
شهدت محاولة مستوطنين لإنشاء بؤرة استيطانية في منطقة “الروس” ضمن نطاق المجلس المحلي في مجد الكروم اهتماماً ملحوظاً في وسائل الإعلام العربية والعبرية. وقد دفع هذا المسعى العديد من سكان القرية، بالتعاون مع المجلس المحلي واللجنة الشعبية وأصحاب الأرض، ولاحقاً بالتنسيق مع لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية والنواب العرب ولجنة المتابعة العليا، إلى إطلاق حراك جماهيري شامل من الأنشطة والفعاليات الاحتجاجية التي تعبر عن رفض هذا التعدي.
تحظى هذه القضية بأهمية خاصة ليس فقط بسبب التهديد المحتمل على ملكية الأراضي الخاصة، بل أيضاً لما تحمله من دلالات سياسية واستيطانية أوسع. إذ تأتي هذه المحاولة في سياق مشروع يضع الأرض كعنصر مركزي في الصراع على المكان والحيز وفق معادلة (أرض أكثر، عرب أقل). ويترافق ذلك مع توجهات في أوساط اليمين المتطرف الإسرائيلي الساعية لتوسيع منطق الاستيطان إلى مناطق مختلفة داخل البلاد، بما فيها الجليل والنقب.
في هذا السياق، تبرز السياسات والمشاريع ذات الطابع الاستيطاني، وخاصة التي تتبناها وزيرة المالية بتسلئيل سموتريتش (“ثورة الاستيطان”)، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وما يتبع ذلك من دعم سياسي من رئيس الحكومة وحزبه، في محاولة لنقل أنماط السيطرة على الأرض التي استُعملت في المناطق الجغرافية الأخرى إلى الداخل.
تفاصيل المحاولة: سيناريو السيطرة التدريجية
تفيد المعلومات المتداولة أن الصندوق القومي لإسرائيل (“كيرن كييمت ليسرائيل” – كايل) قد أجَّر جزءاً من الأرض لأحد سكان المجلس الإقليمي “مسغاف” بغرض استخدامها في رعاية المواشي. إلا أن هذه الأرض لم تُستخدم لهذا الغرض بل وُضعت تحت تصرف مجموعة من المستوطنين (“شباب التلال”) الذين قدموا من مستوطنة “تكواع” في الضفة الغربية.
بدأ هؤلاء في التوجه إلى المكان قبل عدة أسابيع، حيث نصبوا خياماً كبيرة وموَّهوا المكان بالكهرباء وأدخلوا ثلاجات وأفراناً وأنابيب غاز، كما رفعوا علماً إسرائيلياً كبيراً كخطوة لتثبيت وجود دائم وخلق بؤرة استيطانية جديدة. وفي رد فعل على ذلك، قاد سكان مجد الكروم والقيادات المحلية والقطرية حراكاً شعبياً للتصدي لهذه البؤرة. وتعتبر منطقة “الروس” منطقة زراعية تعود ملكية أجزاء منها لسكان البلدة، وتكمن خطورة هذه الخطوة في أنها قد تشكل سابقة جديدة في منطقة شهدت عقوداً من مصادرة الأراضي وسياسات تهويد الجليل.
بين القانون الدولي والواقع الإسرائيلي
من الضروري التمييز قانونياً بين وضع الأراضي المحيطة بالوالشأن الداخلي:
القانون الدولي الإنساني: تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على أي دولة نقل سكانها المدنيين إلى أراض محتلة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري (19 يوليو 2024) أن نقل المستوطنين إلى الضفة الغربية والالشرقية يُعتبر غير قانوني، وهو ما أكده أيضاً قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016.
الإطار القانوني الداخلي: يختلف الوضع القانوني داخل إسرائيل عن الضفة الغربية، إذ يعتمد الاعتراض على إقامة البؤرة قانونياً بشكل أساسي على:
- حقوق الملكية الخاصة.
- قوانين التخطيط والتنظيم وقرارات تخصيص الأراضي.
- مبدأ المساواة والقوانين الإسرائيلية ذات الصلة.
- المطالبة بإلغاء دور الصندوق القومي لإسرائيل.
ومع ذلك، لا يمكن التغاضي عن الأبعاد السياسية والقومية، خاصةً بعد إقرار “قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي” عام 2018، والذي ينص في مادته السابعة على أن الدولة “ترى في تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل على تشجيع وتعزيز وإقامة هذا الاستيطان وتثبيته”، من دون الإشارة إلى قيم المساواة أو الديمقراطية.
ويبرز هنا السؤال الأخلاقي والسياسي: كيف تتعامل دولة تدعي الديمقراطية مع أزمة السكن والضائقة المزمنة للتخطيط لدى المواطنين العرب من خلال سياسات تعزز الاستيطان اليهودي على حسابهم؟
خطوة يجب ألا تمر مرور الكرام
أعلن الصندوق القومي لإسرائيل في هذه المرحلة عن إخلاء الموقع الذي تواجد فيه المستوطنون، مع إمكانية إعادة النظر في الموضوع وفق شروط معينة. وإذا كان الإخلاء قد أوقف محاولة تثبيت البؤرة مؤقتاً، فإن القضية لم تنتهِ مادام الباب مفتوحاً أمام إعادة بحث استخدام الأرض مستقبلاً.
إن ما حدث ليس مجرد حادث محلي عابر، بل هو محاولة لتوسيع منطق الاستيطان وخلق وقائع جديدة على الأرض قد تؤدي إلى تصاعد التوتر.
خطوات المواجهة والمستقبل:
اليقظة والمتابعة: يجب الاستمرار بالنضال عبر الوسائل القانونية والشعبية والقضائية والإعلامية والدولية.
العمل المشترك: التنسيق بين السلطات المحلية ولجنة المتابعة والنواب العرب واللجان الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني وأصحاب الأراضي، والتعاون مع القوى الديمقراطية اليهودية.
الارتباط بالأرض: العودة للزراعة والفلاحة والحضور المستمر؛ فالأرض غير المزروعة تصبح أكثر عرضة للمصادرة وتغيير الاستخدام.
العدالة التاريخية: إبقاء قضية القرى العربية المهجرة ومهجري الداخل وحقهم التاريخي في أرضهم حاضرة في الوعي والعمل السياسي.
تؤكد هذه القضية أن حماية الأرض لا تكتمل بمجرد الرد الفوري عند لحظة الخطر، بل تتطلب وجوداً يومياً وصموداً قانونياً وشعبياً مستداماً. إن اليقظة المستمرة وتثبيت الجذور في الأرض هما القوة التي تتكسر عليها كل محاولات المصادرة وتغيير ملامح الحيز.
