يوماً بعد آخر، تسعى السلطات الفرنسية لـ«إطفاء» حراك تلاميذ التعليم الثانوي من خلال إعلان الاستجابة لمطالبهم الرئيسية. وأعلن وزير التربية إدوار جيفراي، ليل الخميس، في حديث تلفزيوني، أن وزارته أعدت «خطة طوارئ» نجحت في توفير «عدة آلاف» من الأساتذة لسد النقص الذي يشكو منه التلاميذ، والذي كان أحد مطالبهم الرئيسية.
وحسب جيفراي، فإن أجهزة وزارته أحصت ثلاثة آلاف معلم متوفرين وجاهزين لسدّ النقص في 514 ثانوية تشكو من الفراغ التعليمي الناتج عن غياب الأساتذة الأصيلين، فيما ثانويات عامة أخرى موجودة بشكل عام في ضواحي المدن الكبرى تشكو بشكل مزمن من هذا الغياب. كذلك، أكد الوزير المعني أنّ «المنصة الإلكترونية» التي أطلقتها وزارته لتلقي شكاوى التلاميذ والطلاب تلقى نجاحاً بارزاً، إذ إن ما لا يقل عن أربعين ألفاً منهم لجأوا إليها لهذا الغرض. وأكثر من ذلك، أفاد جيفراي بأنه سيُعطي مديري الأكاديميات القدرة على التعاقد مع أساتذة حيث تدعو الحاجة.
إجراءات لتهدئة الشارع
بعكس الكلمة المتلفزة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، التي لم تحمل جديداً باستثناء الطلب من مديري الثانويات تخصيص نصف يوم تعليمي لـ«الحوار الديمقراطي الداخلي» مع التلامذة، وهو ما عدّه الكثير منهم بلا فائدة، فإن جيفراي لم يغلق الباب أمام احتمال زيادة الميزانية المخصصة لوزارة التربية التي ستبلغ العام المقبل 64 مليار يورو. إلا أن الميزانية الجديدة تنصّ أيضاً على إلغاء 1588 وظيفة تعليمية بسبب تناقص أعداد التلاميذ المتواصل.

أما على المستوى الأمني، وبعد الانتقادات العنيفة التي وُجّهت إلى كيفية تعامل الشرطة والدرك مع المتظاهرين، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى منع استخدام القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، فيما جهاز التفتيش الداخلي التابع للشرطة أعلن فتح 18 تحقيقاً بخصوص تجاوزات قد تكون ارتُكبت في أيام التظاهر الأخيرة. فالأنظار ما زالت تتركز على تلميذ فَقَدَ إحدى عينيه بسبب إصابته برصاصة مطاطية، وآخر يعاني من تشويه في وجهه، وثالث بُترت يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية. لذا، أعلن لوران نونيز، وزير الداخلية، منع استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع حراك التلاميذ والطلاب، وطلب التركيز على استخدام خراطيم المياه لتفريقهم.
تحذير مفوضية حقوق الإنسان
بيد أن هذه التدابير لم تُقنع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أعلنت شابيا مانتو، الناطقة باسمها، من جنيف، عن «قلق» إزاء «الأحداث» التي شهدتها المظاهرات الأخيرة.

وقالت هذه الناطقة إن المفوضية «تدعو جميع الأطراف إلى الإبقاء على سلمية المظاهرات والابتعاد عن اللجوء غير المتناسب للقوة من قِبل القوى الأمنية»، في انتقاد مباشر لأدائها في الأيام الأخيرة. وشددت المفوضية على ضرورة احترام المظاهرات السلمية، علماً بأن وزير الداخلية الذي يدافع دوماً عن أداء قواته، ويتهم عناصر «مشاغبة» بالتدخل، يؤكد احترام التجمعات والمظاهرات السلمية.
في المقابل، ينتقد التلاميذ والطلاب وأحزاب اليسار «القمع البوليسي» و«عنف الشرطة»، وتحديداً وحدات مكافحة الشغب. وتفيد آخر الإحصاءات بأن ما لا يقل عن 6877 شخصاً تم توقيفهم في الأيام الأخيرة، وأن 86 في المائة منهم من القاصرين. ويقول المشككون إنه من الصعوبة بمكان تصديق أن هذه النسبة المرتفعة من القاصرين تنتمي إلى فئة المشاغبين.
ووفق وزارة العدل، فإن 2376 شخصاً من الموقوفين تتم ملاحقتهم قضائياً، ومن بين هؤلاء 1923 قاصراً.

من جانبها، دعت «النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمل» القريبة من الحزب الاشتراكي إلى مراجعة معمّقة لأساليب حفظ النظام. وقالت ماريليز ليون، أمينتها العامة، في تصريح إذاعي يوم الجمعة، إن «ما يثير القلق البالغ» أن وزارة الداخلية انتظرت أن تُبتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً قبل منع اللجوء إلى القنابل الصوتية. كما أعربت عن «تساؤلاتها» بشأن العديد من الأشخاص الذين تم توقيفهم منذ 28 سبتمبر (أيلول).
وتعمد السلطات، إلى جانب تركيزها على الاستعداد للاستماع والتجاوب مع المطالب المرفوعة، إلى الإيحاء بأن الحراك الطلابي آخذ في التراجع. ودليلها على ذلك تراجع عدد المشاركين في مظاهرات الخميس، بحيث لم يتجاوز سقف 71 ألف شخص، منهم 24 ألفاً في باريس وحدها.
تفاؤل حكومي
لكن الحقيقة أن قراءة دقيقة لما جرى في الساعات الـ72 الأخيرة تعكس واقعاً مخالفاً لنظرة الحكومة التفاؤلية.
فنقابات التلامذة، بدعم من زملائهم في التعليم الجامعي، قررت تنظيم «يوم تعبئة» خامس يوم الثلاثاء المقبل. والأمر المستجد أن الحراك الذي بدأ في ثانويات الضواحي طال نظيرتها الرسمية «المتميزة»، والواقعة في الأحياء الباريسية «الراقية»، مثل ثانوية «لويس لوغران» أو ثانوية «هنري الرابع» القريبة من «البانتيون».

وأكثر من ذلك، فإن الحراك طال المدارس الكاثوليكية الخاصة، بحيث تعطّلت الدراسة في 61 في المائة من مؤسساتها في منطقة ليون، ثاني أكبر مدينة فرنسية وتقع وسط البلاد.
وكان لافتاً أن تلاميذ مدرسة «ماسيون» الخاصة المعروفة في باريس شاركوا بدورهم في المسيرة الطلابية إلى ساحة «لا ريبوبليك». ثم إن العنف لم يختفِ، إذ جرت اشتباكات في ساحة «الباستيل» والشوارع المتفرعة عنها عند تفريق المظاهرة، كما تم القبض على 504 من المتظاهرين الذين تعدّهم الشرطة من «المشاغبين»، فيما جرح 48 عنصراً أمنياً.
وأكثر من ذلك، فإن جميع الجامعات في باريس، بما فيها كلية العلوم السياسية، أصبحت متوقفة عن الدراسة، ما يُبيّن أن التضامن الطلابي مع تلاميذ التعليم الثانوي آخذ في الارتفاع، وهو ما تسعى السلطات إلى تفاديه.
وتراهن السلطات على قرب العطلات المدرسية، التي تبدأ يوم 17 الحالي وتمتد حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تقفل المدارس ويتفرق التلاميذ، وبالتالي تختفي المظاهرات وما يرافقها من أعمال شغب، ما يتيح للحكومة أن تكسب بعض الوقت لكي «تتنفس» قليلاً.
استحقاق 17 أكتوبر
غير أن هذه الآمال قد تصطدم بيوم «التعبئة العام» الذي دعت إليه العديد من النقابات، ومنها نقابات تلاميذ الثانوية والطلاب. وما يفاقم قلق السلطات احتمال تداخل المطالب، وتوحّد الحراك الاحتجاجي الطلابي والاجتماعي العام، ومنها الدعوات إلى استعادة حراك «السترات الصفراء» الذي اندلع في عامَي 2018 و2019 بسبب غلاء أسعار المحروقات.

وسعى رئيس الحكومة، في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الماضي، إلى التركيز على ما تقوم به حكومته لمحاربة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في القطاع الزراعي. كما قد يشمل الحراك قطاع الطيران، فيما ثمة دعوة كذلك صادرة عن نقابات قطاع النقل للتحرك يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول). وأخيراً، فقد صدرت دعوة للإضراب من نقابات رئيسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية والمحافظة على المرتبات التقاعدية والوظيفة العمومية. وتأتي هذه المطالب مع انطلاق البحث في مشروع ميزانية العام 2027 في مجلس النواب.
ما سبق يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الحكومة، وعجزها عن التعاطي معها بسبب سياسات التقشف وارتفاع المديونية، ما يحرم الحكومة من الاستجابة للمطالب المرفوعة، فيما الأصوات تتعالى للتحذير من الأزمة المالية التي تضرب فرنسا ومن تأثيرها على منطقة اليورو بشكل عام.
