تتويج قائد إنجلترا يمثّل انتصاراً للنادي الألماني بعد خيبات سابقة في الجوائز الفردية وصراعه للاحتفاظ بنجومه أمام إغراءات ريال مدريد.
لم يكن فوز هاري كين بالكرة الذهبية مجرد إنجاز شخصي للمهاجم الإنجليزي، بل حمل أهمية استراتيجية كبيرة لبايرن ميونيخ، الذي خاض حملة واسعة لدعم نجمه في سباق الجائزة، مدفوعاً برغبته في إنهاء سلسلة من الخيبات التاريخية، وإثبات أن اللعب في الدوري الألماني لا يحول دون الوصول إلى قمة الجوائز الفردية العالمية.

وحسب تقرير في صحيفة «بيلد» الألمانية، ونشرته صحيفة «التليغراف» البريطانية، قبل حفل الاثنين، فإن إدارة بايرن ميونيخ تعاملت مع ترشيح كين باعتباره قضية تتجاوز حدود اللاعب نفسه، خصوصاً أن ألمانيا لم يكن لديها أي لاعب بين المرشحين الثلاثين للجائزة، في حين مثّل قائد المنتخب الإنجليزي الأمل الوحيد للنادي البافاري في تحقيق هذا الإنجاز.
وحشد بايرن ميونيخ كبار مسؤوليه لدعم كين، بعدما قررت قيادته الحضور إلى مسرح «لندن بالاديوم» لمساندته. ولم تكن هذه التعبئة مجرد تعبير عن التقدير لمهاجم الفريق، بل كانت انعكاساً لمكانته داخل النادي، حيث يُنظر إليه بوصفه الواجهة الدولية الأبرز، والنموذج المثالي للاعب المحترف.

ووصف أولي هونيس، الرئيس الفخري للنادي، كين بأنه أفضل صفقة في تاريخ بايرن ميونيخ، وذهب إلى حد التصريح بأنه يحبه، في تعبير يعكس حجم التقدير الذي يحظى به المهاجم الإنجليزي داخل المؤسسة البافارية.
وشارك المدرب البلجيكي فينسنت كومباني في حملة الدعم، مؤكداً أن تتويج كين بالكرة الذهبية سيكون مكافأة مستحقة لمسيرته والطريقة التي يخدم بها الفريق، رغم وجود المدرب في المستشفى لإجراء فحوص طبية بعد تعرضه لانهيار في مقر تدريبات النادي يوم الجمعة السابق للحفل.
وامتدت الإشادة إلى المدير الرياضي ماكس إيبرل، الذي اعتبر أن كين استحق الجائزة عن جدارة، وأن كل من يحب كرة القدم يقدّر شخصيات من طراز المهاجم الإنجليزي. كما أكد الرئيس التنفيذي يان كريستيان دريسن أنه لا يمكن الحديث عن أبرز الجوائز الفردية لهذا العام دون وضع كين في مقدمة المرشحين، في حين رأى رئيس النادي هربرت هاينر أن اللاعب يجسّد فكرة أن العظمة الرياضية لا تكتمل دون عظمة الشخصية.
وتعود حساسية بايرن ميونيخ تجاه الكرة الذهبية إلى عام 2013، عندما حقّق الفريق الثلاثية التاريخية للمرة الأولى في تاريخه، وكان الفرنسي فرانك ريبيري أحد أبرز نجومه، لكنه خسر الجائزة أمام البرتغالي كريستيانو رونالدو في واحدة من أكثر نتائج التصويت إثارة للجدل.
ووصف ريبيري النتيجة لاحقاً بأنها «سرقة وقرار سياسي»، خصوصاً بعدما مدّد الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي كان ينظم الجائزة آنذاك بالشراكة مع «فرانس فوتبول»، فترة التصويت أسبوعين، من 15 إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، بدعوى ضعف المشاركة.
وتزامن التمديد مع مباريات الملحق الأوروبي المؤهل لكأس العالم، التي سجل خلالها رونالدو أربعة أهداف، بينها ثلاثية أمام السويد، ما عزز حظوظه في التصويت، خصوصاً أن المصوتين حصلوا على فرصة تعديل اختياراتهم السابقة.
لكن خيبة الأمل الأكبر في بايرن جاءت مع البولندي روبرت ليفاندوفسكي، الذي عاش في عام 2020 أفضل مواسمه بعدما قاد الفريق إلى الثلاثية الثانية في تاريخه، وسجل 55 هدفاً في المباريات الرسمية، وتصدر قائمة الهدافين في البطولات الثلاث.
ورغم اعتباره المرشح الأبرز للفوز، قررت الجهة المنظمة إلغاء جائزة الكرة الذهبية لذلك العام بسبب جائحة كورونا، مبررة القرار بعدم تكافؤ الفرص نتيجة توقف بعض الدوريات وعدم إقامة عدد كافٍ من المباريات لإجراء تقييم عادل.
وفي المقابل، اختار الاتحاد الدولي ليفاندوفسكي أفضل لاعب في العالم، لكن ذلك لم يعوض خسارته فرصة الفوز بالكرة الذهبية، خصوصاً بعدما رفضت المجلة الفرنسية إقامة حفل استثنائي لتكريمه لاحقاً.
وتجددت الخيبة عام 2021، عندما حطم المهاجم البولندي الرقم القياسي التاريخي لعدد الأهداف في موسم واحد بالدوري الألماني، والمسجل باسم الأسطورة غيرد مولر منذ 49 عاماً، بعدما سجل 41 هدفاً.
ورغم هذا الإنجاز، حل ليفاندوفسكي ثانياً خلف الأرجنتيني ليونيل ميسي في سباق الكرة الذهبية، بفارق ضئيل بلغ 33 نقطة، بعدما جمع ميسي 613 نقطة مقابل 580 للمهاجم البولندي.
وكشف التقرير عن أن نحو 16 في المائة من الصحافيين الـ170 الذين امتلكوا حق التصويت لم يضعوا ليفاندوفسكي ضمن اختياراتهم الخمسة الأولى، رغم موسمه الاستثنائي.

وكانت المفارقة أن ميسي نفسه اعترف خلال الحفل بأحقية ليفاندوفسكي في الحصول على الجائزة، في موقف عمّق شعور بايرن بأن لاعبيه لا يحظون بالتقدير الدولي الكافي.
وتركت تلك التجربة أثراً كبيراً على المهاجم البولندي، الذي اقتنع بأن اللعب في الدوري الألماني لا يوفر الاهتمام العالمي اللازم للمنافسة على أكبر الجوائز الفردية، قبل أن يطلب الرحيل وينتقل إلى برشلونة صيف 2022.
ولهذا السبب تحديداً، لم يكن بايرن يريد تكرار السيناريو مع كين، الذي قدم موسماً استثنائياً بتسجيل 73 هدفاً في 65 مباراة رسمية مع النادي والمنتخب الإنجليزي، بينها 61 هدفاً بقميص بايرن ميونيخ.
ووضعت هذه الحصيلة كين في المركز الثاني بين أعلى المعدلات التهديفية المسجلة خلال موسم واحد منذ مطلع الألفية، خلف ليونيل ميسي الذي سجل 82 هدفاً في 69 مباراة خلال موسم 2011-2012، قبل أن يُتوّج بالكرة الذهبية عام 2012.
وأشار التقرير إلى أن كريستيانو رونالدو، رغم فوزه بالجائزة خمس مرات، لم يصل خلال موسم واحد إلى حصيلة كين البالغة 73 هدفاً.
وتجاوزت مخاوف النادي الألماني احتمال خسارة جائزة فردية، لتشمل التأثير المحتمل على مستقبل اللاعب ومفاوضات تمديد عقده، فضلاً عن الصورة الذهنية للدوري الألماني، الذي يتعرض لانتقادات تقلل من قيمته التنافسية وتصفه أحياناً بأنه دوري لتطوير المواهب قبل انتقالها إلى أندية أكبر.
وفي هذا السياق، استحضر التقرير تجارب نجوم مثل إيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام، اللذَين برزا في الدوري الألماني قبل انتقالهما إلى مانشستر سيتي وريال مدريد، في مسار يعزّز الاعتقاد بأن الوصول إلى القمة العالمية يتطلب مغادرة «البوندسليغا».
كما ارتبطت حسابات بايرن بمستقبل نجومه الحاليين، وفي مقدمتهم الفرنسي مايكل أوليسيه، إذ أراد النادي توجيه رسالة مفادها أن اللاعب يستطيع بلوغ أعلى مراتب التقدير الفردي دون الحاجة إلى الانتقال إلى ريال مدريد أو غيره من الأندية الأوروبية الكبرى.
وبذلك، اكتسب تتويج كين أهمية مضاعفة بالنسبة إلى بايرن ميونيخ، الذي وجد في الجائزة فرصة لتجاوز ذكريات ريبيري وليفاندوفسكي، وتعزيز مكانته في سوق النجوم العالميين، وإثبات قدرة الدوري الألماني على صناعة أفضل لاعب في العالم.
وبعد 25 عاماً من تتويج مايكل أوين عام 2001، أعادت الكرة الذهبية لاعباً إنجليزياً إلى منصة التتويج، لكنها منحت بايرن ميونيخ في الوقت نفسه انتصاراً يتجاوز حدود الجائزة، بعدما تحولت معركته لدعم كين إلى دفاع عن مكانته الأوروبية وقدرته على الاحتفاظ بأبرز نجومه.
