بدون وحدة سياسية، لن يكون هناك أي قدرة على إسقاط حكومة اليمين. لم يعد بالإمكان اعتبار نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة معلومات عابرة أو مادة إعلامية للاستهلاك السياسي. الاستطلاع الأخير الذي نشرته القناة 13 يوجب أن يكون بمثابة جرس إنذار حقيقي لدى المجتمع العربي وقياداته السياسية، إذ يكشف عن معادلة انتخابية غاية في التعقيد، قد تحمل عواقب وخيمة على مستقبل الأقلية العربية في البلاد.
حسب الاستطلاع، تحصل كتلة الائتلاف على 53 مقعدًا، وتحصل كتلة التغيير على 53 مقعدًا، بينما تحصل الأحزاب العربية مجتمعة على 14 مقعدًا. رغم أن هذه الأرقام قد تتغير، وقد تشهد الأيام والأسابيع المقبلة تحولات في موازين القوى، يبقى السؤال الأهم الذي لا يمكن تأجيله: ماذا سيحدث إذا استمرت هذه المعادلة حتى موعد الانتخابات؟ الجواب، بصراحة، يجب أن يقلق كل من يضع مصلحة المجتمع العربي فوق الاعتبارات الحزبية. 53 مقابل 53 والمعادلة العربية خارج الحساب؟ المشكلة ليست فقط في تعادل المعسكرين، بل إن هذا التعادل يعني عمليًا أنه لا يوجد أي طرف حاليًا يمتلك طريقًا واضحًا وسهلاً لتشكيل حكومة بديلة. حتى في حال انضمام حزب الموحدة إلى كتلة التغيير، فإن الحسابات البرلمانية، وفق هذه الأرقام، لا تمنح معسكر التغيير الأغلبية اللازمة لتكوين حكومة. حتى افتراضيًّا، رفع تمثيل الموحدة إلى سبعة مقاعد لن يؤدي إلى تحقيق أغلبية برلمانية للمعسكر. وهذا يبرز أن الاعتماد على انضمام أي حزب عربي واحد إلى كتلة التغيير لوحده غير كافٍ لتغيير المعادلة السياسية. هنا يجب أن نكون صرحاء: إذا كان الهدف هو إسقاط حكومة نتنياهو وإنهاء مرحلة سموتريتش وبن غفير واليمين المتشدد، فإن استمرار الانقسام السياسي العربي سيجعل هذا الهدف أكثر تعقيدًا، وربما مستحيلًا وفق بعض السيناريوهات الانتخابية.
القضية أكبر من مجرد عدد المقاعد. السؤال هنا ليس فقط كم مقعد سيحصل عليه هذا الحزب أو ذاك، وليست منافسة بين القوائم العربية حول من سيكون الحزب الأكبر. القضية هي: هل يمكن للمجتمع العربي تحويل قوته الانتخابية إلى تأثير سياسي ملموس؟ 14 مقعدًا عربيًا يمكن أن تشكل قوة سياسية كبيرة إذا اتحدت في الاتجاه الصحيح، لكنها قد تتحول إلى قوة مشتتة إذا استمرت الأصوات والخيارات السياسية موزعة بين قوائم متعددة غير قادرة على تشكيل كتلة مؤثرة عند توقيت تشكيل الحكومة. وهذه هي المفارقة: قد يكون لدى المجتمع العربي وزن انتخابي كبير، لكنه قد يجد نفسه غير قادر على استخدام هذا الوزن للتأثير في هوية الحكومة القادمة.
الخطر على المجتمع العربي ليس مجرد نظرية. عودة حكومة يمينية متشددة أو تشكيل حكومة لا تحتاج إلى دعم الأحزاب العربية لن يكون أمرًا شكليًا بالنسبة للمواطن العربي. فالمجتمع العربي يواجه ملفات مصيرية: الجريمة، العنف، انتشار السلاح، هدم البيوت، أزمة التخطيط والبناء، الفجوات في الميزانيات والخدمات، والتعليم، والبنية التحتية، والتشغيل، بالإضافة إلى التشريعات والسياسات التي قد تؤثر على حقوق الأقلية العربية ومكانتها. ومع استمرار الحرب والسياسات الأمنية والعسكرية، فإن التحديات لا تتوقف عند حدود الداخل، بل تمتد إلى ما يحدث في الضفة الغربية والمنطقة برمتها. لذا، فإن السؤال السياسي الحالي ليس رفاهية، وليس مجرد قضية تخص الأحزاب فقط. إنه سؤال يمس حياة كل مواطن عربي ومستقبل أبنائه. إلى قيادات الأحزاب العربية: أين الخطة؟ طالما كان إسقاط الحكومة الحالية هدفًا معلنًا لدى القيادات العربية، فإن نتائج الاستطلاع تطرح سؤالًا مباشرًا ومسؤولًا: كيف يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل استمرار الانقسام العربي؟ هنا يجب أن تعود فكرة القائمة المشتركة الرباعية إلى مركز النقاش السياسي. ليس المقصود إلغاء التعددية السياسية، وليس المطلوب من أي حزب التخلي عن برنامجه أو هويته. بل المطلوب هو أن يجتمع القيادات الأربعة حول طاولة واحدة، وأن يبحثوا عن القاسم المشترك، وأن يضعوا مصلحة المجتمع العربي فوق الحسابات الحزبية والاعتبارات الشخصية. فالانتخابات ليست مناسبة لإثبات من هو الأقوى داخل المجتمع العربي؛ بل هي معركة على قوة المجتمع العربي وموقعه وتأثيره.
لن يجدي الندم نفعًا في اليوم التالي. قد يقول البعض إن الاستطلاعات قد تتغير، وهذا صحيح. وقد يقول آخرون إن الحملات الانتخابية لم تبدأ بعد، وهذا صحيح أيضًا. ولكن الصحيح أيضًا أن الاستطلاع هو مؤشر يجب قراءته جيدًا، وليس تجاهله. لا يمكن أن ننتظر حتى صباح يوم الانتخابات ثم نبدأ في تبادل الاتهامات والتبريرات. في ذلك الحين، لن يفيد أن يقول أحد: “لو تحالفنا لكنا حصلنا على مقاعد أكثر”. ولن يجدي نفعًا أن يقول آخر: “لو اتفقنا قبل الانتخابات، لتغيرت المعادلة”. الندم بعد الإغلاق الانتخابي لن يُفيد. المسؤولية تبدأ قبل الانتخابات، وليس بعدها.
إلى رؤساء الأحزاب العربية: افتحوا باب الحوار الآن. إلى رؤساء الأحزاب العربية، وإلى قيادات المشتركة الثلاثية والموحدة، وإلى كل من يتحمل مسؤولية القرار السياسي: هذا نداء من أجل المستقبل، وليس نداءً لصالح حزب ضد آخر. اجتمعوا معًا. افتحوا باب الحوار. تجاوزوا الخلافات. ضعوا شروطًا واقعية. ابحثوا عن الحد الأدنى المشترك، واعتبروا مصلحة المجتمع العربي المحرك الرئيس. يحتاج الجمهور العربي اليوم إلى شعاع أمل، ورسالة تؤكد أن قياداته قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تكون المصلحة العامة على المحك. الآن، وليس غدًا. قد تختلف الأحزاب العربية في الرؤية والبرنامج وفي كيفية التعامل مع المؤسسة السياسية الإسرائيلية، وقد تختلف في قضيتها المتعلقة بالمشاركة والتأثير، لكن هناك قضايا كبرى تجمع المجتمع العربي بأسره، وفي مقدمتها حماية الحقوق، ومكافحة الجريمة والعنف، وتطوير السلطات المحلية، والتخطيط والبناء، والتعليم، والموازنات والمساواة. لهذا، يجب ألا تبقى فكرة تشكيل القائمة المشتركة الرباعية مجرد فكرة تتكرر في اللحظات الانتخابية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع سياسي جدي يُناقش الآن.
الاستطلاع الأخير ليس نهاية المعركة، لكنه إنذار واضح. والقيادات القادرة على اتخاذ القرار اليوم ستتحمل مسؤولية ما ستؤول إليه الأمور غدًا. لذلك نكون واضحين، ومن قلب مجتمع عربي يواجه تحديات ثقيلة: يا رؤساء الأحزاب العربية… لا تنتظروا يوم الانتخابات. لا تنتظروا النتائج. لا تنتظروا لحظة الندم. افتحوا الحوار الآن، وشكّلوا القائمة المشتركة الرباعية. 53 مقابل 53 يجب ألا تكون مجرد رقم في استطلاع. بل يجب أن تكون جرس إنذار يحث الجميع على التحرك. فاللحظة السياسية الحالية لا تتحمل مزيدًا من الانقسام… والمسؤولية التاريخية تقع على عاتق القيادات التي تملك اليوم فرصة صناعة البديل.
