في فبراير/شباط 2026، أعلنت شركة “سبيس إكس” (SpaceX) عن حظر استخدام نظام الإنترنت الفضائي “ستارلينك” (Starlink) من قبل القوات الروسية، مما شكل ضربة كبيرة للقدرات العسكرية لموسكو، التي كانت تعتمد على هذا النظام في الاتصالات الميدانية، وتوجيه الطائرات المسيرة، وتنسيق العمليات القتالية في أوكرانيا. ووفقًا للجيش الأمريكي ووكالات الاستخبارات، أسهم هذا الحظر في إضعاف القوة الروسية ودعم نجاح الهجوم الأوكراني خلال ربيع 2026.
كما سلطت هذه الخطوة الضوء على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للإنترنت الفضائي في الحروب الحديثة، مما دفع روسيا إلى تسريع جهودها لتطوير بديل محلي يمكنه تعويض فقدان الوصول إلى “ستارلينك” وضمان استمرار فعالية عملياتها العسكرية.
“راسفيت”.. مشروع روسي لمنافسة ستارلينك
تناولت تحقيقات مشتركة لقناتي “إن دي آر” (NDR) و”في دي آر” (WDR) الألمانيتين سعي روسيا لتطوير شبكة إنترنت فضائي خاصة بها تُدعى “راسفيت” (Rasswet)، كبديل لنظام “ستارلينك” الذي يعتمد عليه الجيش الأوكراني بشكل واسع في الحرب.
وبحسب تقرير لموقع “تاغس شاو” الألماني، تتولى شركة “Bureau 1440” الروسية، التابعة لمجموعة “X Holding”، تطوير مشروع “راسفيت”، وهو نظام إنترنت فضائي يعتمد على مجموعة من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض لتقديم خدمات نقل البيانات والاتصالات عالية السرعة للأغراض المدنية والعسكرية.
بدأت الشركة المشروع بإطلاق أقمار تجريبية ضمن مرحلتين هما “راسفيت-1″ و”راسفيت-2” خلال عامي 2023 و2024، قبل الانتقال إلى نشر أقمار “راسفيت-3” في عام 2026، في إطار خطة تهدف إلى الوصول إلى جاهزية تشغيلية أولية وبدء تقديم الخدمات بحلول عام 2027.
يؤكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن النظام الجديد سيكون قادرًا على تقديم قدرات مشابهة لـ”ستارلينك”، وقد صرح بأن الشركة المطورة “ليست أقل شأناً” من “ستارلينك”، وفقًا لتقرير “تاغس شاو“ الذي تم نشره يوم الأربعاء (16 سبتمبر/ أيلول 2026).
لماذا يثير المشروع قلق الجيش الألماني؟
رغم أن المشروع لا يزال في مراحل التطوير، إلا أن القوات المسلحة الألمانية تتعامل معه بجدية. ووفق تحليل عسكري سري اطلعت عليه قناتا NDR وWDR، فإن الخطر الحقيقي لا يتعلق بالقدرات الحالية لـ”راسفيت”، بل بما قد يتم تحقيقه إذا اكتمل بنجاح.
وفقًا للتقييم الألماني، قد يوفر النظام للجيش الروسي لأول مرة قدرة مستقلة على إدارة الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة في الزمن الحقيقي وعلى نطاق عالمي، دون الاعتماد على بنى تحتية أو تقنيات غربية. كما يمكن أن يعزز دقة الاستهداف ومتابعة الحركات العسكرية على الأرض بشكل شبه فوري، مما يمنح القوات الروسية مزايا عملياتية هامة.
فجوة كبيرة بين الطموح والواقع
على الرغم من هذه المخاوف، تُظهر القوات المسلحة الألمانية شكوكا كبيرة بشأن الجدول الزمني الذي تعلنه موسكو. تشير التقديرات إلى أن نظام “راسفيت-3” لن يحقق جاهزية تشغيلية كاملة بحلول نهاية عام 2027، حتى عند إطلاق 288 قمرًا صناعيًا كما هو مخطط.
تظهر الأرقام الفجوة الكبيرة بين المشروع الروسي ومنافسه الأمريكي؛ إذ تضم شبكة “ستارلينك” حاليًا أكثر من 10 الآف قمر صناعي، بينما تخطط روسيا للوصول إلى حوالي 730 قمرًا بحلول عام 2030 و900 قمر فقط بحلول عام 2035، مما يجعل من الصعب عليها تحقيق مستوى الأداء المماثل في المستقبل القريب.
عقبات تقنية وعسكرية
تواجه خطط موسكو العديد من التحديات. وفقًا لتقرير “تاغس شاو”، أطلقت روسيا حتى الآن أكثر من 30 قمرًا من مشروع “راسفيت”، ولكن هناك تقارير عدة تفيد بتعثر بعض الأقمار أو فقدانها، وعدم وصول بعضها إلى المدار المطلوب. يعتمد نجاح المشروع أيضًا على قدرة روسيا على إنتاج الأقمار الصناعية وإطلاقها بشكل متسارع بالرغم من العقوبات الغربية وتداعيات الحرب المستمرة.
في الوقت ذاته، بدأت أوكرانيا في استهداف بعض البنى التحتية المرتبطة بالمشروع، بما في ذلك المنشآت التي تُنتج الصواريخ الحاملة لأقمار “راسفيت”، في محاولة لإبطاء تطوره وتأخير دخوله الخدمة بشكل كامل.
رهان استراتيجي بمستقبل غير محسوم
يُعتبر “راسفيت” واحداً من أكبر المشاريع الاستراتيجية الروسية في مجال الفضاء والاتصالات العسكرية، حيث تأمل موسكو في تقليل اعتمادها على التقنيات الغربية وتعويض فقدان الوصول إلى “ستارلينك”. ومع ذلك، وبين الطموحات الروسية والتحذيرات الغربية، لا تزال هناك آمال كبيرة حول قدرة المشروع في الالتزام بالجدول الزمني المعلن أو توفير قدرات تنافس شبكة “ستارلينك” في المستقبل القريب.
تحرير: خالد سلامة
