
يأتي يوم الجمعة إلى السجن مختلفا، لا نحتاج إلى تقويم كي نعرفه، يكفي أن نشعر بثقل الساعات، وأن ننتظر الوقت الذي اعتدنا فيه أن تتجه فيه أجسادنا إلى الصلاة.
لكننا هنا لا نتجه إلى مسجد، نحن ننتظر خلف باب حديدي، نتحسس الوقت، وننظر إلى بعضنا بصمت، في خارج سجون بن غفير، يكون الأذان دعوة إلى الصلاة، ولكن هنا قد يكون الأذان سببا للاقتحام، وهذا ما جرى عشرات المرات، عندما يكون الذنب تأدية صلاة.
يمنعنا الاحتلال من أداء صلاة الجمعة جماعة، ويمنع الخطبة، ولا يكتفي بذلك، بل يرسل دوريات خاصة في وقت الصلاة، تمر بين الأقسام والغرف، تراقب وتستمع، وتتأكد من أننا لا نحاول أن نقيم الصلاة جماعة.
لهذا، حتى الصلاة لها خوفها، نخفض أصواتنا، نقترب من بعضنا.
نراقب الباب، نحسب خطوات السجان في الممر، ثم يبدأ أحدنا، بصوت يكاد لا يُسمع، في تلاوة ما تيسر، لا أحد يريد أن يكون الصوت أعلى مما ينبغي.
ليس لأننا نخجل من صلاتنا، بل لأننا نعرف ما ينتظرنا إذا وصل الصوت إلى الخارج، في سجن نفحة، تكرر المشهد أكثر من مرة،
يكفي أن يصل إلى آذانهم صوت أذان أو خطبة حتى يتغير كل شيء.
خطوات سريعة في الممر، صوت مفاتيح، صراخ، ثم ينفتح الباب بعنف، تلقى قنبلة صوتية بين الأسرى، دخان، وارتباك، وأجساد تتراجع إلى الجدران.
وفي اللحظة التي نحاول فيها استيعاب ما يحدث، تبدأ الأيدي بالضرب، لا يسألون من كان يصلي، لا يهمهم من كان جالسا أو واقفا، الغرفة كلها تصبح هدفا، يُضرب الجميع، وتتحول الدقائق التي كنا نحاول فيها أن نصلي إلى دقائق من الصراخ والألم.
بعدها يعود كل شيء إلى الصمت، لكن ليس الصمت الذي يسبق الصلاة، إنه صمت آخر، صمت رجل يضغط على موضع الألم في جسده، وآخر يمسح الدم أو الدموع دون أن يريد لأحد أن يراه، وثالث يجلس في زاوية الغرفة ويحاول أن يستعيد أنفاسه.
ورغم ذلك، يأتي الجمعة من جديد.
ونحاول من جديد، ليس تحديا للصوت العالي، ولا بحثا عن مواجهة، إنها محاولة بسيطة لأن نبقى بشرا، أن نقف كتفا إلى كتف، أن نسمع كلمة من خطبة، أن نقول «الله أكبر» دون أن نلتفت إلى الباب.
أن نسجد ونحن نعرف أن خلف الجدار عالما كاملا يستطيع أن يصلي دون خوف، أما نحن، فقد أصبحنا نخشى حتى من صوت الدعاء.
في السجن، لا تصبح صلاة الجمعة حلما لأن المسجد بعيد.
تصبح حلما لأن الباب قريب جدا، لأن خلفه جنودا ينتظرون صوتا.
ولأن بيننا وبين سجدة هادئة، قنبلة صوت، واقتحام، وضرب.
ومع ذلك، كل جمعة، حين يقترب وقت الصلاة، ننظر إلى بعضنا، نخفض أصواتنا، نغلق خوفنا في صدورنا، ونصلي.
لأنهم يستطيعون أن يمنعوا عنا المسجد، ويمنعوا الخطبة، ويقتحموا الغرفة، ويضربوا الأجساد، لكنهم لا يستطيعون أن ينتزعوا من الأسير تلك اللحظة التي يضع فيها جبينه على أرض السجن ويقول: الله أكبر.
