكة أوسع من طرق الطاقة، وليس بديلًا منفصلًا عن مضيق هرمز.
