
رفع الأعلام الأمريكية فوق عدد من منازل بلدة ترمسعيا، شمال شرقي رام الله، لم يكن مجرد تعبير عن ولاء سياسي، بل كان نداء استغاثة اضطر أصحابه إلى كتابته بلغة القوة المهيمنة: “نحن مواطنون أمريكيون، وربما تمنحنا هذه الصفة حماية لا توفرها لنا إنسانيتنا، ولا حقوقنا، ولا حتى حقيقة أننا أصحاب الأرض”.
تكررت اعتداءات المستوطنين على البلدة ومنازلها وأراضيها، بينما يقيم غالبية سكانها خارج فلسطين، حيث يحمل نحو 80% منهم الجنسية الأمريكية، وفق تقديرات محلية. وبسبب تزايد هذه الاعتداءات والضغط الذي فرضه الفلسطينيون الأمريكيون، اضطر السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى زيارة البلدة والاستماع إلى عدد من سكانها.
وصل هاكابي إلى ترمسعيا بصفته الرسمية القنصلية أولًا، وليس كممثل للدولة القادرة على الضغط على حكومة إسرائيل لوقف المشروع الذي يُنتج هذه الاعتداءات. بدأ حديثه بالتأكيد على متابعته لأوضاع المواطنين الأمريكيين المقيمين في “الدولة” التي يعمل سفيرًا لديها، مؤكدًا أن من واجب السفارة الاستماع إلى ما يعانيه هؤلاء من مخاطر، بما في ذلك اعتداءات المستوطنين والجيش.
بهذا التحديد، وضع هاكابي حدود زيارته منذ البداية، مؤكدًا أن القضية ليست مجرد تعرض قرية فلسطينية لاعتداءات منظمة تحت حماية الجيش، بل تتعلق بأن بعض ضحايا هذه الاعتداءات يحملون جواز السفر الأمريكي.
حماية استثنائية لا حق فلسطيني عام
زار هاكابي منزلًا اختارته البلدية كونه نموذجًا واضحًا للحالة التي جاء من أجلها، وهو منزل فلسطيني أمريكي يرفع العلم الأمريكي، فيما تتواجد بالقرب منه بؤرة استيطانية ينطلق منها المعتدون. صعد السفير إلى سطح المنزل وعاين البؤرة بعينه، لكنه احتاج سياسيًا إلى أن يرى العلم الأمريكي قبل أن يلاحظ الخطر الذي يواجهه سكان ترمسعيا يوميًا.
المفارقة هنا قوية، فالفلسطيني لن يدخل دائرة الاهتمام الأمريكي إلا كمواطن أمريكي مهدد، أما الجريمة والمعتدي فكلاهما يبقيان نفسهما، وما يتغير هو جواز سفر الضحية.
هذه ليست حماية بقدر ما هي إعادة إنتاج للتراتبية الاستعمارية في قيمة البشر وفق قواعد أن حياة تستحق الاهتمام لأنها تحمل جنسية الدولة المهيمنة، وحياة أخرى يمكن أن تتعرض للاعتداء بصمت لأنها فلسطينية فقط.
استخدم هاكابي عبارات حادة نسبيًا، واصفًا بعض الاعتداءات بأنها “أعمال إرهاب”، وشدد على ضرورة التحقيق فيها ومحاسبة منفذيها. ومع ذلك، بقيت هذه الإدانة محكومة بسقف سياسي واضح؛ فقد حرص من جهته على تقديم المعتدين كـ “أقلية ضئيلة” لا تمثل مئات آلاف المستوطنين، وعزَل سلوكهم عن المشروع الاستيطاني الذي يكمن خلفهم.
إدانة الأداة وتبرئة المشروع
بالنسبة إلى هاكابي، لا تكمن المشكلة في الاستيطان أو الاستيلاء التدريجي على الأرض، وإنما تبدأ بمجرد أن يتحول عنف المستوطنين إلى مشاهد فظّة ومصورة، مستهدفة مواطنين أمريكيين وصحافيين دوليين، مما يضع الحليف الإسرائيلي في موقف دفاعي.
قال هاكابي بشكل واضح إن مشاهد الملثمين الذين يحملون الهراوات ويهاجمون منازل العائلات الفلسطينية تلحق ضررًا بصورة “إسرائيل”، بما في ذلك داخل الحزب الجمهوري، وبالتالي فإن مصدر القلق هنا ليس الفلسطيني الذي يتعرض للاعتداء، وإنما صورة “إسرائيل” التي تتضرر أمام الرأي العام، مما يجعل الاعتراض على سوء إدارة العنف وليس على الغاية منه.
يزداد هذا المعنى وضوحًا حين ينظر إلى موقفه من الاعتداءات بجانب دعمه العلني للبناء الاستيطاني في المناطق المصنفة “ج”. حيث زعم أن اتفاق أوسلو يمنح الإسرائيليين حق البناء فيها، واعتبر إقامة التجمعات الاستيطانية “مسؤولية” تستوجب زيادة عدد “السكان الإسرائيليين”.
يعزل هاكابي إحراق المنازل، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء على الأراضي، وحصار القرى عن وظيفتها الأصلية داخل المشروع الاستيطاني. وكأن البؤرة الاستيطانية ظهرت بالصدفة، وكأن المستوطنين يتصرفون خارج منظومة تسهل لهم الأرض والسلاح والحماية، ثم يأتي الجيش بعد كل اعتداء لتأمين انسحابهم أو منع الفلسطينيين من الدفاع عن قريتهم.
وبالتأكيد، تسمح هذه الرواية بإدانة عدد محدود من “مثيري الشغب” وتأطير الجرائم في هذه الحدود، مع الإبقاء على الاستيطان مشروعًا مشروعًا وقابلًا للتوسع، إذ يصبح المطلوب هو تهذيب أدوات الاقتلاع، لا وقف الاقتلاع نفسه.
من مستوطنة “شيلو” إلى ترمسعيا
بالرغم من الاحتفاء الإعلامي والتركيز المبالغ فيه، فإن التعامل مع زيارة هاكابي لا يجوز اعتباره تحولًا في موقفه، فهو واحد من أبرز وجوه التيار الإنجيلي الصهيوني، ومن أكثر السياسيين الأمريكيين تماهيًا مع المشروع الاستيطاني. لا يستخدم مصطلح الضفة الغربية إلا نادرًا، ويفضل التسمية التوراتية “يهودا والسامرة”، وقد سبق له إنكار وجود مستوطنات أو الاحتلال، معتبرًا إياها “مدنًا وأحياء وتجمعات”.
وفي عام 2015، ادعى أن مطالبة “إسرائيل” بالضفة الغربية أقوى من مطالبة الولايات المتحدة بمانهاتن. وأقر، خلال جلسة تثبيته كوزير، بأنه سبق أن أيد ضم الضفة، ثم استمر بعد توليه منصبه في زيارة المستوطنات، بما في ذلك مستوطنة “شيلو” القريبة من ترمسعيا.
انتقل هاكابي هذه المرة من “شيلو” إلى البلدة التي تعاني آثار المشروع الذي يمنحه الدعم. أعرب عن إدانته لسلوك بعض المستوطنين، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة عن تأييدهم. زار ضحايا العنف، من دون أي تراجع عن دعمه للبنية المنتجة له.
وبالتالي، فإن هاكابي لا يمكن أن يكون وسيطًا بين طرفين، ولا دبلوماسيًا يسعى إلى حماية المدنيين، لأنه في جوهره مُمثل لمشروع استعمار يسعى في أحسن أحواله إلى ضبط أكثر أدواته إحراجًا، إذ يريد استيطانًا يتوسع بهدوء، ومستوطنين يستولون على الأرض دون مشاهد تثير الرأي العام، وعنفًا لا يقترب من أصحاب الجوازات الأمريكية كثيرًا.
العلم الأمريكي وحدود الوعي المحاصر
يمكن فهم لجوء بعض أهالي ترمسعيا إلى رفع العلم الأمريكي في سياق الخوف والعجز والبحث عن أي وسيلة متاحة لحماية العائلة والمنزل. من الصعب على من يواجهون مستوطنين مسلحين برعاية من الجيش اتخاذ قرار بشأن وسائل الحماية. وقد يصبح العلم، في لحظة الخطر، محاولة لتأخير الاعتداء أو رفع كلفته السياسية.
ومع ذلك، يبقى المشهد مؤلمًا في دلالته، حيث يرفع الفلسطيني علم الدولة التي تسلح القوة التي تضطهده، آملًا في أن تحميه من السلاح الذي زودته به ومن المشروع الذي ترعاه.
كتب فرانز فانون عن الاستعمار بوصفه قوة لا تكتفي باحتلال الأرض؛ بل تدخل إلى البيت والعقل، وتعيد تشكيل صورة المستعمر عن نفسه وقدرته على الفعل. وفي الحالة الفلسطينية، يظهر أحد أشكال هذا الأثر عندما تتحول الحماية إلى منحة ينتظرها الفلسطيني من راعي القوة التي تضطهده، وعندما يظهر جواز السفر الأجنبي كأداة أكثر قدرة على حماية المنزل من الحق التاريخي والقانوني لصاحبه.
وفقًا لإيمي سيزير، فإن الاستعمار يعتمد على “تشييء” الإنسان الخاضع له، أي تحويله من صاحب حق وإرادة إلى موضوع تسير فيه القوة المهيمنة. وهذا ما يختزله مشهد ترمسعيا، إذ لا ترى المنظومة السياسية الأمريكية الفلسطيني إلا وهو يحمل جنسيتها، ولا تسمع صوته إلا حين يصبح الاعتداء عليه مصدر حرج داخلي لها.
المشكلة الأساسية ليست في العلم الذي رفعه أهل البلدة تحت وطأة الخوف، بل تعود إلى الحالة السياسية التي دفعتهم إلى الاعتقاد بأنه آخر ما تبقى من وسائل النجاة. وتكمن المخاطر في إمكانية تحويل هذه المحاولة الاضطرارية للحماية إلى وعي دائم يرى الخلاص في استجداء الرحمة من القوة الراعية للقوة المهيمنة، ويستبعد قدرة الفلسطينيين على تنظيم الحماية الشعبية والقانونية والإعلامية لأرضهم، ورفع كلفة الاعتداء وملاحقة مرتكبيها وداعميها.
رسالة هاكابي الحقيقية
المحصلة السياسية لزيارة هاكابي لا تشير إلى مراجعة أمريكية للموقف من الاستيطان، إذ لم يحمل السفير أي تهديد بوقف الدعم، أو فرض عقوبات جدية، أو مساءلة حكومة إسرائيل عن حماية المستوطنين، أو اشتراطًا يربط العلاقات الأمريكية بوقف التوسع الاستيطاني. أقصى ما حمله هو مطالبة “إسرائيل” بالتحقيق في بعض الجرائم، وهو يعلم تمامًا أن المنظومة الرسمية توفر الحماية للمستوطنين، وتمنع أي شكل من أشكال محاسبتهم أو ضبط سلوكهم لأن ذلك يعبر في جوهره عن سياسة رسمية ترعاها حكومة “الحسم” الصهيونية.
يمكن تلخيص الرسالة التي تركها هاكابي للمستوطنين بعدم ترك أي بصمات أو مواد يمكن أن تمس بصورة “إسرائيل” وتدفعها للتحرك دبلوماسيًا.
أما الفلسطينيون، فلا ينبغي عليهم أن يشعروا بالاطمئنان تجاه زيارة السفير، ولا يتوقعوا من أحد المتحمسين للاستيطان أن يتحول إلى حامٍ للمواطنين. من يشرعن الاستيلاء على الأرض لا يمكن أن يكون مرجعية لحماية أصحابها، ومن ينكر الاحتلال لا يمكنه معالجة النتائج اليومية التي ينتجها.
لا يحمي العلم الأمريكي بيتًا فلسطينيًا إلا بقدر ما تريد واشنطن حماية صورتها ومواطنيها. والحماية الحقيقية تبدأ حين يستعيد الفلسطيني ثقته بقدرته على الصمود والتنظيم والمواجهة السياسية والقانونية والشعبية، وحين تتحول كل قرية مستهدفة إلى قضية وطنية عامة، لا إلى ملف قنصلي محدود بحملة جنسية أجنبية.
جاء هاكابي إلى ترمسعيا لاحتواء الضغط، ففضحت زيارته جوهر المعادلة التي يؤمن بها، فالأرض كلها متاحة للمشروع الاستيطاني، والاعتراض قد يبدأ فقط عندما يقترب المستوطن من منزل يرفرف فوقه العلم الأمريكي. عندها يصبح العنف “إرهابًا”، بينما الاستيطان الذي أوصل الإرهابي إلى عتبة المنزل، يبقى في قاموس السفير حقًا ومسؤولية.
