
يعيش الأسرى الفلسطينيون في صمت يعجز عن وصفه اللسان، صمت يبدو مختلفًا عن سكون الليل أو هدوء الانتظار، بل هو صمت ثقيل محصور بين جدران باردة، تقطعه في بعض الأحيان حركة مفتاح في قفل، أو صوت حذاء عسكري على أرضية إسمنتية، أو أنين يجري خافتا من جسد أنهكه الألم ولم يعد لديه القدرة على الصراخ.
خلف هذه الجدران، يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيين في ظروف تجعل الزمن يبدو مختلفا؛ أيام تتشابه، وليال بلا نجوم، وساعات لا يعرف فيها المعتقل إن كان العالم الخارجي ما زال يتذكره. ولكن الأسر ليس مجرد رقم في بيان أو إحصائية في تقرير حقوقي، فكل رقم يرتبط بجسد ووجه وأم تترقب وطفل يكبر بعيدا عن أبيه وبيت يحتفظ بمكان شاغر على مائدة الطعام.
الجسد الذي يصرخ بصمت
في السجن، يتحول الجوع إلى إحساس دائم يرافق المعتقل سواء في اليقظة أو النوم، كما تبقى الإصابات القديمة آلامًا تتشبث بالجسد.
يروي الأسرى المحررون فقدانهم لوزنهم بشكل ملحوظ خلال فترات الاعتقال، ويتحدث آخرون عن أمراض وجروح عانت من الاهمال، وآلام مزمنة تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من حياتهم اليومية، وبيئات صحية قاسية داخل الزنازين المكتظة.
وعندما تأتي الشهادة من جهة حقوقية إسرائيلية، تصف ظروف الاحتجاز بأنها قريبة من “معسكرات التعذيب”، وعندما تقوم جهات إسرائيلية رسمية بتوثيق حالات لمعتقلين بدت عليهم علامات الهزال وآثار الضرب والإهمال، فإن المسألة تتجاوز حدود السرد المتقابل.
هنا، يصبح الجسد وثيقة؛ فالهزال يعد وثيقة، والندوب وثيقة، والجوع يعد وثيقة، والمرض الذي تُرك من دون علاج يعد وثيقة أخرى.
طفولة خلف القضبان
من أكثر المشاهد قسوة أن تمتد القضبان إلى سنوات الطفولة نفسها؛ أطفال يجدون أنفسهم أمام عالم لم يختاروه، فلا ملعب ولا مدرسة ولا نافذة تطل على الشارع. بدلاً من ذلك، هناك التفتيش والانتظار والأبواب الحديدية والزيارات الممنوعة أو المؤجلة.
أي طفولة يمكن أن تنمو في مكان لا تعرف جدرانه شكل السماء؟ وأي أم يمكن أن تعيش أمومتها وهي تنتظر خلف باب السجن خبر طفلها أو تحاول تلخيص سنوات الغياب في دقائق زيارة قد لا تأتي؟
تتكرر في شهادات الأسرى صور قد تبدو صغيرة مقارنة بحجم المعاناة لكنها تلخص القضية: أم لا ترى طفلها، أسيرة مريضة تنتظر العلاج، وطفل يكبر ومعه صورة أبيه أكثر مما يحمل صوته؛ وهذه ليست تفاصيل هامشية بل هي جوهر القصة الإنسانية.
حين يصبح الألم سياسة
الأشد قسوة أن بعض الانتهاكات لم تعد تُستر خلف الأبواب المغلقة، بل تحولت كثيرًا إلى خطاب سياسي ظاهر.
حين يدخل “بن غفير” إلى أحد أقسام السجون، ويواجه بشكاوى حول الحرمان من الاستحمام والعلاج والملابس النظيفة، ويأتي الرد بلغة تعتبر هذه الظروف شيئًا يستحق الرضا، فإن المسألة تتجاوز كونها مجرد ظروف احتجاز قاسية، بل تصبح المعاناة نفسها جزءًا من المشهد السياسي.
وهنا يتغير السؤال: ليس فقط ماذا يحدث داخل الزنازين، ولكن كيف أصبح حرمان الإنسان من أبسط احتياجاته وسيلة لإظهار القوة؟
أسير بلا تهمة.. وزمن بلا نهاية
يزداد المشهد تعقيدًا مع الاعتقال الإداري، الذي يسمح باحتجاز فلسطينيين دون توجيه لائحة اتهام معلنة أو إجراء محاكمة، استنادًا إلى مواد وأدلة سرية لا يملك المعتقل ومحاموه في كثير من الحالات إمكانية الاطلاع عليها بشكل كامل.
في مثل هذا الاحتجاز، يصبح السجن ليس مجرد مكان مغلق، بل يتحول الزمن إلى عقوبة؛ موعد ينتهي ثم يبدأ آخر، وملف يبقى مغلقًا، وأسباب لا يعرفها المعتقل تمامًا، ومستقبل معلق بين قرار إداري وآخر.
وهكذا يعيش الإنسان في حالة انتظار لا يعرف متى ستنتهي.
حين يتحدث الصمت
بعد كل ما يمكن أن تُظهره التقارير والأرقام والشهادات، يبقى سؤال بسيط لكنه قاسٍ: ماذا يبقى من الإنسان حين يُحاصر جسده، وينتزع منه الضوء، ويُحرم من الدواء، ويقتصر عالمه على بضعة أمتار وجدار وباب حديدي؟
ربما تبقى التفاصيل الصغيرة؛ صلاة في وقتها، ذكرى بيت، صوت طفل محفور في الذاكرة، رسالة يكتبها أسير لأمه ولا يعرف متى ستصل، واسم يردده في الظلام حتى لا ينسى نفسه.
في الزنازين، قد ينجح السجن في حصر الجسد وضيق المكان وثقل الأيام، لكنه لا يستطيع بسهولة مصادرة ذاكرة الإنسان.
الأسير الذي لا يريد أن يصبح غائبًا
ربما تكون أصعب مهمة أمام السجن هي إقناع الأسير بأنه أصبح غير مرئي، فالأسير، حتى خلف الجدران، يبقى حاضرًا في بيت ينتظره، وأم تحتفظ بصورته، وطفل يسأل عنه، وذاكرة مجتمع لم يتوقف عن عد الغائبين.
ولذا فإن حكاية الأسر لا تختصرها القضبان ولا أرقام المعتقلين، ولا تنتهي عند باب الزنزانة. إنها حكاية إنسان يحاول الحفاظ على ذاته في مكان صمم ليجرده من أبسط مقومات الحياة.
زنزانة بلا سماء ليست مجرد مكان مغلق، بل هي محاولة لجعل الإنسان يعيش خارج الضوء والزمن ونظر العالم. لكن خلف كل باب حديدي، هناك إنسان ينتظر أن يراه أحد.
