أمام مخبز في حي المرج الشعبي بالعاصمة القاهرة، تحاول إيمان عبد الفتاح حساب المال الذي بحوزتها لتقويم كمية الخبز التي يمكنها شراؤها، بعد أن تم استبعاد أسرتها من نظام الدعم الغذائي.
تقول عبد الفتاح، وهي أم لأربعة أطفال وتبلغ من العمر 42 عاماً، لوكالة فرانس برس: “في الماضي كنا نغضب إذا لم تكف الأموال لشراء اللحم، لكن الآن نحن خائفون من عدم كفايتها لشراء الخبز”.
منذ استبعاد حوالي 850 ألف شخص من نظام الدعم في يونيو الماضي، بدأ هؤلاء في دفع أسعار تصل إلى عشرة أضعاف سعر الخبز المدعوم، وفق بيانات وزارة التموين المصرية.
يعتبر الخبز البلدي مكوناً أساسياً في غذاء ملايين المصريين، ولا يكاد يكون مفقوداً من الوجبات اليومية، خاصة لدى الأسر ذات الدخل المحدود.
ملايين مهددون بفقدان الدعم
تشكل هذه الإجراءات جزءًا من خطة حكومية للحد من تكلفة واحدة من أكبر برامج الدعم الغذائي في العالم. ومن المتوقع أن تتوسع عمليات الاستبعاد لتشمل ملايين الأشخاص في العام المقبل، في سياق الإصلاحات الاقتصادية التي تطبقها مصر بدعم من صندوق النقد الدولي.
تؤكد الحكومة أن رفع الدعم سيقتصر على من تسميهم “غير المستحقين”. ومع ذلك، يدعي بعض المتضررين أن المؤشرات المستخدمة لتحديد المستحقين، مثل تسجيل الأبناء في مدارس خاصة، قد لا تعكس مستوى دخل الأسرة أو قدرتها على تحمل تكاليف المعيشة.
تتزامن إعادة هيكلة نظام الدعم مع أزمة اقتصادية شديدة شهدت فيها مصر تخفيض قيمة عملتها عدة مرات. وقد أدى ذلك إلى تآكل المدخرات وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إذ يشتكي العديد من المصريين من أن الرواتب لم تعد كافية لتلبية احتياجاتهم الشهرية.
معدل التضخم في مصر حوالي 15 بالمئة، بينما كانت البيانات الرسمية قبل تفاقم الأزمة الاقتصادية في عام 2022 تشير إلى أن نحو ثلث المصريين، أي حوالي 35 مليون شخص، يعيشون تحت خط الفقر. وكان ثلث آخر من السكان يعيش بالكاد فوق هذا الخط.
لم تنشر السلطات المصرية بيانات جديدة حول معدلات الفقر منذ ذلك الحين، لكن الحكومة تشير إلى أن حوالي 66 مليون شخص ما زالوا يعتمدون على الخبز المدعوم.
بلغت تكلفة دعم المواد الغذائية في مصر حوالي 3.2 مليار دولار في عام 2025، في حين يُتوقع أن تتجاوز فوائد الديون الخارجية وحدها 29 مليار دولار خلال عام 2026.
وجبات أقل واللحوم تندر على الموائد
داخل متجر بقالة في حي المرج، يترقب المتسوقون أسعار مشترياتهم بقلق. وقد تسببت إحدى السيدات في تأخير الطابور أمام صندوق الدفع بعد أن اضطرت لإعادة بعض السلع لأنها اكتشفت أن قيمة الفاتورة تجاوزت ما يمكنها دفعه.
وقالت النساء اللاتي التقت بهن وكالة فرانس برس إنهن أصبحن يتناولن كميات أقل من الطعام حتى يتسنى لهن توفير وجبات كافية لأطفالهن.
وأوقف بعض الأسر شراء الفواكه واللحوم والحلويات. ومن بين هؤلاء، سهام عبد القوي، البالغة 40 عاماً، التي تقول: “نعيش في قلق مستمر بشأن ما إذا كان لدينا ما يكفي من المال حتى نهاية الشهر”.
كانت أسرة سهام عبد القوي قادرة في الماضي على شراء اللحوم بين الحين والآخر. أما الآن، فلم يبق في ثلاجتها سوى القليل من الخضار وقوالب الثلج. ولا يُقدم الدجاج على مائدة الأسرة إلا مرتين في الشهر، فيما تُقاس كمية الأرز المعدة كل يوم بعناية.
9 ملايين يعانون من سوء التغذية في مصر
وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، كان حوالي تسعة ملايين شخص في مصر يعانون من سوء التغذية خلال العام الماضي، بينما واجه أكثر من 30 بالمئة من السكان انعدام الأمن الغذائي.
كانت سهام عبد القوي، مثل إيمان عبد الفتاح، من بين المستبعدين من الدعم بعدما قررت أسرتها تسجيل أبنائها في مدرسة خاصة متواضعة. لكنها تصر على أن هذا القرار لا يعني أن أسرتهما في وضع مالي مريح، بل كان تضحية لتحقيق تعليم الأطفال، معتبرة أن الالتحاق بمدرسة خاصة لا يعد دليلاً كافياً على القدرة الأسرية على الاستغناء عن الدعم.
تعكس حالة الأسرتين القلق المتزايد من أن تؤدي معايير الاستبعاد إلى حرمان أسر ذات دخل محدود من الدعم، في وقت تقلصت فيه قدرتها على شراء المواد الغذائية الأساسية.
بالنسبة لإيمان عبد الفتاح، لم تعد اللحوم أو الحلويات هي الأمر الأهم، بل أصبح تأمين الخبز اليومي لأطفالها هو الأولوية.
هل الدعم النقدي هو الحل البديل؟
تستعد مصر لإحداث تغيير جذري جديد في نظام الدعم بدءًا من يناير المقبل، بالانتقال تدريجياً من بطاقات التموين والدعم العيني إلى المساعدات النقدية المباشرة.
تؤكد الحكومة أن النظام الجديد سيضمن حصول الدعم على مستحقيه وسيوفر للمواطنين حرية أكبر في الإنفاق. لكن خبراء الاقتصاد وبعض المواطنين يقلقون من أن المساعدات النقدية قد تفقد جزءاً من قيمتها بسرعة إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
بينما تتحدث السلطات عن ضرورة إصلاح نظام الدعم وتقليص الأعباء الملقاة على كاهل الموازنة، ترى الأسر المصرية أن هذه الإصلاحات تمس آخر أمل لها في مواجهة ارتفاع الأسعار.
