في الدبلوماسية، المقعد الخالي جملة كاملة لا تحتاج إلى ميكروفون. قد يكون احتجاجًا صريحًا، وقد يكون غيابًا عابرًا، وقد يكون رسالة يريد صاحبها أن تُقرأ دون أن يُحاسَب عليها. وفي قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، صارت هذه الجملة طقسًا سنويًّا يرافق رئيس الوزراء الإسرائيلي كلما صعد إلى المنصة. غير أن مشهد الخميس، حين غادرت عشرات الوفود القاعة، يطرح سؤالًا يتجاوز عدد المنسحبين إلى ما الذي تكشفه المقاعد الخالية أمام بنيامين نتنياهو؟
خطاب نتنياهو.. كيف تحول الانسحاب إلى فعل منظم؟
ما إن اتجه نتنياهو إلى المنصة حتى اختلطت صيحات تشجيع الفريق الإسرائيلي بالاستهجان الذي ملأ الأرجاء تزامنًا مع خروج عشرات المندوبين من القاعة، لتبقى أغلب المقاعد خالية طوال الخطاب. وهو الأمر الذي دفع رئيس الجمعية العامة خليل الرحمن إلى أن يردد مرارًا: “النظام في القاعة من فضلكم”.
لم يكن الانسحاب ارتجالًا؛ فقد سبقته رسالة من البعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة إلى كثير من الدول الأعضاء، وعددها 193 دولة، تدعوها إلى إحضار أكبر عدد ممكن من موظفيها إلى القاعة، ثم “الانسحاب الجماعي” لحظة الإعلان عن اسم نتنياهو، ولهذا وصفت الجارديان المنسحبين بأنهم خرجوا “استجابة لنداء فلسطيني”.
ويكتسب هذا التنظيم دلالة أعمق إذا عرفنا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يتمكن من الحضور أصلًا، بعد أن رفضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منحه تأشيرة. وقد رد الطرف الآخر بالمثل، إذ بقيت مقاعد الوفد الإسرائيلي خالية أثناء كلمة عباس المصورة.
خطاب نتنياهو.. حين هاجم الجميع
اختار نتنياهو أن يواجه المشهد قبل أن يبدأ خطابه، فقال: “إذا كان هناك جبناء أخلاقيون آخرون لم يغادروا القاعة بعد، فليفعلوا ذلك الآن”.
ثم حاول أن يقلب دلالة الانسحاب، مدعيًا أن كثيرًا من قادة الدول المنسحبة “يشكروننا سرًّا” على ضرب البرنامج النووي الإيراني. ولم يتوقف الهجوم عند المنسحبين؛ فقد وصف اتهامات الإبادة في غزة بأنها “أكبر كذبة في القرن“.
وهاجم كذلك بريطانيا وفرنسا بسبب ماضيهما الاستعماري، قائلًا: “هم من اخترعوا المصطلح”.

ما وثقته العدسات.. مقاعد إيران وفلسطين الخالية
وسط سيل الروايات، يبقى أدق ما وثّق إعلاميًا عن الدول المنسحبة بالاسم دولتين فقط؛ أولاهما فلسطين، التي ظهرت مقاعد وفدها خالية أيضًا طوال الكلمة، وإيران، التي التقطت مقاعد وفدها خالية وعليها صورة القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني، وحاول نتنياهو استثمار غيابها، فتحدث عن سقوط وشيك للقيادة الإيرانية.

ويقول المراقبون إنه لا يمكن فصل هذا المقعد الإيراني الخالي عن سياقه؛ فالقوات الإسرائيلية والأمريكية هاجمت إيران منذ نحو سبعة أشهر، بينما لا تزال الحكومة الإيرانية ممسكة بالسلطة، وتواصل عمليًّا إغلاق مضيق هرمز في وجه الضغوط الأمريكية. وبذلك صار غياب الوفد الإيراني امتدادًا دبلوماسيًّا لحرب مفتوحة، وتجاوز كونه احتجاجًا على خطاب واحد. وربما لهذا وصف نتنياهو قرار الهجوم على إيران بأنه كان “من أسهل القرارات” التي اتخذها في حياته.

السؤال عن قائمة المقاطعين
هنا تحديدًا يكمن الالتباس؛ فقد تداولت مواقع ومنصات عربية قائمة تضم 77 دولة على أنها قائمة مقاطعي خطاب هذا العام. غير أن القائمة ذاتها، بأسمائها وترتيبها، نشرها موقع يديعوت أحرونوت في 27 سبتمبر 2025، نقلًا عن إحصاء إسرائيلي لخطاب الدورة الثمانين.
ويؤكد عدم صلاحية القائمة لهذا العام ما جرى على الأرض؛ فأيرلندا المدرجة فيها أعلنت وزيرة خارجيتها هيلين ماكنتي أن مندوبًا أيرلنديًّا سيحضر خطاب نتنياهو. وفي اليوم نفسه، أعلن مكتب نتنياهو لقاءات مع رئيسي بنما وبوليفيا ورئيس وزراء سلوفينيا، وجميعها دول واردة في القائمة المتداولة.
هل تكفي المقاعد الخالية؟
لكن هناك ما هو أعمق دلالة من حصر قائمة المقاطعين، وهو الأمر الذي تجاوزها ليصل إلى الفجوة بين الإدانة الرمزية وآليات المحاسبة الأممية الحقيقية في الأمم المتحدة، بما يفرض السؤال الأهم: ماذا يملك المنسحبون بعد مغادرتهم؟
الإجابة تبدأ بتدقيق الأرقام؛ فحتى في ذروة انسحاب العام الماضي، أحصت إسرائيل 77 دولة بين منسحبة وغائبة. وهو رقم يقل عن نصف الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة. ومعنى ذلك أن المشهد يعكس غضبًا واسعًا، لكنه لا يصل إلى حد الإجماع.
ثم إن الانسحاب أداة رمزية بطبيعته. أما أدوات المحاسبة الفعلية فتصطدم بجدار آخر اسمه “الفيتو الأمريكي”؛ إذ استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن ضد أغلب مشاريع القرارات التي طالبت بوقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة. وكان سادس فيتو في سبتمبر 2025.
وقد علق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ، في يونيو 2025، بأن بلاده “ستواصل الوقوف مع إسرائيل في الأمم المتحدة“.
في يوليو 2024، قضت محكمة العدل الدولية بأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة “غير قانوني“. لكن الأمم المتحدة نفسها توضح أن الآراء الاستشارية غير ملزمة، وأن أثرها يقتصر على الضغط الأخلاقي وما قد تتخذه الدول منفردة من إجراءات.
وبعد ذلك منحت الجمعية العامة إسرائيل مهلة 12 شهرًا لإنهاء وجودها غير القانوني. وقد انقضت هذه المهلة منذ عام تقريبًا، ثم وقف نتنياهو على المنصة نفسها يصف اتهامات الإبادة بأنها “أكبر كذبة في القرن”.
أما على الصعيد الجنائي؛ فلم تمنع مذكرة المحكمة الجنائية الدولية نتنياهو من دخول نيويورك؛ إذ لوّح عمدة المدينة زهران ممداني بتنفيذها، ثم أقر بأنه لا يملك الصلاحية لذلك.
لقد طلب نتنياهو من المنسحبين أن يغادروا، ثم خاطب قاعة شبه خالية، لأن جمهوره الحقيقي كان يجلس على بعد آلاف الكيلومترات أمام صناديق الاقتراع. غير أن المقاعد الخالية، على بلاغتها، تكشف مفارقة المنظومة كلها: دول قادرة على أن تدير ظهرها لرجل، لكنها عاجزة إلى الآن عن أن تحاسبه. وبين الرمز والتنفيذ مسافة لم تقطعها الأمم المتحدة بعد، ويبقى معها السؤال معلقًا: هل هي منظومة عادلة؟
