
بينما ينشغل معسكر التغيير في “إسرائيل” بالصراع حول من يقودهم، يستمر اليمين في إعادة تنظيم صفوفه استعدادًا للانتخابات المقبلة. تتزايد المنافسة بين نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت على حجم الأحزاب وموقع المرشح لرئاسة الحكومة، في حين ينتظر أفيغدور ليبرمان في الخلفية فرصة قد تجعله لاعبًا حاسمًا إذا انتهت الانتخابات بتعادل جديد.
ويكشف النقاش المتزايد داخل معسكر التغيير عن مفارقة سياسية ملحوظة: في الوقت الذي يدفع فيه بنيامين نتنياهو وحكومته في اتجاهات سياسية وأمنية صارمة، يستهلك خصومه جزءًا كبيرًا من طاقاتهم في التساؤل حول من يقود المعسكر ومن يملك حق تمثيله في الانتخابات المقبلة.
وبحسب ما أفادت به وسائل الإعلام والمحللون الإسرائيليون، فإن الخلاف داخل معسكر التغيير لا يقتصر فقط على السياسة، بل يتعلق أيضًا بمن يملك حق قيادة المعسكر. يقول بينيت إنه سيقبل قرار المعسكر بشأن مرشحه لرئاسة الحكومة، ولكنه في الوقت نفسه يعلن أن فريقه هو الوحيد القادر على إصلاح الدولة. يسعى آيزنكوت لزيادة قوة حزبه، مما يثير داخل المعسكر سؤالًا حول ما إذا كان بناء حزب أقوى يعني بالضرورة إنشاء معسكر أقوى.
ومن الأهمية بمكان أن معسكر التغيير نفسه ليس كتلة سياسية متجانسة؛ فهو يضم أحزاباً وشخصيات تختلف في مواقفها السياسية والأمنية، ورؤيتها تجاه العرب والأحزاب العربية، فضلاً عن الخلافات بين قادته. لذا، فإن الاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو لا يعني بالضرورة توافقًا حول ما يجب أن يأتي بعده.
في المقابل، تتحرك قوى اليمين داخل فضاء سياسي أكثر وضوحًا في العديد من القضايا. فإلى جانب حزب الليكود، تواصل القوى الدينية والقومية الأكثر تشددًا تعزيز حضورها، بينما يسعى إيتمار بن غفير للحفاظ على موقع سياسي قوي، فيما تسعى قوائم أخرى إلى تجاوز نسبة الحسم. على الرغم من عدم اتفاق هذه القوى على كل الأمور، إلا أنها تتحرك في اتجاه عام واضح نحو اليمين.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية أمام معسكر التغيير: يمكن أن تكون الخلافات مع نتنياهو عميقة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة القدرة على إسقاطه إذا ظل المعسكر منقسمًا على نفسه.
هذه ليست مشكلة بسيطة. فالنظام السياسي في “إسرائيل” لا يضمن للحزب الأكبر القدرة على تشكيل الحكومة، وقد يتحول حزب متوسط الحجم إلى طرف حاسم إذا لم يتمكن أي معسكر من الوصول إلى أغلبية. ومن هنا تأتي أهمية ليبرمان، الذي قد يجد نفسه مرة أخرى في موضع يسمح له بالتأثير على شكل الحكومة المقبلة، خصوصًا إذا عاد سيناريو التعادل السياسي.
لكن السؤال الذي يهم الفلسطينيين لا يتعلق فقط بمن سيشكل الحكومة المقبلة، بل بما إذا كان تغيير الحكومة سيؤدي إلى تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فالانتخابات قد تغير نتنياهو، لكنها لا تغير بالضرورة المفاهيم التي حكمت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. وحتى إذا صعد بينيت أو آيزنكوت أو شخصية أخرى إلى رئاسة الحكومة، يبقى السؤال حول غزة والضفة والوالاستيطان واستعمال القوة العسكرية وموقع القضية الفلسطينية في السياسة الإسرائيلية.
وهنا يجب التمييز بين تغيير القيادة وتغيير المسار. فقد تكون الخلافات بين القوى المعارضة لنتنياهو حقيقية ومهمة في العديد من القضايا، لكنها لا تعني بالضرورة وجود تصور مختلف جذريًا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد تكون هذه النقطة هي الأهم في الانتخابات المقبلة: هل ستسفر عن تغيير في الأشخاص فقط، أم ستفتح نقاشًا حول السياسة التي أوصلت الصراع إلى ما هو عليه؟
أما النقاش الدولي الموازي حول يوفال أبراهام وراشيل زور، مخرجي فيلم “نازا”، ومغني الراب الأمريكي ماكلمور، الذي اتخذ مواقف علنية داعمة للقضية الفلسطينية ومنتقدًا للحرب على غزة، فيكشف عن مفارقة أخرى.
بينما تتحول فلسطين إلى موضوع سجال في المهرجانات والجامعات والحفلات الموسيقية، يبقى الفلسطينيون، وخصوصًا في غزة، بعيدين عن مركز هذا النقاش. بالنسبة للعشرات من الفلسطينيين العالقين تحت أنقاض مبنى انهار أمس الأربعاء في غزة، مما أسفر عن مقتل 21 فلسطينيًا، لا تكفي مواقف الفنانين ولا التصفيق في المهرجانات؛ ما يهمهم هو إنهاء القتل، والحصول على مأوى ودواء وماء، وإنهاء واقع الحرب والحصار.
لذا، فإن الانتخابات الإسرائيلية تستحق المتابعة، لكن ليس فقط من زاوية من سيهزم نتنياهو أو من سيصبح رئيسًا للحكومة. الأهم هو معرفة ما إذا كان هناك تغيير حقيقي في رؤية “إسرائيل” للصراع.
السؤال الفلسطيني ليس: من سيأتي بعد نتنياهو؟ بل: هل سيأتي معه مسار مختلف؟ لأن تغيير الوجوه في “إسرائيل” لا يعني بالضرورة تغيير الواقع بالنسبة للفلسطينيين.
