قد تبدو شنغن في البداية كبلدة هادئة تقع على ضفاف نهر الموزيل في لوكسمبورغ. ولكن، هذه البلدة الصغيرة قد دخلت التاريخ الأوروبي من خلال مفهوم الحدود. فكيف أصبحت “شنغن” الكلمة الأكثر ارتباطًا بالسفر والتنقل داخل أوروبا؟
تقع شنغن في أقصى جنوب شرق لوكسمبورغ، عند نقطة تلتقي فيها حدودها مع ألمانيا وفرنسا، أما النهر هنا فيعد أكثر من مجرد حد جغرافي؛ إنه جزء من مشهد يرسم ثلاث دول مجاورة.
إذا عدنا إلى صفحات التاريخ، سنكتشف أن “شنغن” قد اكتسبت شهرتها بسبب توقيع “اتفاقية شينغن” في 14 يونيو 1985، والتي أُبرمت على متن سفينة الركاب “ماري أستريد” في نهر الموزيل. ارتبطت هذه الاتفاقية بإلغاء الرقابة على الحدود الداخلية بين دول منطقة شنغن، مما سمح بحركة أكثر حرية للأشخاص والبضائع بين الدول الأعضاء. وتم اختيار هذه البلدة التي تُعرف بإنتاج النبيذ، والتي يبلغ عدد سكانها 1580 نسمة، بسبب موقعها الجغرافي الرمزى عند تقاطع حدود دول ثلاث؛ إذ تجاورها بلدتا “بيرل” الألمانية و”أباخ” الفرنسية.
ومع ذلك، لم تُنفَّذ الاتفاقية مباشرةً، ففي عام 1990 تم توقيع الاتفاقية التنفيذية، ودخلت ترتيبات شنغن حيز التطبيق عام 1995، لتبدأ بالفعل مرحلة جديدة من التنقل دون مراقبة مستمرة على الحدود الداخلية للدول المشاركة. واليوم تضم منطقة شنغن 29 دولة، بما في ذلك 25 دولة من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى آيسلندا وليشتنشتاين والنرويج وسويسرا.
جاءوا إلى أوروبا بحثًا عن حياة جديدة ..
لدى ملايين الأشخاص الذين يعيشون أو يعملون أو يدرسون في أوروبا، تعني شنغن القدرة على الانتقال بين دول أوروبية متعددة بلا الحاجة إلى الإجراءات الحدودية المعتادة.
وهنا تبدأ قصة جديدة… قصة حسن قاسم، شاب لبناني هاجر إلى لوكسمبورغ قبل حوالي 3 سنوات، ولديه تجربة في مجال الأبحاث الاجتماعية.
جاء حسن إلى لوكسمبورغ بطرق قانونية، لكنه يشير إلى أن طريقه نحو الاستقرار كان مليئًا بالتحديات. ويبرز في حديثه صعوبة قد لا تظهر بوضوح في الصورة الجذابة لأوروبا.
يقول حسن لـDW: “كان العثور على سكن في لوكسمبورغ من أكبر التحديات التي واجهتني، بسبب ارتفاع الأسعار وقلة الخيارات المتاحة. أما الحياة هنا، فهي تختلف كثيرًا عن الحياة في لبنان”.
ورغم ذلك، يشعر حسن أن لوكسمبورغ دولة تحترم القادمين إليها، ويؤكد أنه نادرًا ما واجه تصرفات عنصرية.
ويحب زيارة بلدة شنغن تحديدًا، حيث يشعر بالراحة وسط الطبيعة ونهر الموزيل.
هل يتجه مستقبل شنغن نحو الغموض؟
بالنسبة لحسن، لا تقتصر أهمية اتفاقية شنغن على تسهيل السفر بين الدول الأوروبية، بل كانت خطوة مهمة عززت من انفتاح أوروبا وترابطها. ويقول حسن لـDW: “حرية التنقل بين الدول الأعضاء كانت من أبرز فوائد الاتفاقية، ليس فقط للأوروبيين، بل أيضًا للمهاجرين الذين استقروا في أوروبا وأصبح بإمكانهم الدراسة والعمل والتنقل بين دول عدة بسهولة أكبر، وفقًا للقواعد الخاصة بإقامتهم”.
ومع ذلك، يرى حسن أن الصورة الحالية بدأت تتغير. إذ يعتقد أن “مصالح دول منطقة شنغن لم تعد متطابقة كما كانت سابقًا”، مع تسليط الضوء على أولويات كل دولة السياسية والاقتصادية، إضافة إلى تحدياتها الخاصة، خاصة في ملفات الهجرة والأمن والحدود.
وتعتبر آيسلندا مثالًا على هذا التباين، حيث رفض الناخبون الأيسلنديون، في تصويت ضيق، استئناف مفاوضات انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، إذ صوّت 52.5% ضد العودة إلى المفاوضات، مقابل 47.5% أيدوا استئنافها، وفقًا لما قدمته وزارة الخارجية الأيسلندية.
وكانت مفاوضات انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي قد توقفت منذ عام 2013، وستبقى معلقة بعد نتيجة التصويت.
لكن المفارقة أن آيسلندا، رغم كونها خارج الاتحاد الأوروبي، لا تزال جزءًا من فضاء شنغن، كما ترتبط بالاتحاد اقتصاديًا عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، مما يجعل مستقبل شنغن سؤالًا سياسيًا يتجاوز مجرد الحدود.
فإذا كانت الدول الأوروبية تختلف في رؤيتها لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وتزداد فيها الحسابات الوطنية، هل تستطيع في الوقت ذاته الحفاظ على مشروع مشترك مثل شنغن؟
تحرير: يوسف بوفيجلين
