تشهد اليابان ظاهرة غير عادية تتمثل في اختفاء الموظفين فجأة من أماكن عملهم بدون سابق إنذار، وتعرف هذه الظاهرة باسم “الغوستينغ”، المستمدة من كلمة “شبح” باللغة الإنجليزية. وفي اليابان، يُطلق عليها اسم “باكّوري”، وهي تذكرنا بالاختفاء المفاجئ في العلاقات الشخصية. وما يبدو للبعض تصرفًا غير مسؤول قد يُعتبر في السياق الياباني وسيلة لتفادي المواجهة.
الانسجام فوق كل شيء
يقول هيروشي أونو، أستاذ إدارة الموارد البشرية في كلية هيتوتسوباشي لإدارة الأعمال، في تصريح له سابق لبي بي سي: “إن الانسجام مع الجماعة يمثل قيمة أساسية في الثقافة اليابانية، ومن يخرج عن قواعد المجموعة أو يسبب اضطرابًا فيها قد لا يحظى بالتقدير”. ويرى أونو أن “هذا الأمر يفسر جزئياً لجوء بعض الموظفين للاختفاء بدلاً من مواجهة المدير وتقديم الاستقالة بشكل مباشر”.
وتتعلق هذه العقلية بإرث ثقافة الشركات اليابانية التي نشأت خلال فترة النمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الولاء للشركة والتوظيف مدى الحياة جزءًا أساسياً من الحياة المهنية. وفي مثل هذه الظروف، كانت الاستقالة تُفهم أحيانًا على أنها تخلي عن الجماعة أو تعتبر إهانة شخصية للمدير.
ويشير أونو إلى أن تقدير الانسجام وتجنب النزاع هو سمة متجذرة في الثقافة اليابانية منذ قرون، حيث ينص دستور المواد السبع عشرة، وهو وثيقة قانونية وأخلاقية يابانية قديمة صدرت عام 604 ميلادية، على أهمية الانسجام وتفادي الشجار.
حين يصبح “الاختفاء” أمرًا طبيعيًا
ولا تقتصر ظاهرة الاختفاء على بيئات العمل فقط. فقد أظهرت بيانات شركة “تسفاي” اليابانية المتخصصة في خدمات التعارف والاستشارات المتعلقة بالزواج أن أكثر من 70% من النساء اليابانيات تعرضن لظاهرة الاختفاء المفاجئ في علاقاتهن.
وبحسب ما لاحظه أونو خلال محادثاته مع عدة مديري موارد بشرية، فإن الموظف الذي يختفي قد لا يترك وراءه أي علامات واضحة على وجود مشكلة. فقد يتفاعل بشكل طبيعي مع زملائه ثم لا يحضر في اليوم التالي، لتصل الشركة اتصال من وكالة تتولى إنهاء إجراءات استقالته.
كما تعكس المنشورات على منتدى “غيرلز تشانل” الياباني مدى تقبل بعض الأشخاص لهذه الطريقة في التعامل مع بيئة العمل، خاصة إذا كانوا يشعرون منذ البداية بعدم توافقها مع متطلباتهم.
ادفع المال… ودع غيرك يستقيل عنك
ومع زيادة انتشار هذه الظاهرة، استحدثت الاستقالة بالوكالة سوقًا تجارية قائمة بذاتها.
تقول يوكا هامادا، الرئيسة التنفيذية لوكالة “ألباتروس” اليابانية، وهي إحدى الوكالات التي تساعد الموظفين في قطع علاقاتهم مع أصحاب العمل، إن وكالتها تدعم نحو 450 شخصًا شهريًا في مغادرة وظائفهم بدون مواجهة مباشرة مع أصحاب العمل، وذلك مقابل حوالي 120 يورو للموظف بدوام كامل، ويمكن إنجاز العملية في بعض الحالات خلال 15 دقيقة فقط. توضح هامادا أن دوافع العملاء تتنوع، حيث تشمل حالات من العنف الجسدي والتحرش الجنسي وغيرها من أشكال الإساءة في مكان العمل. وترى أن بعض هؤلاء الموظفين يكونون في وضعٍ ضعيف ولا يستطيعون مواجهة صاحب العمل بأنفسهم.
حتى “الهروب” يجب أن يكون بأدب
المفارقة أن الاستقالة عبر وكالة لا تعني بالضرورة إنهاء جميع الروابط بشكل قاسي.
توضح هامادا أن بعض العملاء يفضلون عدم توديع زملائهم أو التعبير عن شكرهم للشركة مباشرة، لذا يمكن للوكالة أن تنقل كلماتهم بالنيابة عنهم. بل إنها توصي الموظف، حتى لو أراد الاختفاء تمامًا، بترتيب مكتبه وإخلاء أغراضه قبل المغادرة. وهذه النصيحة تعكس مفهوم “مايواكو” في الثقافة اليابانية، والتي تعني الحرص على عدم التسبب في المتاعب للآخرين والحفاظ على النظام والانضباط الجماعي.
أعده للعربية: أ.ف/ط.أ
