
في صباح السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2026، قام مستوطنون بإحراق منطقة الواد الشامي في برقة، قضاء رام الله، في اعتداء جديد يضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تستهدف القرى الفلسطينية ومقومات الحياة فيها. ووردت أنباء عن محاولة إحراق أحد المنازل في القرية، مما يوسع دائرة الاستهداف لتشمل المنازل وممتلكات السكان بجانب الأراضي والمزروعات.
في قرى الضفة الغربية، يبدأ الاعتداء أحيانًا من شجرة زيتون، أو خزان مياه، أو قطيع من المواشي، أو منزل، لكنه لا يتوقف عند ذلك. فعندما تُقطع الأشجار وتُسرق المواشي وتُخرب مصادر المياه وتُحرق الممتلكات، تخسر العائلة أكثر من مجرد ممتلكاتها، إذ تخسر جزءًا من قدرتها على الزراعة والرعي وتأمين دخلها، وتفقد القدرة على البقاء في المكان.
تتكرر هذه الاعتداءات من مجموعات المستوطنين بحماية الجيش الإسرائيلي، وغالبًا ما تشمل الموارد التي تعتمد عليها حياة القرى والمجتمعات الريفية: من الأرض والمياه إلى المواشي والمحاصيل، بالإضافة إلى المنازل والممتلكات الخاصة.
يأتي الزيتون في مقدمة هذه الموارد. ففي موسم الزيتون لعام 2025، سجلت الأمم المتحدة 150 اعتداءً مرتبطًا بهذا الموسم بين 1 أكتوبر/تشرين الأول و3 نوفمبر/تشرين الثاني، طالت 77 قرية وبلدة، وأسفرت عن إصابة نحو 140 فلسطينيًا وتدمير أكثر من 4,200 شجرة وشتلة، معظمها من الزيتون. وشملت الاعتداءات استهداف المزارعين، وسرقة المحاصيل ومعدات القطاف، وتدمير الأشجار، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية.
طالبت هذه الاعتداءات عدة محافظات، منها نابلس ورام الله والبيرة وسلفيت وقلقيلية والخليل، بينما بقي وصول مزارعين من قرى متعددة إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات مقيّدًا أو ممنوعًا.
لكن الاستهداف لا يقتصر على الأشجار فقط. فالمياه، التي تمثل حاجة أساسية للحياة والزراعة، تكشف هي الأخرى عن تباين كبير في الكميات المتاحة للفلسطينيين مقارنةً بالإسرائيليين. وفقًا لتقرير “بتسيلم”، يبلغ متوسط استهلاك المياه اليومي لدى الإسرائيليين، بما في ذلك المستوطنون، 247 لترًا للفرد، مقابل 82.4 لترًا للفلسطينيين في الضفة الغربية، مع انخفاض متوسط الاستهلاك في التجمعات الفلسطينية غير المتصلة بشبكة المياه إلى 26 لترًا للفرد يوميًا.
في عام 2026، سجلت الأمم المتحدة أضرارًا طالت البنية التحتية للمياه والصرف الصحي نتيجة اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك خزانات وشبكات مياه، ما أدى إلى تعطيل وصول السكان إلى مصادر المياه، واضطرار جهات إنسانية إلى توفير المياه بالصهاريج.
تقدم قرية المغيّر، شمال شرق رام الله، مثالًا واضحًا لهذا النوع من الاستهداف. ففي أغسطس/آب 2026، استُهدفت نقطة المياه الرئيسية في القرية للمرة الثانية، ما أدى إلى تعطيل إمدادات المياه عن سكانها لمدة ثلاثة أيام على الأقل. كما تُدمرت أربعة خزانات مياه، واستولى مستوطنون على اثنتين من الخيم الزراعية ومحتوياتهما، وسرقوا مواشي لأهالي القرية.
في كل مرة، يتجاوز الضرر لحظة الاعتداء. فالمزارع الذي يُمنع من الوصول إلى أرضه لا يخسر يوم عمل واحد فحسب، ومن تُسرق مواشيه لا يخسر مجرد قطيع، ومن يُخرب مصدر مياهه يواجه تحديًا إضافيًا لتأمين احتياجات أسرته، ومن يُحرق منزله يفقد مساحة أساسية للأمان والاستقرار. مع تكرار هذه الانتهاكات، يصبح من الصعب الاستمرار في الزراعة والرعي والعيش في المنطقة.
هذا الضغط ينعكس على حركة السكان أنفسهم. فقد شهدت 130 تجمعًا فلسطينيًا حالات نزوح كلي أو جزئي بين يناير/كانون الثاني 2023 و31 أغسطس/آب 2026، منها 48 تجمعًا نزح سكانها بالكامل. وبلغ عدد النازحين في هذا السياق أكثر من 6,400 فلسطيني، بينهم أكثر من 3,100 طفل، بينما تجاوز عدد النازحين خلال عام 2026 وحده 2,500 شخص. وتشير الأمم المتحدة إلى أن تصاعد الاعتداءات والقيود المرتبطة بها كانت من أبرز العوامل التي أدت إلى هذا الارتفاع.
وعلى الجانب الآخر، يبقى التمسك بالأرض عملاً يوميًا للصمود. إن عودة المزارع إلى أرضه ومواصلته رعي مواشيه وزراعة شجرة تم اقتلاعها، والبحث عن وسيلة لتأمين المياه بعد تخريب مصدرها، كلها تفاصيل تبدو صغيرة مقارنة بحجم الاستهداف، لكنها تعني شيئًا أساسيًا: أنه لم يتم ترك الأرض.
في مواجهة محاولات إنهاك الإنسان ودفعه نحو الرحيل، سواء نزوحًا أو هجرة، تصبح مواصلة الحياة في المكان شكلًا من أشكال الصمود والثبات والرباط.
