
أثبتت مبادرة الأستاذ علاء الريماوي “تنازل لله” أن روح العطاء لا تزال حاضرة بين الناس، وأن هناك الكثير من الطاقات التي تحتاج فقط إلى فكرة تجمعها وتفتح أمامها الطريق للعمل.
تقوم المبادرة على التنازل عن الديون والعفو عن المدينين، وعلى الرغم من بساطتها الظاهرة، إلا أنها تفتح آفاقًا واسعة للتفكير في قدرة المجتمع على معالجة بعض احتياجاته. فعندما يتنازل صاحب الحق عن دينه لشخص مدين عانى من ظروف قاهرة، نحن هنا لا نتحدث عن الغني المتعنت أو عن مدين يماطل في سداد ديونه، بل عن إنسان ضُغِطت عليه الظروف، فإننا نشهد شكلًا من أشكال التكافل التي يحتاج مجتمعنا لإحيائها، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني جراء السياسة الإسرائيلية المستمرة التي تستهدف البشر والحجر والشجر، بالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية والتراجع المستمر في النشاط الإنتاجي.
في ظل هذه الأوضاع، تصبح إعادة إحياء قيم الرحمة والتكافل والشعور بالمسؤولية تجاه بعضنا البعض أكثر من مجرد حاجة أخلاقية، بل تمثل جزءًا من قدرة المجتمع على الصمود والترابط.
وهنا يظهر المعنى الذي عبّر عنه الحديث النبوي الشريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. فحاجة الفرد ليست بالضرورة مسألة فردية، بل يمكن أن تتحول إلى قضية يساهم المجتمع في تحملها والتخفيف منها.
إذا كان هذا الفهم حاضرًا في التصور الإسلامي للعلاقات بين الناس، فهو أيضًا موجود في الفكر الاجتماعي منذ قرون. فقد أدرك ابن خلدون أن الإنسان لا يستطيع أن يحقق احتياجاته بمفرده، وأن توحد القدرات البشرية وتعاونها يمكنهما أن يحققا نتائج تفوق قدرة الفرد. يقول في مقدمته: “فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف”.
ومن مفهوم التعاون لدى ابن خلدون، نستطيع أن ننتقل إلى سؤال آخر: ماذا يحدث عندما لا تقتصر قوى الناس على الاجتماع فقط، بل يتم أيضًا تنظيمها وتوجيهها نحو هدف محدد؟
هنا يظهر مفهوم مالك بن نبي حول فاعلية المجتمع وقدرته على تحويل ما يمتلكه من أفراد وموارد وأفكار وعلاقات إلى عمل ملموس وأثر فعّال. فالمجتمع لا تقاس إمكاناته بما يمتلكه فقط من الموارد، بل أيضًا بقدرته على توظيف هذه الإمكانات وتحويلها إلى فعل ملموس.
وهذا بالضبط ما يجعل مبادرة “تنازل لله” تستحق التأمل. فهي لا تُنتج الخير من العدم، فالخير موجود بالفعل في الناس، لكنها تفتح مجالًا واضحًا للعمل، وتمنح أصحاب المبادرات والقدرات فرصة للمساهمة والدعم والتشجيع.
فهذا شخص يملك القدرة على التنازل عن دينه، وآخر يستطيع المساهمة في النشر، وثالث لديه القدرة على التعريف بالمبادرة أو جمع الناس حولها. وعندما تلتقي هذه الطاقات مع حاجة حقيقية، يتحول الاستعداد الفردي إلى عمل جماعي.
ومن هنا يمكن اعتبار “تنازل لله” مثالًا على المجتمع العصامي، وهو مجتمع يفعل موارده وقدراته، ويستفيد من قيم التكافل والمبادرة لمعالجة جزء من احتياجاته، إلى جانب دور المؤسسات التي تعنى بهذه الجوانب.
لذلك تكمن أهمية “تنازل لله” ليس فقط في عدد الديون التي يمكن إسقاطها، بل في السؤال الذي تطرحه أمام الناس: ماذا يمكننا أن نفعل نحن؟ وما الذي يمكن أن نقدمه للخروج من أزماتنا المجتمعية والاقتصادية والسياسية؟
قد لا تعالج مبادرة واحدة أزمة الديون، ولا يمكن أن تحل محل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تستطيع أن تذكر الناس بأن لديهم القدرة على المشاركة في معالجة جزء من هذه الأزمات، وأن المجتمع ليس مجرد متلقٍ للحلول، بل يمكن أن يكون جزءًا من صنعها.
بل يمكن أن تتجاوز الفكرة إسقاط الديون فقط. فمن استطاع أن يسامح مدينًا بعشرات آلاف الشواقل، بإمكانه أن يقدم دعمًا لطالب جامعي أو يتيم، أو أن يؤسس من خلال شركته نظام تشغيل يتيح فرصًا للعمالة المحلية، مما يساهم في تحريك عجلة الإنتاج وتقليل معدلات البطالة والفقر، مع الحفاظ على كرامة العامل ودوره في المجتمع.
بهذا المعنى، قد تتجاوز قيمة “تنازل لله” مجرد المبادرة نفسها. فهي تذكرنا بأن هناك موارد في المجتمع لا تظهر دائمًا في الحسابات الاقتصادية التقليدية: أموال يمكن التنازل عنها، ووقت يمكن تخصيصه، وخبرات يمكن تبادلها، وعلاقات يمكن توظيفها، وأفكار يمكن تحويلها إلى مبادرات.
عندما تتجمع هذه الإمكانات حول احتياجات حقيقية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على دعم نفسه، وتخفيف أعبائه، وتحويل أفراده من متلقين للحلول إلى شركاء في صناعة الآثار.
